حياتي كواحدة من الموَلَّدين الحضارم

يكافح العديد من المولودين من أجل قبولهم في المجتمع اليمني. [جيتي]

في حضرموت، المنطقة التي انحدر منها، جنوب شرقي اليمن، يولى نسب العائلة أهمية كبيرة، حيث تكشف كنية الفرد والقبيلة التي ينتمي إليها مكانته داخل المجتمع الحضرمي. ولكنني لم أترعرع على هذه الأفكار لأن أبي لم يولد في اليمن. 

حين كنتُ في المدرسة الابتدائية، تعرّفتُ على زميلة لي في الصف تحمل الكنية ذاتها التي تتكنى بها قبيلتي. كانت في غاية السعادة بصلتنا هذه. ولكن على العكس من صديقتي الجديدة، لم أكن أدرك معنى الألقاب اليمنية، مثل سيد، شيخ، قبيلي، أو حتى عبد! سألتني صديقتي – وهي مفعمة بالثقة – عن شعوري بهذا الانتماء إلى قبيلة، كونها طبقة رفيعة في اليمن على عكس طبقة المساكين التي كانت العديد من الفتيات الأخريات في الصف ينتمين إليها، ذُهلتُ بتصنيفات صديقتي الجديدة، وحين طلبت مني رقم هاتفي، كتبته لها بكل سرور على ورقة صغيرة. عندما عدت إلى المنزل، انتظرت قرب الهاتف والتقطت السماعة فور رنينه، ولكنّها لم تكن صديقتي بل أمها إذ أرادت التأكد من أنني أنتمي فعلًا إلى نفس القبيلة التي تنتمي إليها ابنتها، وحين سألتني إلى أي فخيذة أنتمي، لم أستطع الإجابة، فسألتني “من أين ينحدر أبوك؟”، فأجبتها دون تردد: “من كينيا”. كانت هذه الإجابة الوحيدة التي أعرفها، إذ لطالما تحدث أبي عن مسقط رأسه بكل فخر.

حين أخبرتُ أمي عن هذه المحادثة، كادت أن تُصاب بنوبة هلع، وحذرتني من أنني إذا ظللتُ أطلع الآخرين عن مسقط رأس أبي، فسيعتبرونني “عبدة” ويسيئون معاملتي، وقبل أن أتمكن من شرح القصة لصديقتي، كانت أمها قد عملت على وأد صداقتنا الوليدة إذ أنها تعتقد أن علاقتي بابنتها تحطّ من شأنها وقيمتها.

وكانت تلك بداية المتاعب المضنية التي سأواجهها لوقت طويل بعد أن تبيّن بأن أبي مُوَلَّد، يعيد بعض الباحثين جذور الهجرة الحضرمية التي امتدت من منطقة الخليج العربي وشرق إفريقيا حتى شرق آسيا، إلى القرن الثالث عشر ويعزونها إلى أغراض تجارية ودينية في المقام الأول حيث ما زال الحضارمة يحظون في أغلب الدول التي هاجروا إليها بالاحترام داخل المجتمعات، وكانوا من أوائل الدعاة بالإسلام عبر مبدأ التعايش أو ما يُسمى ” بفتوحات السلم”.

حدثت موجة كبيرة أخرى من الهجرة الحضرمية أوائل أربعينيات القرن العشرين، إبّان الحرب العالمية الثانية، حين كان جنوب اليمن عبارة عن سلطنات ومشيخات متفرقة، وقد عانت حضرموت من مجاعة كارثية أودت بحياة ما يقرب من 35 ألف نسمة، وهي نسبة كبيرة من سكانها. ودفع الجفاف وتوقف حركة التحويلات المالية العالمية بالعديد من العائلات الحضرمية على الهجرة إلى شرق إفريقيا وآسيا بحثًا عن الحياة الكريمة.

أرسلت بعض العائلات الحضرمية في بلدان المهجر أطفالها إلى حضرموت لدراسة اللغة والدين، وبقي بعض هؤلاء الأطفال في حضرموت بصورة دائمة، وتُسمى هذه الفئة على وجه الخصوص بالمُوَلَّدين، أي الذين ولدوا خارج اليمن من أب حضرمي، بغض النظر عن والدتهم سواء كانت غير يمنية أو حتى غير عربية، وهكذا تبقى العائلة من فئة “المُوَلَّدين” إلى الأبد.

رغم حفاظ الحضارمة على ثقافتهم إلى حد كبير في دول المهجر، إلا أنهم عادوا إلى حضرموت بتقاليد اكتسبوها من شرق إفريقيا وآسيا، وأدت حركة الذهاب والعودة المستمرة لهذه الأجيال إلى تشكّل جماعات داخل المجتمع تتميز بلهجات وأطعمة وألبسة وتقاليد للأعراس كما ميّز التزاوج مع الآسيويين والأفارقة هؤلاء العائدين عن بقية السكان في المظهر؛ ولهذا السبب، يكافح الموَلَّدون لكي يتقبّلهم اليمنيون الآخرون، خاصة أولئك العائدون من شرق إفريقيا؛ بسبب العنصرية المنتشرة داخل المجتمع، إذ كان، وما يزال أحيانًا، يُطلق عليهم وصف “العبيد” كما انتشر هذا الموقف العدائي في الأمثال والثقافة الشعبية حيث ينظر إليهم على أنهم حمقى وبخلاء ومتحررين زيادة عن اللزوم، وترفض بعض العائلات الحضرمية زواج أبنائها من المُوَلَّدين، بينما يعاني العديد من المُوَلَّدين أيضًا من تقليل الجيران من شأنهم.

هاجر جد أبي مع ابنه البالغ 12 عامًا إلى كينيا أوائل عشرينيات القرن الماضي، وكان عملهم في تجارة الجلود يدرّ عليهم دخلًا جيدًا جدًا أكسبهم مكانة اجتماعية رفيعة في كينيا، وكان جدي أيضًا لاعب تنس مشهور على الصعيد الوطني، كما تلقى أبي وأعمامي تعليمًا إنجليزيًّا رفيع المستوى ولكن حلم العودة إلى حضرموت كان يراودهم باستمرار إذ كانوا متمسكين بفكرة أن كينيا ليست سوى محطة مؤقتة ولابد من العودة إلى الوطن الأم، بالرغم أنهم لم يزوروا اليمن من قبل.

في السبعينيات والثمانينيات، وبعد فترة من الاستقرار السياسي والاقتصادي النسبي، وبعد نشوة التحرر من الاستعمار في اليمن الجنوبي، بدأ الحضارمة في دول المهجر بالعودة إلى حضرموت بصورة جماعية، وكان أبي واحدًا من هؤلاء العائدين، رغم أنه كان يحمل الجنسية الكينية فقط في ذلك الوقت.

عند عودته إلى حضرموت، كان أبي يبلغ من العمر 27 عامًا، وكان يتقن اللغتين الإنجليزية والسواحلية، ولكن لغته العربية كانت ضعيفة جدًا، وفي حين اعتُبر ذلك أمرًا سيئًا في بعض النواحي، إلا أن ميزته كانت كبيرة أيضًا: فبإمكان المتحدثين باللغة الإنجليزية العمل في شركات النفط الأجنبية ذات الرواتب المرتفعة.

ولكن كان من الصعب على أبي والمُوَلَّدين الآخرين كسب ثقة أرباب العمل الحضارمة، لذلك؛ واجهنا صعوبات مادية بعد تعرض أبي للإصابة في عمله بالشركة، وولّد هذا رغبة عنده للعودة إلى العيش في المهجر. لم أزر كينيا أبدًا، لكنني لطالما شعرت بأنني سأكون أفضل حالًا هناك، وأنه على الأقل لن ينعتني أحد بـ”سواحلية” خلال مشاجرة ما، وكنت أشعر حينها أننا لا ننتمي إلى اليمن؛ إذ سنكون دائمًا مصنفين كموَلَّدين، وفي الواقع، بدأت لدي مشاعر الاستياء هذه منذ اتصلت بي والدة صديقتي وأخبرتني بحقيقة أنني “موَلَّدة” وما يعنيه هذا في المجتمع.

بعد اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، وتدهور الأوضاع المعيشية، أصبحت الهجرة أو طلب اللجوء في الخارج الموضوع الأكثر تداولًا في البلاد، ونشرت صديقة على وسائل التواصل الاجتماعي خريطة للبلدان القليلة التي يستطيع اليمنيون دخولها دون تأشيرة، وأظهر تعليق لصديقة من المُوَلَّدين خريطة أخرى لبلدان أكثر تسمح للكينيين بدخول أراضيها دون تأشيرة، وكانت تلك المرة الأولى التي أحسست فيها بميزة أن أكون من المُوَلَّدين أو أن أحمل جواز سفر ثان، وكانت هذه انطلاقة رحلتي لتقبّل مكانتي “كموَلَّدة”.

في بداية هذا العام، استجمعتُ الشجاعة الكافية لأنشر على حسابي على فيسبوك أنني “موَلَّدة” وفخورة بهويتي هذه، رغم كل ما عانيته نتيجة لهذا الوصمة، اعتراني نوع من التوتر إذ لم أكن متأكدة كيف ستكون ردود الفعل، ولكنني تفاجأت بالدعم الإيجابي الذي تلقيته، إذ يبدو أن الحرب، وعلى الرغم من الدمار الهائل الذي ألحقته بالبلاد، قد ساعدت في ظهور مواقف أكثر تسامحًا لدى البعض، فمعظم اليمنيين يتطلعون إلى تحقيق السلام قبل أي شيء آخر، وأخبرني أصدقاء حضارمة عن أهمية امتلاكي لجنسية كينية، وكيف أن ذلك سيساعدني على السفر إلى الخارج بسهولة أكبر. 

وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي، كوّنتُ صداقات مع الكثير من المُوَلَّدين في جميع أرجاء اليمن الذين عانوا أيضًا من التمييز والعنصرية، ورغم أن أكثر اليمنيين في دول المهجر هم في الأصل من حضرموت، لكنها ليست الموطن الوحيد للمُوَلَّدين. فهناك هنود وصوماليون أصلهم من عدن، وكذلك إثيوبيون ترجع أصولهم إلى صنعاء وتعز.

بفضل الأصدقاء المُوَلَّدين الجدد، بدأتُ أقدّر المزيد من جمال تلك الثقافة التي نقلها العائدون من المهجر، مثل لذة الطعام وتعدد اللغات والملابس المميزة، وأدركتُ أن عائلتي تحمل في داخلها قدرًا كبيرًا من المرونة والتواضع والقدرة على التعايش مع الآخرين. 

من خلال تجربتي توصّلت إلى أنه ينبغي على جيلي تقبّل ما يعنيه أن ينحدر المرء من مكان ما وتربطه علاقات بثقافة أخرى في الوقت نفسه، إذ ترك لنا آباؤنا العائدون وأجدادنا المهاجرون إرثًا مركّبًا، قد يبدو هذا الأمر بمثابة أزمة هوية، ولكنني ما زلت أتعلم تقبّل جذوري التي تتسم بتعدد الثقافات، كواحدة من موَلَّدي حضرموت.

 


عائشة الجعيدي رائدة في المشاريع الاجتماعية وناشطة في حقوق الإنسان. درست القانون في جامعة حضرموت، بينما تدرس حاليًّا العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، تعمل كمستشارة لبرنامج بناء السلام الاستراتيجي لمجموعة أكسفورد البحثية.

عائشة هي واحدة من المشاركين في منتدى سلام اليمن، مبادرة لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية تسعى إلى تمكين الجيل القادم من الشباب وناشطي المجتمع المدني اليمنيين لإشراكهم في القضايا الوطنية الهامة.

 

ملاحظة المحرر: نُشر هذا المقال أولًا في موقع العربي الجديد.

عائشة الجعيدي
عائشة الجعيدي
طالبة علوم سياسية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مدونة وناشطة شبابية ولديها خبرة عملية واسعة في المجتمع المدني. كما أنها مؤسسة ومديرة البرامج والمشاريع في نادي تكوين الثقافي وعضو مؤسس لفريق نساء حضرموت من أجل السلام. نشرت عائشة عدد من المقالات بالعربية، الإنجليزية والألمانية.