إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن

الوحدة الاقتصادية بمركز صنعاء

المقدمة

شهدت الفترة الأخيرة تصعيدًا جديدًا في الصراع الدائر بين فرعي البنك المركزي اليمني المنقسم للسيطرة على حق الوصول إلى بيانات البنوك التجارية والإسلامية وشركات الصرافة في البلد، الأمر الذي لا يهدد فقط قابلية القطاع المالي على الاستمرار بشكل عام، بل قد ينتج عنه أيضًا تبعات اقتصادية وإنسانية وخيمة. 

يأتي هذا الصراع في إطار الحرب الاقتصادية المستمرة منذ سنوات بين فرعي البنك، التابع للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا في عدن والخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين المسلحة في صنعاء، حيث يحظى الأول بالاعتراف الدولي ويتحكم في علاقات اليمن بالشبكات المالية العالمية، بينما يسيطر الثاني على الجزء الأكبر من حركة الأسواق في البلاد ومركزها المالي. 

شهد هذا العام إصدار الطرفين المتحاربين تعليمات متضاربة للبنوك اليمنية وشركات الصرافة تقضي بتقديم بياناتها المالية، والتهديد بإجراءات عقابية أكثر صرامة ضد من يخالف تنفيذ هذه التعليمات. تفاقم هذا التصعيد بشكل خاص منذ سبتمبر/أيلول فيما قوّضت البيئة العدائية المتنامية استمرار عمل الجهات العاملة في القطاع المالي.

 

المعركة المتصاعدة على البيانات المصرفية

يتعيّن على البنوك اليمنية بموجب القانون، تقديم كشوفات مالية بانتظام إلى البنك المركزي توضّح بالتفصيل أمور مثل أصولها وخصومها وأرصدتها من العملة المحلية والأجنبية، والتداولات بالعملة الأجنبية، والتحويلات المالية الداخلية والخارجية، والحسابات التي فُتحت أو أُغلقت، وعمليات تمويل الاستيراد، والقروض.[1] تُمكِّن هذه البيانات البنك المركزي من التأكد من التزام القطاع المصرفي بالقوانين والتعاميم المحلية، وكذلك التزام القطاع باللوائح والقوانين الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب. 

سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء عام 2014، ما دفع الحكومة اليمنية إلى نقل مقر البنك إلى عاصمتها المؤقتة عدن عام 2016، أي أن البنك المركزي في عدن صار هو المخول قانونيًّا منذ ذلك الحين بجمع البيانات المصرفية وتنفيذ الوظائف الأساسية الأخرى للمؤسسة النقدية الوطنية. 

في يناير/كانون الثاني 2020، منعت سلطات الحوثيين المؤسسات المالية العاملة في البلاد من الاستمرار في تقديم بياناتها النقدية إلى البنك في عدن. ويأتي نفوذ الحوثيين لفرض هذا الإجراء من حقيقة أن صنعاء ما زالت تمثّل المركز الاقتصادي لليمن، حيث يوجد فيها المقرات الرئيسية لـ17 بنكًا من أصل 18 بنكًا تعمل في البلاد حاليًّا، كما يوجد فيها أكبر شركات الصرافة في البلاد. 

في اليمن، تُعد نظم المعلومات المصرفية مركزية للغاية في المقرات الرئيسية للبنوك، أي أن المقر الرئيسي للبنك هو الجهة الوحيدة التي لديها إمكانية الوصول إلى البيانات والمعلومات في جميع الفروع التابعة له، كما يتركز معظم النشاط التجاري والمالي في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون (حيث يقيم غالبية سكان اليمن)، وأيضًا يتواجد فيها أكبر المتداولين في البلاد، وهم عملاء ومساهمون رئيسيون في البنوك التي يقع مقرها الرئيسي في صنعاء.

ولكن في الوقت نفسه، تقلّصت قدرة البنك المركزي في عدن على إتمام وظائفه في القطاع النقدي؛ إذ أنه فقد وصوله المنتظم إلى البيانات المصرفية التي كانت تمكّنه من الاستمرار في تتبع مصادر التمويل المختلفة المتاحة للبنوك، وإلى من يوجه ذلك التمويل وكيف يُستفاد منه. 

أما وديعة الملياري دولار التي قدمتها الرياض للحكومة اليمنية كدعم مالي عام 2018 فاستنفدت بالكامل تقريبًا هذا العام، مما أعاق قدرة البنك المركزي في عدن على تمويل الواردات الأساسية، في حين تسبب حظر الحوثيين في يناير/كانون الثاني 2020 التعامل بأوراق الريال اليمني المطبوعة حديثًا والصادرة من عدن في تدفق تلك الأوراق النقدية إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية. أدى هذان العاملان إلى تقويض قدرة البنك المركزي في عدن على احتواء انخفاض قيمة الريال في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. كما جاءت التحديات المتزايدة التي تواجه سلطة الحكومة والبنك المركزي في عدن، جنوب البلاد، من خصوم داخل التحالف المناهض للحوثيين – تحديدًا المجلس الانتقالي الجنوبي – لتزيد الطين بلة.

في مارس/آذار 2020، طلب صندوق النقد الدولي -كما يفعل بشكل دوري -بيانات عن القطاع المصرفي الرسمي في اليمن، وكان فرع البنك المركزي في عدن قد وفرها حتى نهاية عام 2019، ولكنه فشل في إجبار المؤسسات المالية على الاستمرار في تقديم بياناتها له عام 2020، وبالتالي؛ بدأ بفرض غرامات على البنوك وشركات الصرافة، وفقًا لجمعية البنوك اليمنية.

أجّل البنك المركزي في عدن في سبتمبر/أيلول اجتماعًا كان من المقرر عقده مع صندوق النقد الدولي،[2] وبعدها، كثّف جهوده لفرض سيطرته ضمن نطاق اختصاصه وصلاحياته، وجدد دعوته للبنوك التجارية والإسلامية وبنوك التمويل الأصغر وشركات الصرافة مشاركة بياناتهم أو مواجهة العواقب. 

وقال مسؤولون مصرفيون مطّلعون على تلك الإجراءات -غير مخوّل لهم بالتحدث علنًا – للوحدة الاقتصادية بمركز صنعاء، إنه عقب هذا التهديد، أحال البنك المركزي في عدن خلال أكتوبر/تشرين الأول مجالس الإدارة والمديرين التنفيذيين لثلاثة بنوك، وهي بنك اليمن الدولي وبنك اليمن والكويت والبنك اليمني للإنشاء والتعمير إلى النيابة العامة؛ لأنهم لم يقدموا بيانات المعاملات والعمليات المصرفية. ومنذ الأسبوع الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، ظهرت تقارير متضاربة حول ما إذا كان قد تم فرض حظر سفر على المديرين التنفيذيين وأعضاء مجلس الإدارة لتلك البنوك أم لا.[3]

في الوقت نفسه، سعت سلطات الحوثيين إلى تعزيز نفوذها على القطاع المالي وإضعاف صلاحية الحكومة اليمنية، ففي نهاية سبتمبر/أيلول أمر البنك المركزي بصنعاء بنك الكريمي الإسلامي للتمويل الأصغر بإغلاق مقره الرئيسي في صنعاء وجميع فروعه العاملة في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وأُعيد فتح فروع الكريمي في 1 أكتوبر/تشرين الأول بعد أن تعهّد البنك بالامتناع عن تقديم بياناته المالية للبنك المركزي اليمني في عدن ودفع غرامة قدرها مليار ريال يمني لسلطات الحوثيين.[4]

وجدت البنوك ومؤسسات الصرافة نفسها محاصرة من كلا الجانبين، الحكومة اليمنية وسلطات الحوثيين، فأجرت جمعية البنوك اليمنية وجمعية الصرافين اليمنيين محادثات مع إدارة البنكين في صنعاء وعدن لخلق مساحة محايدة تمكّن الجهات العاملة في القطاع المالي من أداء عملها، ولكن هذه الجهود باءت بالفشل. 

وفي حديثهم إلى مركز صنعاء، قال مسؤولون في جمعية البنوك إنهم ناشدوا الأمم المتحدة أيضًا التدخل لدى الطرفين المتنافسين ولكن دون جدوى. وحسب بيان صدر في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، وضعت جمعية البنوك اليمنية سلسلة من الخطوات التصعيدية التي تنوي اتخاذها لمحاولة حث الأطراف المتحاربة على التوصل إلى تسوية، بدءًا بإضراب جزئي للبنوك في عدن لمدة ثلاث ساعات يوميًّا وعلى مدى ثلاثة أيام، على أن تعلن جميع البنوك الإضراب التام والمفتوح في جميع المحافظات حال فشل الإضراب الجزئي في تحقيق الأهداف المرجوّة.

في بيان لاحق، اقترحت جمعية البنوك في 7 نوفمبر/تشرين الثاني خطوات لتهدئة أزمة البنك المركزي وتجنب إضراب البنوك، وقالت إن البنوك وشركات الصرافة ستلتزم بتزويد البنك المركزي في عدن ببيانات تفصيلية عن العملاء والعمليات فقط في المناطق التي لا تخضع لسيطرة الحوثيين مقابل وقفه جميع الإجراءات العقابية بحقهم، بما في ذلك غرامات عدم الامتثال لتعليماته. وأضافت الجمعية إن البنوك ستبدأ إضرابها في اليوم التالي إذا لم يكن هناك حل وسط لإنهاء المواجهة، غير أنها تراجعت لاحقًا عن هذا التهديد. 

وخلال الأسبوع الثاني من الشهر ذاته، أجبر جهاز الأمن والمخابرات التابع للحوثيين في صنعاء، بناء على أوامر من البنك المركزي، بنك التضامن في صنعاء على إغلاق مقره انتقامًا من مشاركة البنك بياناته مع البنك المركزي في عدن. وبعد أن اقتحم عناصر جهاز الأمن والمخابرات مقر البنك، أمر مسؤولو الجهاز موظفي البنك بإخلاء المبنى، وأغلقوا الخوادم (السيرفرات) والكاميرات الأمنية، ثم احتلوا المبنى لعدة أيام عُلّق خلالها عمليات البنك.[5] ثم أمر البنك المركزي في صنعاء البنوك اليمنية بوقف عملياتها المصرفية في عدن مما دفع البنك المركزي في عدن إلى إرسال قوات الأمن الحكومية لاحتجاز ثمانية من مدراء فروع البنوك في عدن لمدة 24 ساعة.[6]

 

سباق السيطرة على أموال المساعدات الخارجية

إذا ما نظرنا إلى البنوك الأكثر استهدافًا بإجراءات فرعي البنك المتنافسين، نجد أن السيطرة على العملات الأجنبية التي تدخل اليمن، ولا سيما أموال المساعدات الأجنبية، هي عامل محفّز مهم للطرفين في المواجهة المتصاعدة سريعًا للسيطرة على القطاع المصرفي في البلاد. 

يُعد كلًا من بنك اليمن الدولي، وهو أكبر بنك في البلاد ويسيطر على ما يقرب من 20% من إجمالي أصول القطاع المصرفي،[7] وبنك الكريمي، وبنك اليمن والكويت، وبنك التضامن، من أكثر البنوك اليمنية نشاطًا في صرف النقد الأجنبي نيابة عن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية، ودفع التحويلات النقدية الإنسانية عن طريق وسطاء ماليين إلى المستفيدين المستهدفين في اليمن. وفي الوقت نفسه، فإن البنك اليمني للإنشاء والتعمير المملوك للدولة بنسبة 51% يجذب منذ سنوات حصة كبيرة من الودائع بالعملات الأجنبية من قبل العمال اليمنيين المغتربين.

ولم يعد من الممكن إرسال التحويلات المالية المباشرة من البنوك الغربية إلى اليمن منذ أواخر عام 2016؛ حين نُقل مقر البنك المركزي رسميًّا من صنعاء إلى عدن، وإصدار الحكومة اليمنية تعليمات للبنوك المركزية والتجارية في جميع أنحاء العالم بوقف التعامل مع البنك المركزي اليمني في صنعاء. بالتالي، كان على المانحين الأجانب الذين يسعون إلى تمويل عملياتهم في اليمن الوصول إلى النظام المالي للبلاد، من خلال البنوك الوسيطة في الخارج التي تمتلك البنوك التجارية اليمنية حسابات فيها، حيث تقوم الجهة المانحة بإيداع العملة الصعبة في أحد هذه الحسابات، وبالمقابل يقوم فرع البنك التجاري المعني في اليمن بصرفها بالريال اليمني، وفقًا لسعر الصرف المتفق عليه، إلى المستلم المعني. 

عانت اليمن من نقص في النقد الأجنبي معظم فترة الصراع المستمر؛ ما أثر بشكل كبير على قدرة البلاد على تمويل الواردات، الأمر الذي أدى بدوره إلى ضغوط هبوطية على العملة المحلية، وطرح أسئلة مثيرة للجدل حول المخزونات المتراكمة من النقد الأجنبي التي أودعتها الجهات المانحة وكيفية استخدامها، أسئلة من الصعب الإجابة عليها نظرًا لعدم وجود آلية شفافة مشتركة لتتبع جميع أموال المانحين وعجز البنك المركزي اليمني المنقسم في تنظيم المؤسسات المالية اليمنية بشكل فعّال. 

قدّرت منظمة تقييم القدرات (ACAPS) أن 80% من أموال المساعدات الإنسانية التي تدفقت مباشرة إلى اليمن، وصُرفت في جميع أنحاء اليمن عام 2018، أُديرت من خلال مؤسسات مالية تقع في مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين حيث يقطن غالبية سكان البلاد، والذي يحتاج معظمهم إلى المساعدة الإنسانية.[8] 

دعا البنك المركزي اليمني في عدن منذ عام 2018 إلى إنشاء آلية جديدة لمصارفة النقد الأجنبي يمكن من خلالها للمنظمات غير الحكومية الدولية والجهات المانحة الأجنبية تحويل أموال المساعدات تحت إشرافه. وعام 2019 اتهمت اللجنة الاقتصادية التابعة للحكومة اليمنية سلطات الحوثيين في صنعاء باختلاس أموال من صرافة النقد الأجنبي وتحويلات المساعدات المالية لتمويل مجهودهم الحربي.[9] 

أصبح نقص النقد الأجنبي في اليمن خلال هذا العام أكثر حِدّة بشكل متسارع؛ نظرًا للانكماش الاقتصادي الإقليمي الذي أدى إلى انخفاض كبير في التحويلات المالية من اليمنيين في الخارج، وتقليص المانحين الدوليين تمويلهم لجهود الإغاثة، ونفاد الدعم السعودي الذي قُدم عام 2018 والبالغ قيمته ملياري دولار. كما تعاني الحكومة من انخفاض الإيرادات وتدفقات النقد الأجنبي من صادرات النفط الخام بسبب انخفاض أسعار النفط العالمية في مارس/آذار وأبريل/نيسان 2020. 

تضاعفت التحديات التي تواجه الحكومة اليمنية والبنك المركزي في عدن خلال أبريل/نيسان 2020؛ عندما أسفر إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي الإدارة الذاتية في جنوب اليمن عن اضطراب أمني واسع النطاق، وأضعف سلطة الحكومة اليمنية أكثر. أجبر انعدام الأمن في عدن مؤقتًا بعض الموظفين الحكوميين المؤهلين القادمين من المناطق الشمالية على مغادرة عدن، بما في ذلك موظفين في البنك المركزي. وبالتالي عانى البنك في عدن من ضعف حاد في قدرته على ممارسة الوظائف النقدية الأساسية مثل الحفاظ على استقرار الأسعار والإشراف على العمليات المصرفية، ونتيجة لهذا الضعف، أصبح من الصعب عليه إعادة إخضاع البنوك التجارية لسلطته.

 

التداعيات والسيناريوهات المستقبلية

الإجراءات والردود المستقبلية المحتملة من فرعي بنك عدن وصنعاء المركزيين

يحتاج كل من فرعي البنك المركزي في عدن وصنعاء على المدى القريب إلى تقييم المقترح الذي قدمته جمعية البنوك اليمنية أوائل نوفمبر/تشرين الثاني، الذي يركز بشكل أساسي على التوصل إلى حل وسط، تحد فيه البنوك اليمنية كمية البيانات النقدية التي تشاركها مع البنك في عدن لتقتصر على تقديم المعلومات التي تتعلق بالنشاط المصرفي في المناطق الخاضعة اسميًّا لسيطرة الحكومة، ولكن ما يزال هناك شكوك حول ما إذا كان أي من فرعي البنك في عدن أو صنعاء سيوافقان على هذا الترتيب. 

قدمت كل من جمعية البنوك اليمنية وجمعية الصرافين اليمنيين -مقرها صنعاء -مؤخرًا خطابًا مشتركًا إلى صندوق النقد الدولي أعربا فيه عن مخاوفهما بشأن الإجراءات التي يتخذها البنك المركزي في عدن وتأثيرها المحتمل على القطاع المصرفي الرسمي.[10] ويتجاهل هذا الخطاب الذي صيغ بضغط من سلطات الحوثيين الحل المقترح للأزمة المصرفية، والقضايا التي تتعلق بتطبيق القوانين كما ينبغي، ومن شأنه أن يرسّخ تقسيمًا فعليًا للسلطة والقدرات الاقتصادية والمالية بين المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون وتلك التي تسيطر عليها الحكومة. 

بالنسبة للبنك في عدن، ستمثّل موافقته على المقترح قبولًا لقدرته المحدودة حاليًّا على الوصول إلى البيانات النقدية وتنفيذ سياساته النقدية على الصعيد الوطني، أما بالنسبة لبنك صنعاء فقد يكون من المغري استمراره في الضغط على البنوك التجارية والإسلامية وشركات الصرافة اليمنية في إيقاف مشاركة أي بيانات نقدية مع البنك في عدن، وبالنظر إلى أن هذا لن يعرقل الأخير عن أداء دوره الرقابي على المصارف وحسب، بل قد يسفر أيضًا عن تحول في الوضع الدولي المتباين لكلا البنكين المركزيين، إذ قد تسعى الجهات الفاعلة الدولية إلى زيادة التعامل مع البنك في صنعاء بهدف الحصول على البيانات النقدية التي لا يستطيع البنك في عدن تقديمها في الوقت الحالي.

إحدى القضايا العالقة التي سعت جمعية البنوك إلى معالجتها عند التشاور مع البنك في عدن تتعلق باحتمال فرض غرامات يومية على البنوك الثلاثة قيد المحاكمة حاليًّا في عدن. فوفقًا لقانون البنوك التجارية رقم 38 لعام 1998 يتحمل بنك اليمن والكويت وبنك اليمن الدولي والبنك اليمني للإنشاء والتعمير غرامات يومية (تتراوح بين 51 ألف ومائة ألف ريال يمني) ويفرضها البنك المركزي في عدن منذ يونيو/حزيران 2020 عليها؛ لأنها لم تقدم بياناتها النقدية الشهرية. 

تود جمعية البنوك اليمنية من المركزي في عدن تعليق هذه الغرامات. ووفقًا للقانون وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق لتصحيح الانتهاكات، يحتفظ البنك بالحق في إعادة تنظيم البنوك وتصفية أصولها في أسوأ السيناريوهات.

من المرجّح أن البنك في عدن سيصر على دفع هذه الغرامات، ولكن من غير المرجح أن يعلّق تراخيص البنوك الثلاثة المعنية أو أن يتخذ أي إجراءات نحو تصفية أصولها، فمن شأن أي خطوة من هذا القبيل أن تضع البنوك في موقف صعب للغاية، كما قد تدفع السلطات الأمنية في صنعاء إلى تبني المزيد من الإجراءات الانتقامية، على غرار تلك التي اتخذتها ضد بنك التضامن. 

يجد البنك المركزي في عدن نفسه في موقف صعب إذ أن عمله مقيّدًا لأسباب عدة، مثل مشكلات القدرات الداخلية التي عانى البنك لمعالجتها منذ أن أمر الرئيس عبدربه منصور هادي بنقل مقر البنك من صنعاء إلى عدن في سبتمبر/أيلول 2016، فضلًا عن أنه يعمل في بيئة سياسية غير مستقرة وسط ترسيخ المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرته على عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة منذ أغسطس/آب 2019، وعدم إحراز تقدم في تنفيذ اتفاق الرياض الذي يهدف إلى وقف الصراع في جنوب اليمن. علاوة على ذلك، يعاني البنك في عدن من قيود مالية بسبب نقص موارد النقد الأجنبي وانخفاض قيمة الريال في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. وبالتالي، سيحتاج إلى توخي الحذر بشأن كيفية المضي قدمًا لمنع إضعاف الاقتصاد أكثر في المناطق الخاضعة اسميًّا لسيطرة الحكومة.

قد تستمر تحذيرات الحوثيين والبنك في صنعاء للجهات العاملة في القطاع المالي من مشاركة بياناتها النقدية مع البنك في عدن، لتقويض موقف الأخير أمام الجهات الفاعلة الدولية. في هذا السيناريو، من المفترض أن يدرس بنك عدن الرد عبر تبني نهج المواجهة، وهو أمر متوقع في إطار الحرب الاقتصادية المريرة بين الحكومة والحوثيين. قد ينظر البنك تعليق السويفت للبنوك الثلاثة قيد المحاكمة حاليًّا كونه لديه القدرة القانونية على اتخاذ هذا الإجراء في ضوء فشل البنوك الثلاثة في تقديم أي بيانات له. وفقًا لقانون البنوك التجارية رقم 38 لعام 1998، يمكن للبنك المركزي تصعيد رده وأخذ المزيد من الإجراءات، التي لا تقتصر على فرض غرامات مالية بعد 30 يومًا من إخطار البنوك بشأن الإجراءات التصعيدية المستقبلية. بالإضافة إلى تعليق وصول البنوك الثلاثة إلى شبكة السويفت، يمكن للبنك في عدن نظريًّا تولّي إدارة هذه البنوك. 

استنادًا إلى ما حدث سابقًا مع بنك التسليف التعاوني والزراعي (كاك بنك)، قد تنظر الحكومة ومركزي عدن في نقل المقر الرئيسي للبنك اليمني للإنشاء والتعمير من صنعاء إلى عدن، وتعيين فريق إدارة تنفيذية جديد (كلا البنكين مملوكين بغالبيتهما للحكومة).[11] بناءً على ما حدث مع كاك بنك في فبراير/شباط 2019، فإن الخطوة المنطقية التالية للحكومة ستكون إعادة تخصيص رمز السويفت الذي يستخدمه البنك اليمني للإنشاء والتعمير حاليًّا في صنعاء إلى مقره الجديد في عدن. 

الآفاق المستقبلية للقطاع المصرفي ككل

يُعد الفصل الأخير من المحاولات المتنافسة لفرض السلطة على النظام المصرفي الرسمي أحد مظاهر الحرب الاقتصادية الأوسع التي تحدث بين الحكومة وجماعة الحوثيين، حيث يتطلع كل منهما إلى استخدام فرعي البنك المركزي لصياغة وتنفيذ السياسات النقدية والمالية والاقتصادية المتنافسة واللوائح المصرفية والتجارية المتعارضة. نتيجة لهذا الانقسام على مدى السنوات الأربع الماضية أصبح اليمن واقتصاده مقسمين ومسيسين بشكل متزايد. 

كما فاقمت بيئة العمل المحلية المقيدة والمسيّسة للغاية تحديات الاقتصاد الكلي التي تواجهها البنوك التجارية والإسلامية وبنوك التمويل الأصغر خلال الصراع، وتشمل هذه التحديات: صعوبة الوصول إلى النقد الأجنبي والشبكات المالية الإقليمية والدولية الرسمية بسبب تصنيف البنوك اليمنية على أنها “عالية المخاطر” عام 2015؛ وأزمة سيولة حادة مع بقاء الأصول وأصل الاستثمارات وأسعار الفائدة التي تشكل أدوات الدين العام (سندات الخزينة والسندات الحكومية والصكوك الإسلامية) مجمّدة بشكل عام وغير مدفوعة، مما أدى إلى تقلّص قاعدة العملاء، واعتقال كبار الموظفين بانتظام من قبل سلطات الأمر الواقع على خلفية قضايا تتعلق بالامتثال إلى التعليمات الصادرة فيما يخص عمل المصارف، وزيادة التعرض لمخاطر غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. 

وسيثير التسييس الإضافي للقطاع المصرفي بشأن مشاركة البيانات النقدية المزيد من القلق في أوساط الجهات الفاعلة الخارجية. أولًا، قد يقلّل ذلك من قدرة البنوك اليمنية على تعديل تصنيفها كبنوك “عالية المخاطر”؛ فالافتقار إلى الشفافية بشأن البيانات النقدية ومستوى التدخل السياسي لن يساعد، على الأرجح، وضع البنوك اليمنية عندما يتعلق الأمر بمحاولة إظهار التزامها بمعالجة أي مخاوف متعلّقة بغسيل الأموال. كما أنه من الممكن أن يسعى كل من جماعة الحوثيين والحكومة للدفاع عن أي إجراءات سابقة أو مستقبلية مشكوك فيها اتخذها أي منهما ضد بعض البنوك، لتثبت التزامها بإجراءات مكافحة غسيل الأموال. تبنى الحوثيون هذه الرواية عندما أصدروا بيانًا ردًا على الإجراءات المتخذة ضد بنك التضامن.[12]

ثانيًا قد ينخفض مستوى الثقة بين المُصدّرين ومقدمي الخدمات الخارجيين الآخرين (مثل شركات الشحن والبنوك المراسِلة إلخ) تجاه البنوك اليمنية مما قد يؤثّر سلبّا على التجارة، وتحديدًا الواردات إلى اليمن. 

كما يسفر النزاع حول البيانات المالية عن تداعيات واسعة النطاق واضطراب الوضع الاقتصادي والإنساني الذي يشهد أزمات جمّة في اليمن، وبدون قرار لخفض تصعيد المواجهة والسماح للجهات الفاعلة في القطاع المالي باستئناف العمليات المعتادة قدر الإمكان، فمن المرجح أن يشهد البلد مزيدًا من التشوه في الدورة النقدية، وزيادة الأنشطة الاقتصادية في السوق السوداء، وتسريع انخفاض قيمة الريال (خاصة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة)، ونشوء نظام مالي مزدوج على مستوى المصارف، وكل ذلك سيكون له المزيد من الآثار المتتالية التي ستعيق عمليات الوكالات الإنسانية وتعمِّق الأزمة الاقتصادية بشكل عام.

 

على الجهات الدولية التدخل بشكل عاجل 

كما قال مركز صنعاء من قبل، يجب على المجتمع الدولي أن يولي الاقتصاد أهمية أكبر في سياساته تجاه اليمن وعلى الفور، بدءًا بممارسة الضغط السياسي المتزايد على الحوثيين والحكومة لوقف التصعيد الحالي، وإنهاء معركة السيطرة على البنوك اليمنية وشركات الصرافة. لم يُظهر أي من الجانبين استعدادًا في الماضي -ولا يمكن توقع إبداء أي منهما استعدادًا في المستقبل -للتصرف بمسؤولية وبما يخدم المصلحة الفضلى للاقتصاد الكلي والسكان بشكل عام. 

وفي حال تُركت الأطراف المتحاربة تتصرف كما يحلو لها، فإن الحرب الاقتصادية ستستمر في التصاعد، والاقتصاد سيستمر في الانقسام، وكلما طالت مدة ذلك كلما زادت صعوبة إصلاح الضرر. أودى الصراع العسكري بحياة الكثير من الأشخاص وتسبب في دمار كبير للبلاد، إلا أن الحرب الاقتصادية لها تأثير أوسع ويمكن القول إنها أكثر تدميرًا على السكان والبلد ككل. 

حتى الآن، يبدو أن العمل المتضافر والمنسّق بشأن الاقتصاد متوقف حتى يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة للصراع. ومع ذلك يجب أن يكون هناك قبول أكبر بين الجهات الفاعلة الخارجية بفكرة أن الحرب ستستمر على ما يبدو، وبالتالي يجب أخذ إجراءات لإيجاد حلول مؤقتة ولكن حاسمة للمشاكل المتعددة التي يواجهها اليمن، حتى التوصل إلى اتفاق سلام. 

يجب وضع إطار جديد لمعالجة المشاكل الاقتصادية في اليمن. بالنسبة للجهات الفاعلة الخارجية المختلفة التي تشارك بنشاط في الاقتصاد اليمني، والتي تتواصل بشكل مباشر مع مختلف أصحاب المصلحة الاقتصاديين اليمنيين، يجب أن يكون هناك مزيد من العمل المنسّق بدلًا من النهج المنقسم المُتبنى حتى الآن. 

يجب على المبعوث الخاص للأمم المتحدة، ومكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لليمن، ومجموعة اليمن الرباعية (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسعودية والإمارات)، والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والعديد من الجهات الأخرى تكثيف الجهود والتنسيق لمعالجة القضايا الاقتصادية المتزايدة في اليمن. 

من الضروري تقسيم العمل، وعلى الجهات الفاعلة الخارجية المختلفة تحديد ما بوسعها القيام به وما ترغب في القيام به. ومن المهم أيضًا أن تستمر الجهات الفاعلة الدولية في التعامل مع الجهات الفاعلة والمؤسسات والمجموعات الاقتصادية المحلية والسعي للحصول على آرائهم. كما يجب، حيثما أمكن، دعم جهود الوساطة المحلية واستمرار خطوط الاتصال المفتوحة بين الجهات الفاعلة في القطاعين العام والخاص التي تتفاعل مع كلا الجانبين.

 


النشرة الاقتصادية اليمنية هي نشرة إخبارية اقتصادية دورية يصدرها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية وتقدم تحليلَا معمّقًا وآراء واستجابات تحليلية ومقترحات سياسات اقتصادية.

مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، هو مركز أبحاث مستقل، يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.

 


الهوامش:

  1. وفقًا للمادة (28) من القانون رقم 38 لسنة 1998 على كل بنك أن يرسل إلى البنك المركزي في موعد لا يتعدى اليوم الخامس عشر من الشهر التالي بيانًا وفقًا للنموذج الذي يقرّه البنك المركزي، يبيّن أصوله وخصومه شاملًا فروعه ومكاتبه في الجمهورية بالإضافة إلى تحليل السلف والكمبيالات المخصومة وغيرها من الأصول كما هي عليه في نهاية آخر يوم من الشهر السابق وتحليل عمليات النقد الأجنبي خلال نفس الشهر. كما تمنح هذه المادة البنك المركزي الحق من وقت لآخر طلب أية معلومات أخرى من أي بنك عندما يرى ذلك ضروريًّا.
  2. مقابلة مع مسؤول مصرفي رفيع في عدن، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2020.
  3. مقابلات مع كبار المسؤولين المصرفيين الذين يراقبون عن كثب القضية المرفوعة ضد بنك اليمن الدولي وبنك اليمن والكويت والبنك اليمني للإنشاء والتعمير في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وفقًا لرسالة مشتركة قدمتها جمعية البنوك اليمنية وجمعية الصرافين اليمنيين إلى صندوق النقد الدولي خلال الأسبوع الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2020.
  4. “أول بيان من بنك الكريمي بعد إغلاق الحوثيين جميع فروع البنك”، المشهد اليمني، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2020،  https://www.almashhad-alyemeni.com/180488
  5. سعيد البطاطي، “إعادة فتح بنك يمني بعد اقتحام الحوثيين لمقره الرئيسي في صنعاء”، عرب نيوز، 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، https://www.arabnews.com/node/1763551/middle-east
  6. مقابلات مع مسؤولين مصرفيين يمنيين كبار في عدن، 13 و16 نوفمبر/تشرين الثاني 2020.
  7. يصل إجمالي أصول القطاع المصرفي إلى ما يقرب من 3.618 تريليون ريال يمني، يمتلك بنك اليمن الدولي منها 713 مليار ريال يمني، أما ثاني أكبر بنك من حيث الأصول فهو بنك التضامن الإسلامي بأصول تبلغ 557 مليار ريال.
  8.  تقلبات الريال اليمني”، مركز تحليل ACAPS عن اليمن، يناير/كانون الثاني 2020، https://www.acaps.org/sites/acaps/files/products/files/20200129_acaps_yemen_analysis_hub_drivers_and_impact_of_yer_volatility_0.pdf
  9. “الاقتصاد الإنساني -اليمن” ، اللجنة الاقتصادية لليمن، 2019، https://ecyemen.com/uploads/2019/07/The-impacts-of-economy-on-yemen-lastv-converted.pdf
  10. وفقًا لنسخة من الرسالة تمت مشاركتها مع مركز صنعاء في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2020.
  11. “فارع المسلمي، إعادة تفعيل القطاع المصرفي في اليمن: خطوة ضرورية لاستئناف الدورة المالية الرسمية وتحقيق أسس الاستقرار الاقتصادي”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 15 فبراير / شباط 2019، https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/7086
  12. “مركزي صنعاء يكشف أسباب إغلاق بنك التضامن الإسلامي”، يمن الغد، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2020،  https://yemenalghad.net/90425/
مشاركة