بعد ثلاثة أسابيع من تكليف رئيس الوزراء شائع الزنداني، بتشكيل الحكومة، أُعلن عن حكومة كبيرة على نحو لافت، تضم 35 وزيرًا، بينهم 8 وزراء دولة (انظر الشكل أدناه). منذ اندلاع الحرب، شهدت اليمن تغييرات متعاقبة في منصب رئيس الحكومة، دون أن يواكبها تغيير مماثل في تشكيل الحكومات، التي قامت في معظمها على نظام المحاصصة، حيث افتقر رئيس الوزراء إلى صلاحية تعيين الوزراء أو إقالتهم، وقد أسهم هذان العاملان في إضعاف الحكومات المتعاقبة.
على الرغم من تكليف رئيس الوزراء الزنداني رسميًا بتشكيل الحكومة، فإن سيطرته على تشكيل الحكومة الجديدة كانت محدودة؛ فقد تركزت سلطة اتخاذ القرار إلى حد كبير بيد السعودية ورئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، مع تأثير محدود لبقية الفاعلين السياسيين. أثار مسار التشكيل نقاشًا علنيًا حول حصص تمثيل الأحزاب السياسية، حيث رأى منتقدون أن هذه المحاصصة تؤثر في كفاءة المرشحين للمناصب. سابقا، كانت الأحزاب تقدم الولاء على الكفاءة، ما أسهم في تراجع مستويات الثقة العامة، واللافت أن حصص التمثيل المناطقي التي أُقرت في هذه الحكومة لم تُثر اعتراضات مماثلة، رغم أنها قد تكون أكثر خطورة، إذ تنطوي على مخاطر ترسيخ انقسام البلاد على أسس مناطقية.
طُرحت فكرة تشكيل حكومة تكنوقراط منذ العام 2014، لكنها لا تزال غير واقعية سياسيًا في اليمن، فعمل الحكومة في الواقع يقع في صميم النشاط السياسي، ومن الممكن تحقيق قدر من التوازن بين الولاء السياسي والكفاءة، كما أن وجود الأحزاب السياسية وغيرها من الفاعلين السياسيين أسهم في الحد من اتخاذ قرارات أحادية ومن التعيين المتسرع لشخصيات غير مناسبة. يظل اتخاذ القرار بصورة جماعية ضرورة قائمة، حتى وإن كان ذلك يطيل العملية ويجعلها أكثر تعقيدًا.
تشوهات في منظومة الحكم
أفرزت الحرب في اليمن، التي تدخل الآن عقدها الثاني، تشوهات في كيفية النظر إلى المنصب العام وممارسة العمل العام: يتمثل أول هذه التشوهات في تنامي السعي إلى الريع بين المسؤولين الحكوميين، حيث باتت المناصب تُعامل بوصفها امتيازات مجردة من المسؤولية. يُفسِّر ذلك جزئيًا العدد الكبير للوزراء، كما يرتبط هذا الوضع أيضًا ببقاء الحكومة لفترات طويلة خارج البلاد، فضلًا عن الطريقة التي تعامل بها من هم في قمة السلطة مع المناصب العامة باعتبارها وسيلة لتعزيز الولاءات ومكافأة أفراد بعينهم؛
ثانيًا، بات التأثير في المجال العام يتحدد بصورة متزايدة بمدى حضور الأفراد وتفاعلهم عبر القنوات التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي. تزامن هذا التحول مع تراجع ملحوظ في تأثير المنابر السياسية والإعلامية التقليدية، ويزيد من حدة ذلك انشغال صناع القرار المتزايد بالظهور الإعلامي، وتصاعد مستوى السطحية السياسية، نتيجة الانفصال المستمر عن المشكلات على أرض الواقع. في ظل الاستقطاب السياسي، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للحشد والتحريض، يُسمح فيها بتداول مختلف أشكال التضليل وخطاب الكراهية والتحريض، وكما هو الحال مع أي أداة شعبوية، فإن الأصوات الأعلى والأكثر تطرفًا هي التي تجذب غالبًا أكبر قدر من الاهتمام والمتابعين؛
ثالثًا، أخفقت الحكومات في السنوات الأخيرة في كسب ثقة الجمهور لأسباب خارجة عن إرادتها. تشمل هذه الأسباب محدودية الموارد المالية، والحاجة إلى بناء المؤسسات من الصفر تقريبا، إذ ظلّت الدولة اليمنية لعقود شديدة المركزية في صنعاء، وخلق انتقال العمل الحكومي إلى عدن تحديات مؤسسية، من بينها غياب البنية التحتية الأساسية وفقدان الخبرة المؤسسية المتراكمة. مع ذلك، جرى خلال الفترة الماضية تطوير بعض الهياكل والقدرات المؤسسية التي قد تستفيد منها الحكومة الجديدة.
رافق الصراع انقسامات وانتشار الفصائل المسلحة على الأرض، دون انتقال إيرادات المؤسسات المدرة للأرباح إلى الحكومة، فقد انقطعت عائدات الصادرات النفطية الحكومية نتيجة هجمات الحوثيين التي استهدفت منشآت النفط، كما أسهمت حدة الاستقطاب الداخلي في شل قدرة الحكومة على العمل. من حيث المبدأ، تحسن الوضع الحالي نسبيًا، إذ لم يعد الخلاف السعودي–الإماراتي ينعكس على اليمن بالقدر نفسه الذي كان يعطل عمل الحكومة.
تبقى أشكال أخرى من الاختلالات راسخة بعمق، مثل الفساد المستشري داخل الطبقة الحكومية والسياسية في اليمن، وهو فساد تفاقمت حدته بفعل ضعف المؤسسات وتآكل ما تبقى من آليات المساءلة والرقابة، وبينما يُنظر إلى الفساد على نطاق واسع باعتباره سببًا في استنزاف الموارد المالية المحدودة للدولة، فإن هناك مشكلة لا تقل خطورة لكنها أقل تناولًا، وهي تضخم الجهاز الإداري للدولة وضعف كفاءته، فالعدد المفرط من الموظفين العموميين يثقل كاهل الموازنة، في حين تستنزف التعيينات القائمة على المحسوبية الموارد المحدودة وتُضعف قدرة الحكومة على أداء مهامها.
بوادر إيجابية ورسم مسار للمضي قدمًا
تحمل الحكومة الجديدة بعض التغييرات الإيجابية، وفي مقدمتها تمثيل النساء، فمنذ تشكيل الحكومة عقب اتفاق الرياض عام 2019، كان هناك غياب كامل للنساء. تضم الحكومة الجديدة ثلاث وزيرات، إحداهن تشغل منصب وزير دولة، ويُؤمل أن يتجاوز حضور النساء حدود المشاركة الرمزية إلى الاعتراف بقدرتهن على إحداث تغيير ملموس، ففي ظل نظام المحاصصة الحزبية، سعت الأحزاب السياسية إلى شغل المقاعد الوزارية المخصصة لها برجال، ما أدى إلى تهميش مشاركة النساء وأسهم في تشكيل بعض أضعف الحكومات في تاريخ اليمن. أعاد حضور النساء وتوليهن حقائب وزارية مهمة، مثل الشؤون القانونية والتخطيط والتعاون الدولي، إحياء الآمال بأن تنتقل الحكومة من مجرد مسألة التمثيل إلى تحقيق تقدم ملموس في القضايا التي تمس النساء اليمنيات.
ضمّت الحكومة الحالية عددًا من الشخصيات المرموقة في اليمن، يُتوقع أن تسهم نزاهتهم وخبرتهم في تحسين أدائها ومعالجة الاختلالات في نظام مثقل بالفساد والاختلالات الهيكلية المتراكمة، وعلى الرغم من استمرار الحديث عن تقاسم متساوٍ للحقائب بين الشمال والجنوب، يتضح أن الجنوب حصل على حصة أكبر من الحقائب الوزارية، لا سيما الحقائب الأساسية والسيادية، وقد أُسندت بعض هذه الحقائب إلى شخصيات من المجلس الانتقالي الجنوبي، قبل إعلان حله رسميًا. يُؤمل أن يكون هؤلاء قد استخلصوا الدروس من أخطاء المجلس السابقة ومن نهجه الانتهازي في التعامل مع السلطة، وهو نهج اتسم بتجاهل شرعية الدولة.
قد يشكل عقد من الاختلالات والنضال الشعبي دافعًا لإصلاحات حقيقية، غير أن تحقيق ذلك يتطلب إحياء عمل المؤسسات المعنية بمكافحة الفساد، التي كانت في السابق تراقب المخالفات المالية بدرجة معقولة من الشفافية، وكذلك المؤسسات المسؤولة عن التعيينات في القطاع العام. يظل إصلاح المؤسسات القضائية الأكثر إلحاحًا، إذ أصبحت خلال السنوات الأخيرة شديدة التسييس، كما عانت منذ اندلاع الحرب من الانقسام والاضطراب.
في ذات السياق، سيكون إحياء دور مجلس النواب أمرًا حاسمًا، بوصفه السلطة التشريعية المعنية بتمثيل القوى السياسية والاجتماعية والرقابة على أداء السلطة التنفيذية. يعود شلل البرلمان إلى عاملين رئيسيين: الأول هو الانقسام والتقادم، إذ انقسم بين صنعاء وعدن ولم تُجرَ انتخابات منذ العام 2003، ما ترك العديد من أعضائه غير قادرين على أداء مهامهم؛ أما العامل الثاني فيتمثل في البيئة الأمنية والسياسية التي حالت دون انعقاد جلسات البرلمان وممارسة حتى أبسط وظائفه، مثل منح الثقة للحكومة. يمكن الآن تجاوز هذا العائق تحديدًا في ظل غياب المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي كان قد عرقل في السابق عدة محاولات لعقد جلسات البرلمان في جنوب اليمن.
رغم أن إجراء انتخابات برلمانية لا يزال صعبًا بسبب المخاوف الأمنية والمخاطر الملازمة لحالة الاستقطاب السياسي الواسع، فإنه يمكن التعامل مع ذلك عبر تدابير مؤقتة، مثل السماح للسلطات المحلية باختيار ممثلين والتصديق عليهم من قبل القيادات السياسية.
تحتاج الدولة اليمنية اليوم إلى التركيز على تجاوز إرث الفساد والمحسوبية، وهو إرث زادت الحرب من تعقيداته عبر ما أضافته إليه من استقطاب وممارسات ترسخت في الثقافة والسلوك السياسيين. سيستغرق التحرر من هذا الإرث وقتًا طويلًا ويتطلب إرادة سياسية حقيقية من الحكومة الجديدة لإثبات قدرة الدولة على تثبيت حضورها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها وترسيخ شرعية داخلية، لا الاكتفاء بالحصول على اعتراف دولي.
أخيرًا، فإن أي تسوية سلمية دائمة أو تدخل عسكري فعال سيعتمد في نهاية المطاف على نجاح الحكومة في استعادة سلطة الدولة في عدن، وسيظل أي تطور في عدن محدودًا في نطاقه ومدته ما لم يكن جزءًا من جهد أوسع لمعالجة الوضع العام في اليمن، ولا مبالغة في القول إن هذه الحكومة قد تمثل فرصة أخيرة، فالتحديات كبيرة، والوضع الأمني هش، وهذان العاملان معًا يهيئان بيئة مواتية للتمرد ولحشد شعبي غير منضبط قد يعمّق الفوضى والتشظي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، ولذلك تُعلَّق على هذه الحكومة آمال كبيرة.
هذه المقالة جزء من سلسلة إصدارات ينشرها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بتمويل من الحكومة الهولندية. تستكشف السلسلة قضايا ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وبيئية، بهدف إثراء النقاشات وصنع السياسات التي تعزز السلام المستدام في اليمن. الآراء المعبَّر عنها في هذا التحليل لا تعكس بالضرورة آراء مركز صنعاء أو الحكومة الهولندية.





