أثار القرار الجذري بحلّ المجلس الانتقالي الجنوبي مخاوف من أن تقع اليمن مجددا في دوامة مألوفة: هزيمة مكوّن سياسي رئيسي وتهميشه بما يُفضي إلى مظالم متجذّرة تدوم طويلاً.
بدأت إحدى هذه الدوامات فور استقلال الجنوب، إذ ظلّت هزيمة جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ونفيها عام 1967، تُلقي بظلالها على استقرار جنوب اليمن وتُعرقل مسيرة تطوره طوال سنوات السبعينيات، إلى أن بلغت ذروتها بالحرب الأهلية الحاسمة في الـ13 من يناير 1986، التي أسفرت عن هزيمة كتلة سياسية تهيمن عليها نخب أبين وشبوة وتهميشها، ففرّت هذه النخب إلى شمال اليمن بصحبة ما يقارب مئة ألف من أتباعهم، وجرى دمجهم في صفوف القوات المسلحة الشمالية.
لم تكد ثلاث سنوات تمرّ حتى تلقّت نخب مثلث الضالع-لحج-يافع، التي كانت تتولى السيطرة على دولة جنوبية متهالكة، ضربةً موجعة أخرى بانهيار حليفها السوفيتي، فاستجابت لطموح قديم بإعادة توحيد اليمن، وقبلت الاندماج في دولة مركزية واحدة، غير مبالية بخطر هيمنة الشمال على جنوب أقل منه كثافةً سكانية؛ ففي الـ22 من مايو 1990، أصبح علي عبدالله صالح، رئيس شمال اليمن، رئيساً للدولة الموحدة، فيما تولّى علي سالم البيض، الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني الحاكم في جنوب اليمن، منصب نائب الرئيس.
سرعان ما أُطفئت الآفاق الواعدة لليمن الموحّد بدوامة أخرى من الصراع والهزيمة والتهميش؛ ففي ربيع عام 1991، اندلعت حملة اغتيالات وإرهاب استهدفت قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، فوجّهت ضربة قاتلة لمشروع الوحدة، وبحلول العام 1994، كان الحزب قد نظّم صفوفه لا للدفاع عن نفسه فحسب، بل أيضاً لإعادة التفاوض على شروط الاندماج، فكان ذلك إيذاناً بقيام الحرب.
كانت حرب 1994 وجيزة، لم تتجاوز شهرين وثلاثة أيام. في بادئ الأمر، ثبت الجيش الجنوبي على خطوط المواجهة، وقد أفاد شهود عيان ومشاركون بأن كثيراً من الوحدات فقدت إرادة القتال لحظة أعلن البيض الانفصال، فراحت الطائرات الحربية الجنوبية تُلقي حمولتها في الجبال بعيداً عن قوات الحكومة المركزية. كان الشارع الجنوبي لا يزال مؤيداً للوحدة، وكذلك القوات المسلحة.
لم تكن هزيمة الجيش الجنوبي بحد ذاتها كارثية؛ بل كانت الكارثة فيما أعقبها؛ فقد تصدّرت «ألوية الوحدة»، التي أُدمجت ضمن الجيش الشمالي والمؤلَّفة من الفصيل الخاسر عام 1986 بقيادة الجنرال عبد ربه منصور هادي، الزحف على عدن، فأجهزت على خصومها في صراع 1986، وخلّف النهب والتهجير والتهميش الذي عاشه الطرف الخاسر جروحاً غائرة، فتكرّرت دوامة المظالم من جديد.
بعد وقت قصير، نادى أصحاب الحكمة بالمصالحة الوطنية، وتشكّل توافق وطني حول ضرورة إعادة دمج الطرف الخاسر ومعالجة المظالم الجنوبية التي ترجع إلى الانتفاضات الفلاحية وعمليات التأميم الواسعة في مطلع السبعينيات، إلا أن صالح كانت له خطط أخرى؛ إذ خدمت الحرب نظامه. قبل اندلاعها، كان البيض يحظى بشعبية جارفة في الشمال، تفوق شعبيته في الجنوب بكثير، بوصفه قائداً أثبت وطنيته ونزاهته بقبوله منصب نائب الرئيس خدمةً لمشروع الوحدة، وكان يفوق صالح شعبيةً، لكن إعلان الانفصال قلب المعادلة رأساً على عقب، فظهر صالح بوصفه الحامي الوحيد للوحدة، وأدرك أن «الدفاع عن الوحدة» سلاحاً خطابياً يمكنه توظيفه لإسكات المعارضة والتشبث بالسلطة. لذا، وعلى الرغم من خطابه التصالحي الشكلي، عمل صالح على إفشال المصالحة؛ فاختار الجنرال هادي، العدو اللدود للحزب الاشتراكي اليمني، نائباً له، وعهد إليه بملف دمج ضباط الجيش الجنوبي، فعمل فصيل هادي على احتكار تمثيل الجنوب.
أفضى هذا الاحتكار في تمثيل الجنوب إلى تأسيس الحراك الجنوبي في أواخر التسعينيات، ثم الاحتجاجات السلمية التي انطلقت عام 2007، وصولاً إلى تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017. اكتملت الحلقة عندما ادّعى المجلس الانتقالي الجنوبي تمثيل الجنوب حصراً، ومحاولته غير المدروسة للسيطرة على المحافظات الشرقية، ثم حلّه في يناير 2026.
ستُوضح عمليات إعادة هيكلة قيادة الحكومة المعترف بها دولياً ومجلس وزرائها ما إذا كانت ستندلع دوامة جديدة من الصراع، ومن المبشّر أن التعيينات الأخيرة التي أجراها رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، بتعيين وزير الدفاع الأسبق محمود الصبيحي، عضواً في مجلس القيادة الرئاسي وشايع الزنداني، رئيساً جديداً للوزراء، تشير إلى أن دروس التاريخ قد استُوعبت، فالصبيحي بديل مناسب للرئيس المُقال للمجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي؛ إذ ينتمي إلى مديرية الصبيحة في محافظة لحج، ويحظى باحترام شعبي واسع بوصفه بطلاً حربياً وقائداً وطنياً، يثق به الشارعان الجنوبي والشمالي على حدٍّ سواء. على المنوال ذاته، جاء تكليف الزنداني بتشكيل الحكومة القادمة خياراً بالغ الحكمة؛ فبوصفه أول رئيس وزراء من محافظة الضالع، يضمن تعيينه عدم تهميش المحافظة في أعقاب رحيل الزبيدي.
إن كسر هذه الدوامة من الصراع وإعادة دمج الفصيل الخاسر هو أفضل ما وصل إلى مسامعي من أخبار منذ زمن بعيد. هذه الحكمة بالذات ما تحتاجه البلاد للخروج من النفق المظلم للحرب والانقسام الذي أثقل كاهل الشعب اليمني لأكثر من عقد.
هذا التعليق جزء من سلسلة منشورات يُصدرها مركز صنعاء، بتمويل من وزارة الخارجية النرويجية، في إطار برنامج «إعادة تصوّر سلام اليمن في المشهد الإقليمي». تسعى هذه السلسلة إلى تعزيز جهود بناء السلام في اليمن من خلال دراسة استراتيجية للروابط الأمنية والاقتصادية للبلاد مع منطقة الخليج والبحر الأحمر.