شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً جوياً واسع النطاق على إيران في 28 فبراير، استهدف قيادتها، ومراكز القيادة والسيطرة، ومواقع الاستخبارات في أنحاء البلاد، وفي 1 مارس، أكَّدت وسائل إعلام إيرانية مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي لتتوسع بعدها الضربات الجوية وتشمل أهدافاً عسكرية ومنشآت نووية. بالمقابل، بدأ انتقام طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة نحو إسرائيل، والقواعد الأمريكية، ودول خليجية مجاورة.
انضم بعض حلفاء إيران الإقليميين، المعروفين بـ “محور المقاومة” إلى الحرب ولكن بشكل محدود؛ فقد أطلقت جماعة حزب الله اللبنانية صواريخ وطائرات مسيّرة نحو شمال إسرائيل، ما دفع إسرائيل إلى شن عدة ضربات، كما أفادت تقارير بأنَّ رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الله محمد رعد، استُهدف وقُتل ببيروت في 2 مارس، كما استُهدفت مواقع عديدة للحزب في وادي البقاع، وجنوب لبنان، والضاحية الجنوبية لبيروت. في العراق، أعلنت ميليشيا كتائب حزب الله المدعومة من إيران مسؤوليتها عن هجمات على قواعد أمريكية داخل البلاد، وهدَّدت بشن هجمات أخرى في الأردن، كما أعلنت جماعة أخرى هي سرايا أولياء الدم تنفيذ هجوم بطائرة مسيّرة على القوات الأمريكية في مطار بغداد.
في هذا السياق، ظل أقوى حليف متبقٍ لإيران في المنطقة، وهو جماعة الحوثي في اليمن (أنصار الله)، ملتزما الصمت حتى الآن؛ فقد أصدر زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، بياناً مسجلاً أكَّد فيه تضامن الجماعة مع إيران، لكنَّ التساؤل القائم هو ما إذا كان الحوثي سيرد، وما هي طبيعة هذا الرد. رغم أنَّ إيران دعمت الجماعة منذ زمن طويل، وكانت مسؤولة عن حصولها على تقنيات متطورة للطائرات المسيّرة والصواريخ، فإنَّ القرار سيستند إلى اعتبارات استراتيجية تُتخذ في كل من صنعاء وطهران.
من المرجح أن يعتمد توقيت مشاركة الحوثيين وطبيعتها على مدة الصراع وأهدافه؛ فقد اندلع النزاع في وقت كانت تجري فيه محادثات نووية بين الولايات المتحدة وإيران، دون وجود دليل واضح على أنَّ إيران كانت تسارع في تخصيب اليورانيوم أو تخطط لعمل استباقي، بل إنَّ الرسائل المتضاربة من الإدارة الأمريكية وأهدافها غير الواضحة تذكِّر بعمليتها الجوية ضد الحوثيين العام الماضي، ولا يبدو أنَّ الحرب قد حظيت بالقبول سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها. يصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الحرب على إيران أحياناً بأنها محاولة لمحاكاة الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو التي وقعت مؤخرًا وأبقت حكومته قائمة ونائبته في السلطة.
ألمح ترامب إلى أنَّه قد يكون مستعداً للتفاوض مع خليفة خامنئي، لكنَّه تحدث أيضاً عن أمله في حصول تحول أوسع، داعياً الشعب الإيراني إلى الانتفاض ضد الحكومة. يعتمد نجاح مثل هذه الانتفاضات عادةً على انشقاق أو فرار واسع النطاق لجيش متعاطف يختار تغيير ولائه، وهو أمر غير مرجح بالنسبة لمؤسسات قوية مثل الحرس الثوري الإيراني، والَّذي من غير المتوقع أن يتخلى عن امتيازاته. يُذكر أنَّ وحدات الحرس الثوري مسؤولة عن قتل آلاف المتظاهرين مؤخراً في يناير، وقد تقود دعوات ترامب إلى تكرار النصيحة المشؤومة التي قُدمت للمعارضة العراقية بعد حرب الخليج الأولى للانتفاضة ضد النظام. إضافة إلى ذلك، فإنَّ المعارضة الإيرانية منقسمة ولا يوجد تصور واضح لمن قد يخلف الحكومة الحالية. إنَّ تغيير الأنظمة يظل مسألة محفوفة بالمخاطر إذ أنَّه قد يُحدِث انتفاضة شعبية، وقد ينزلق الأمر أيضًا إلى حرب أهلية.
لقد كان الرد العسكري الإيراني سريعاً وواسع النطاق، كما تُسمع نبرة التحدي في الخطاب الإعلامي. أظهرت المواجهة مع إسرائيل العام الماضي والحرب مع الولايات المتحدة محدودية فعالية الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية أمام الدفاعات الجوية؛ لذلك فإنَّ توسيع نطاق الهجمات ليشمل أهدافاً أسهل في الخليج، مثل منشآت الطاقة وناقلات النفط، يتيح لطهران فرض تكلفة أعلى على التحرك الأمريكي. إنَّ ضرب الإحساس بالأمان في مراكز مالية مثل دبي، واستهداف منشآت النفط، وإغلاق المجال الجوي الإقليمي قد يلحق أضراراً مالية كبيرة، ممَّا يدفع حلفاء الولايات المتحدة في الخليج إلى الضغط من أجل وقف إطلاق النار، كما أنَّ الاضطرابات الاقتصادية قد تثير غضب الناخب الأمريكي الذي يخشى الصراعات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود.
من المرجح أن تستهدف إسرائيل أو الولايات المتحدة أو كلاهما الحوثيين، سواء أطلقت الجماعة النار أولاً أم لا، لكنَّ التصريحات العلنية من طهران وصنعاء تشير إلى أنَّ الحوثيين قد يترددون في الانخراط بالقتال؛ فقد قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقناة الجزيرة صراحةً إنَّ إيران لا تريد مساعدة من الميليشيات الحليفة، وقال بالنص “نحن قادرون على الدفاع عن أنفسنا بأنفسنا… ولا نريد من أي طرف أن يساعدنا في دفاعنا عن أنفسنا.” بدوره أشار عبد الملك الحوثي، في خطابه إلى قوة إيران، وقال إنَّ ردها سيكون “حاسماً” دون أن يحدد دوراً لقواته أو يهدد برد مباشر. لهذا الموقف سابقة؛ ففي الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025، ظل الحوثيون إلى حد كبير على الهامش، ثمَّ استأنفوا هجماتهم بالطائرات المسيّرة والصواريخ على إسرائيل وعلى الملاحة التجارية بعد انتهاء النزاع.
مع ذلك، فإنَّ الحوثيين في حالة تموضع جيدة تسمح لهم بالمساعدة إذا اختاروا ذلك؛ فقد نفَّذت الجماعة سلسلة هجمات عنيفة ومنسَّقة على السفن التجارية خلال عمليتها في البحر الأحمر، والتي حاولت فيها فرض حصار على إسرائيل دعماً لأهل غزة المحاصرين، وأظهرت قدرتها على الوصول إلى إسرائيل بطائرات مسيّرة وصواريخ، كما يمكنها أن تساعد إيران في رفع التكلفة المادية للعمليات الأمريكية والإسرائيلية، إذ أنَّ نحو 20٪ من نفط العالم يمر عبر مضيق هرمز، وإذا تحركت إيران لإغلاق المضيق، فإنَّ التأثير سيتضاعف إذا قام الحوثيون في الوقت نفسه بإغلاق مضيق باب المندب، وقد بدأت شركات الشحن بالفعل بتحويل مساراتها بعيداً عن هذين الممرين البحريين.
يبدو أنَّ الحوثيين يسعون إلى تحقيق توازن بين إظهار الولاء العلني لحلفائهم الإيرانيين وبين مخاطر التورط في صراع يحقق لهم مكاسب قليلة، كما أنَّ قدرات الأطراف قد تغيرت منذ الحرب الماضية. على الرغم من كثرة الإخفاقات، فقد ألحقت القوات الأمريكية خسائر كبيرة بالحوثيين في الربيع الماضي قبل أن تنجح الوساطة العمانية بالتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار أنهى العمليات الحربية بشكل مفاجئ؛ كما ألحقت الضربات الإسرائيلية في الصيف والخريف الماضيين ضررا أكبر تمثَّل بتدمير ميناء الحديدة على البحر الأحمر، واحتياطيات وقود استراتيجية، ومنشآت عسكرية، وبنى تحتية مزدوجة الاستخدام. تمكنت إسرائيل في نهاية المطاف من استهداف وقتل أعضاء في الحكومة التي عيَّنها الحوثيون ومسؤولين كبار آخرين، لكنَّها لم تصل إلى الدائرة المقربة من عبد الملك الحوثي. إنَّ جمع هذا النوع من المعلومات الاستخباراتية يستغرق وقتاً، ولا شك أنَّ إسرائيل والولايات المتحدة حاولتا الحصول على مثل هذه المعلومات منذ ذلك الحين، ونظراً لقدراتهما على تعقُّب قادة حزب الله ومسؤولين إيرانيين وعناصر من القاعدة في اليمن، فمن المحتمل أن تكون بيانات الاستهداف لديهما قد تحسنت بشكل كبير.
أكسبت عمليات الحوثيين في البحر الأحمر الجماعة شهرة دولية ودعما شعبيا داخليا كبيرا، وكان ذلك مهماً في مساعي الجماعة لإضفاء شرعية على هيمنتها في اليمن، إذ تُعد قضية فلسطين قضية سياسية بارزة، ساعدها استغلالها على تجنيد أعداد كبيرة من المقاتلين. مع أنَّ الدعم الإيراني كان جوهريًا لنجاح الحوثيين وتوسيع قوتهم العسكرية، إلَّا أنَّ مصير إيران لا يحظى بالشعبية نفسها التي تحظى بها قضية غزة، وقد لاحظ خبراء أنَّ عبد الملك الحوثي، لم يستخدم اللقب الديني “آية الله” في تعزيته بعد وفاة خامنئي، كما أنَّ الحوثيين يتبعون مذهبًا مختلفاً من الإسلام الشيعي، وقد كانت للجماعة دائماً علاقة أقرب سياسياً وأيديولوجياً مع حزب الله، وهي علاقة شجعتها إيران لتوسيع نفوذها.
من الجدير ذكره، أنَّه إذا دخلت جماعة الحوثي في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، فإنَّها قد تعرِّض قيادتها العسكرية ومقدراتها للخطر دون تحقيق مكاسب شعبية أو شرعية كتلك التي حصلت عليها سابقاً. يضع الحوثيون أيضاً اعتبارا لوضعهم الداخلي؛ فالمناطق التي يسيطرون عليها تمر بأزمة اقتصادية حادة نتيجة العقوبات وتراجع المساعدات الخارجية، كما أنَّ الجوع في ازدياد، وقد اعتُبر الحل النهائي للتدهور الاقتصادي منذ فترة طويلة هو التوصل إلى تسوية تفاوضية مع السعودية يوافق فيها الحوثيون على وقف إطلاق النار وغيرها من الشروط مقابل الحصول على دعم مالي، لكنَّ هذه المحادثات توقفت خلال عمليات الحوثيين في البحر الأحمر رغم أنَّ الجماعة أبدت اهتماماً بإحيائها. مع الهجمات الإيرانية على السعودية وتدهور التقارب بين القوتين، يبدو أنَّ خارطة الطريق تلك لم تعد مطروحة، كما أنَّ الرياض تعزز سيطرتها على الحكومة اليمنية المنقسمة المعترف بها دولياً، وهو ما يمنحها موقفاً أقوى مما كان عليه الحال خلال مفاوضاتها مع الحوثيين عام 2022. قد يرى الحوثيون في ذلك سبباً للحد من مشاركتهم في التصعيد الحالي لأنَّ إضعاف قوتهم العسكرية سيقلِّل من قدرتهم على مواجهة السعودية والقوات الحكومية المعاد تنظيمها.
إنَّ استئناف هجمات الحوثيين لن يكون مفاجئاً، فقد أظهرت الجماعة، أكثر من أي شيء آخر، قدرة كبيرة على تحمل المخاطر، لكن لا ينبغي الخلط بين حساباتها وحسابات طهران، فللجماعة دوافعها السياسية والاقتصادية الخاصة في علاقاتها مع السعودية، وعُمان، ودول الخليج الأخرى، كما أنَّها تملك أيضاً نقاط ضغط خاصة بها، بما في ذلك واردات النفط الإيراني وشبكات التهريب عبر البحر الأحمر التي تجعل ما تبقى من اقتصادها المتدهور على قيد الحياة.
حتى الآن، يظل الحوثيون صامتين بشكل لافت!