إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

جندي ينظر نحو عتق من منطقة الصوت في هضبة حضرموت، محافظة شبوة، 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.


افتتاحية مركز صنعاء

بايدن يحتاج إلى سياسة جديدة تجاه اليمن لا تنظر إلى الوراء 

صعّد الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون على مدى العقدين الماضيين من تدخل أمريكا العسكري في اليمن سعيًا وراء خدمة أهداف لم تضع اليمن أولًا، إذ كان الأخير موضع اهتمام ثانوي في أفضل الأحوال. وبتبني هذا النهج، ساعدت الولايات المتحدة، وتحديدًا البيت الأبيض، على تأجيج الوضع الذي يعاني منه اليمن اليوم، إذ أضحى بلدًا يعاني من التشرذم بمواجهة أسوأ كارثة إنسانية في تاريخنا الحديث.

مساهمة واشنطن في تشظي اليمن أدت لتقويض المصالح نفسها التي سعت نحوها في البلد نفسه، كمكافحة الإرهاب وعلاقتها بالرياض. وبالتالي يترتب على الإدارة المقبلة واجب أخلاقي واستراتيجي لإعادة ترتيب الأولويات بطريقة مجدية من أجل تغيير المسار.

أذِن الرئيس جورج دبليو بوش بتنفيذ أول ضربة بطائرة دون طيار في محافظة مأرب عام 2002، وخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، شكلت إدارته القوة الدافعة وراء إنشاء وحدات القوات الخاصة اليمنية للقتال فيما سماها بوش بـ”الحرب على الإرهاب”. ولخدمة هذا الهدف، وفّرت الولايات المتحدة السلاح وبرامج التدريب، ولكن الحكومة اليمنية وجهت معظم هذا الدعم لمواجهة جماعة الحوثيين الوليدة آنذاك وسحق تمردها في شمال البلاد بطريقة وحشية. لاحقًا، نُشرت هذه القوات الخاصة في محاولة دامية لقمع الاحتجاجات الشعبية الجماهيرية خلال انتفاضة الربيع العربي في اليمن عام 2011.

ومع تسلّم باراك أوباما سدة الرئاسة، ازدادت عمليات الطائرات المسيّرة ضد المشتبه في انتمائهم لتنظيم القاعدة، وسط غياب المحاسبة والشفافية فيما يتعلق بارتفاع عدد الضحايا في صفوف المدنيين. وفي العام 2015، دعمت إدارة أوباما تدخل التحالف العسكري بقيادة السعودية والإمارات في اليمن ضد جماعة الحوثيين. استُخدمت قنابل أمريكية الصنع في الضربات الجوية التي استهدفت معظم أنحاء اليمن وشنها طيارون دربتهم الولايات المتحدة، وبذل الدبلوماسيون الأمريكيون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة جهودًا لتأمين غطاء قانوني دولي للتحالف وأحبطوا جميع المحاولات الهادفة لمحاسبة الأخير على جرائم الحرب التي يرتكبها.

وحين وصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ضاعف من حدة هذه السياسات المتبناة خلال عهد أوباما، موسعًا نطاق هجمات الطائرات المسيّرة وعمليات القوات الخاصة في اليمن. كما وقّع ترامب مع التحالف عقود أسلحة بقيمة مليارات الدولارات، وحمى الرياض من إخضاعها للمساءلة عن ممارستها في جارتها الجنوبية.

هذا التأثير الضخم للولايات المتحدة في اليمن خلال الإدارات الثلاث المتعاقبة جاء وسط غياب سياسة خارجية متماسكة تجاه اليمن، إذ أن حسابات الرؤساء الأمريكيين (ونخبة واشنطن بشكل عام) عند صياغة السياسات، اقتصرت على النظر إلى اليمن من زاوية خدمة مصلحتين أمريكيتين أساسيتين: مكافحة الإرهاب، والحفاظ على العلاقة مع السعودية.

سيبقى هذان الأمران من أولويات واشنطن، ولكن تولّي جو بايدن منصب الرئاسة في يناير/كانون الثاني 2021 قد يؤدي إلى تبني الولايات المتحدة نهجًا جديدًا يضع خفض التصعيد في اليمن – وبناء سلام مستدام لاحقًا – على أجندة بايدن. ومن الممكن أيضًا أن يعيد بايدن -الذي شغل منصب نائب الرئيس في عهد أوباما- تدوير الكثير من الموظفين السابقين في إدارة أوباما في مناصب مختلفة حيث يعيدون تغليف أولويات الإدارة الديمقراطية السابقة ونهج مقاربتها للسياسات تحت ستار “بداية جديدة”.

تعهّد بايدن خلال حملته الانتخابية بوقف دعم الولايات المتحدة لجهود الحرب السعودية، ولكن هذه الخطوة لن تكون كافية لإحلال السلام في اليمن إذا لم يواكبها طفرة دبلوماسية. وبما أن السعودية لا تجد سبيلًا للخروج من الحرب بشكل يحفظ ماء الوجه، فهي بحاجة إلى الدعم الدبلوماسي للخروج من المستنقع الذي أغرقت نفسها فيه.

وفي هذه الأثناء، ستلتقط إيران، الداعم الدولي الرئيسي لجماعة الحوثيين، أنفاسها عند خروج ترامب ذو السلوك السياسي الاعتباطي من البيت الأبيض، وستقيّم ما إذا كانت مستعدة لتقديم تنازلات في المنطقة من أجل إعادة التفاوض بشأن الاتفاق النووي الذي أحبطه ترامب وتخفيف العقوبات إلى حد ما لإعانة اقتصادها المنهك.

تُعد الولايات المتحدة الطرف الأكثر قدرة على قيادة الجهود الدولية للتأثير على أطراف الصراع المختلفة وإعادتهم إلى طاولة المفاوضات، حتى بعد بطش ترامب بنهج العمل المتعدد الأطراف والأطر الدولية على مدى السنوات الأربع الأخيرة.

مرر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 2216 -الذي يشكل الأساس القانوني للتدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن- في أبريل/نيسان 2015، ومن المقرر تجديد العمل به لسنة أخرى في فبراير/شباط 2021. سيشكل التفاوض على تحديث هذا القرار في مجلس الأمن نقطة انطلاق مثالية لإدارة بايدن. كما يجب أن تشمل هذه المفاوضات توسيع معايير ونطاق عمل لجنة العقوبات الخاصة باليمن.

من الواضح أنه على الرئيس الأمريكي الجديد إعطاء الأولوية للسلام في اليمن، إذ من دون صفقة سلام مستدام، ستكون النتيجة الأكثر احتمالًا هي المزيد من التشرذم في الجنوب وقيام دويلة يديرها الحوثيون في الشمال على الحدود مع السعودية وقادرة على الوصول إلى البحر الأحمر، ما يمثل تهديدًا طويل المدى على السعودية وكذلك على أولويات الأمن الاقليمي لواشنطن ومصالحها الاقتصادية.


 

المحتويات

 


سوق خضار في شبام بمحافظة حضرموت، 4 ديسمبر/كانون الأول 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها محمد حيان.


نوفمبر في لمحة

التطورات السياسية والدبلوماسية 

الحوثيون يعيّنون سفيرًا في سوريا 

في 15 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلنت جماعة الحوثيين المسلحة تعيين عبدالله علي صبري سفيرًا لدى النظام السوري خلفاً لنائف القانص السفير السابق للحوثيين. هذا ثالث سفير يعيّنه الحوثيون إذ عيّنوا ابراهيم الديلمي سفيرًا لدى طهران في أغسطس/آب 2019. بادلت إيران بالمثل وعيّنت سفيرًا لدى سلطات الحوثيين في صنعاء في أكتوبر/تشرين الأول 2020.

الحوثيون يعلنون عن صفقة تبادل أسرى جديدة تشمل الإفراج عن شقيق هادي 

أكد القيادي البارز في جماعة الحوثيين محمد الحوثي على تويتر أن صفقة تبادل الأسرى الجديدة مع الحكومة اليمنية والتحالف بقيادة السعودية، ستشمل إفراج الجماعة عن شقيق الرئيس عبدربه منصور هادي، ناصر منصور هادي، أحد السجناء الأربعة الذين نص قرار مجلس الأمن رقم 2216 على إخلاء سبيلهم. ووفقًا لمسؤول ملف الأسرى في جماعة الحوثيين عبد القادر المرتضى، سيتم الإفراج عن مائتين من أسرى الجماعة مقابل إطلاقها سراح 101 أسير للحكومة.

شهد شهر أكتوبر/تشرين الأول أكبر عملية تبادل أسرى بين الأطراف المتحاربة منذ نشوب الصراع. وبموجب الصفقة التي اتُفق عليها خلال محادثات أشرفت عليها الأمم المتحدة في سويسرا في سبتمبر/أيلول. أُفرج عن 1,056 أسيرًا على مدى يومين في عملية سهلتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر. (للمزيد، انظر: “ضرورة إبعاد ملف تبادل الأسرى عن المفاوضات السياسية”). 

 

التطورات الاقتصادية

معركة فرعي البنك المركزي اليمني على البيانات المالية

داهمت قوات الحوثيين مقر بنك التضامن الإسلامي الدولي في صنعاء منتصف نوفمبر/تشرين الثاني بعد أن قدم البنك بياناته المالية إلى فرع البنك المركزي في عدن، العاصمة المؤقتة لحكومة هادي، وأوقفت كاميرات المراقبة وأمرت الموظفين بالمغادرة. سيطر الحوثيون على البنك لعدة أيام، ما أجبر فروعه البالغ عددها 37 في جميع أنحاء اليمن على الإغلاق. تأتي هذه الخطوة ضمن سياق المعركة الأوسع بين فرعي البنك المركزي المتنافسين في عدن وصنعاء للسيطرة على الوصول إلى بيانات القطاع المالي خلال الأشهر الأخيرة (لمزيد من التفاصيل، انظر: “النشرة الاقتصادية اليمنية: معركة ضَبْط البنوك تهدد بتمزيق القطاع المالي“). فتح بنك التضامن أبوابه مجددًا بعد دفع غرامة مالية.

خفّت حدة الصراع بين فرعي البنك المركزي بحلول نهاية نوفمبر/تشرين الثاني. وبحسب مسؤولين مصرفيين في صنعاء، جاءت هذه التهدئة بعد موافقة الفرعين على تشكيل لجنة وساطة مصرفية رفيعة المستوى تتألف من رؤساء مجلس الإدارة في أربعة بنوك يمنية: بنك اليمن الدولي، بنك اليمن والكويت، بنك التضامن الإسلامي الدولي، وبنك الكريمي للتمويل الأصغر الإسلامي.

اتساع الفجوة بين سعر صرف الريال اليمني في صنعاء وعدن 

فقدت أوراق الريال اليمني المطبوعة حديثًا، التي تُستخدم في الجنوب والمحظور التداول بها في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، الكثير من قيمتها في نوفمبر/تشرين الثاني، ما أسفر عن ازدياد التباين بين أسعار الصرف. وفي بداية شهر ديسمبر/كانون الأول، بلغ سعر الصرف 880 ريالًا مقابل الدولار الواحد في عدن و600 ريال مقابل الدولار الواحد في صنعاء.



تلقى البنك المركزي في عدن نوفمبر/تشرين الثاني شحنة من الأوراق النقدية قدرها 180 مليار ريال مطبوعة في الخارج، ما زاد الضغط الهبوطي على قيمة الريال المطبوع حديثًا. تطبع الحكومة اليمنية نقودًا جديدة لعدة أسباب مثل معالجة العجز الضخم في ميزانيتها المالية. استخدمت الحكومة حوالي 100 مليار ريال من الـ180 ريال التي تسلّمتها لدفع الرواتب المستحقة عن حوالي شهرين إلى الوحدات العسكرية والأمنية.

سلطات الحوثيين في صنعاء تعلّق دفع الرواتب

في 19 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن رئيس المجلس السياسي الأعلى التابع للحوثيين، مهدي المشاط، تعليق دفع رواتب الموظفين الحكوميين في مناطق سيطرتها. كان المشاط قد وجه وزارة المالية بصنعاء في يناير/كانون الثاني بصرف نصف راتب كل شهرين لكافة موظفي الدولة المدنيين والعسكريين في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. لم تفِ سلطات الحوثيين بهذا التعهد. ومن الجدير بالذكر أن معظم موظفي القطاع العام اليمني البالغ عددهم 1.25 مليون موظف لم يتلقوا رواتبهم بانتظام منذ عام 2016.

(للمزيد من التفاصيل حول التطورات الاقتصادية، انظر: “نشرة اليمن الاقتصادية: تطورات نوفمبر“).

 

التطورات الإنسانية والحقوقية

زيادة حالات سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي 

استنتج آخر تحليل أجرته منظمة الأغذية والزراعة واليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي أن أكثر من نصف مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، ما يُعد زيادة بنسبة 10% خلال عام 2020. شمل التحليل 133 مديرية في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. يأتي هذا في الوقت الذي حصلت فيه خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن لعام 2020 على 48% فقط من التمويل اللازم، ما يعني أن عدد اليمنيين الذين يتلقون المساعدات كل شهر انخفض بمقدار 4 ملايين بحلول نهاية العام.

كما أشارت توقعات تقرير منفصل لمبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى أن عدد اليمنيين الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد سيرتفع من 13.5 مليون إلى 16.2 مليون بينما سيرتفع عدد اليمنيين في المناطق التي تواجه حالة الطوارئ للأمن الغذائي من 3.6 مليون إلى 5 مليون بحلول يونيو/حزيران 2021.

 

التطورات البيئية

الحوثيون يوافقون على السماح لبعثة أممية بفحص ناقلة النفط صافر

في 24 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلنت الأمم المتحدة أن الحوثيين سمحوا لفريق خبراء بزيارة وتقييم ناقلة النفط صافر الراسية قبالة ساحل الحديدة. ومن المقرر أن يتفقد الفريق الفني الناقلة في يناير/كانون الثاني أو فبراير/شباط. وكان الحوثيون قد وافقوا على زيارة مماثلة في يوليو/تموز ولكن الموافقة ظلت حبرًا على ورق (لمزيد من التفاصيل، انظر: “إعادة تركيز الانتباه على الكارثة المحتملة التي تشكلها ناقلة النفط FSO Safer”). تحتوي الناقلة المتهالكة على أكثر من مليون برميل من النفط الخام، ما يشكل تهديدًا بيئيًّا كارثيًّا على البحر الأحمر والمناطق الساحلية المحيطة به في حالة حدوث انفجار أو تسرب (لمزيد من التفاصيل، انظر: “قيامة بيئية تلوح في أفق البحر الأحمر“).


مدينة شبام القديمة، محافظة حضرموت، 24 فبراير/شباط 2008. الصورة: دان/فليكر


شبام تحت خطر الانهيار

تواجه بعض أجزاء من شبام، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، خطر الانهيار نتيجة الأمطار الغزيرة والفيضانات التي شهدتها محافظة حضرموت خلال الأشهر الماضية. عانت المدينة التي تشتهر بأبراجها ومنازلها المبنية من الطوب اللِبن من نقص التمويل اللازم لأعمال الترميم والذي ازدادت حدته خلال سنوات الحرب، ونتيجة نقص العمال المهرة.

الجراد يواصل غزوه اليمن

قالت منظمة الأغذية والزراعة إن الجراد واصل تدمير المحاصيل في اليمن بما في ذلك أشجار النخيل. وقالت المنظمة في بيان إن مناخ اليمن وجغرافيته يمثلان أرضًا خصبة لتكاثر الجراد، وإن السيطرة على انتشاره أمر بالغ الأهمية لمنع انتشار جديد للآفة. ولكن لم تتمكن المنظمة من الوصول إلى أجزاء كثيرة من البلاد بسبب القتال القائم.

 

التطورات الدولية 

الولايات المتحدة تنظر في تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية 

أفادت تقارير صحافية أن إدارة ترامب تدرس تصنيف جماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية. من شأن هذه الخطوة تجريم التعامل مع الجماعة بشكل عام إذا تم ذلك دون موافقة الحكومة الأمريكية. تحسبًا لهذه الخطوة، سحبت الأمم المتحدة وغيرها من منظمات الإغاثة موظفيها الأمريكيين الذين يعملون في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. (للمزيد حول احتمال إدراج الولايات المتحدة الحوثيين على قائمة الإرهاب، انظر: “خطوة ترامب الأخيرة: النظر في تصنيف جماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية“).

مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى الإمارات

من المقرر أن يصوّت مجلس الشيوخ الأمريكي في وقت ما خلال الأسبوع الذي يبدأ في 7 ديسمبر/كانون الأول على مقترح بيع أسلحة إلى الإمارات بقيمة 23 مليار دولار. تشمل الصفقة طائرات مقاتلة من طراز F-35 وطائرات مسيّرة من طراز MQ-9B وذخائر وصواريخ. انتقد مشرعون ديمقراطيون الصفقة المقترحة إذ اتهموا إدارة ترامب بمحاولة التعجيل بإتمامها من دون إخضاعها لعملية المراجعة المناسبة قبل أن يغادر ترامب البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2021.


القوات الحكومية الموالية لهادي في قرية الشيخ سالم بمحافظة أبين بمواجهة قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها أحمد محمد عبيد الشطيري.


 

تطورات الحرب

 أبو بكر الشماحي

مأرب 

استمرت المعركة للسيطرة على مأرب خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني حيث تركّز القتال حول الاستيلاء على معسكر ماس، المقر المؤقت لقيادة المنطقة العسكرية السابعة في الجيش اليمني. بدأت القوات الحكومية بخسارة قبضتها على المعسكر، الواقع في شمال غرب مديرية مدغل، غرب مدينة مأرب، تدريجيًّا مع استمرار القتال. تقدم عناصر جماعة الحوثيين المسلحة تجاه معسكر ماس خلال الأشهر الماضية، وبحلول بداية نوفمبر/تشرين الثاني كانت قد تمركزت على بعد بضع كيلومترات فقط من المعسكر وهاجمته من الجنوب والشمال والغرب.

نقلت القوات الحكومية الأسلحة الثقيلة من المعسكر في 5 نوفمبر/تشرين الثاني، ما يشير إلى أنها أدركت أن دفاعها للبقاء في المعسكر لا جدوى منه. وكان عناصر الحوثيين قد سيطروا في وقت سابق على قسم من الطريق الرئيسي بين ماس ومدينة مأرب، ما أجبر الحكومة على سلك طريق أطول لإيصال الإمدادات إلى قواتها في المعسكر. ولكن الحوثيين، التي سيطرت على مواقع للقوات الحكومية غرب مديرية رغوان بحلول منتصف الشهر، هاجمت أيضًا طريق الإمدادات البديل الممتد عبر المديرية. أثّر القتال في رغوان على عدة قرى إذ نزح منها العديد من السكان.

حاولت قوات الجيش عرقلة تقدم الحوثيين عبر زرع ألغام في المناطق المحيطة بمعسكر ماس ولكنها اضطرت إلى الانسحاب منه في 20 نوفمبر/تشرين الثاني. تقدم الحوثيون لاحتلال المعسكر غير أن قصف القوات الحكومية وغارات التحالف الجوية أجبرهم في بعض الأحيان على الانسحاب. أسفر القتال المستمر في محيط المعسكر عن مقتل وجرح العشرات من كلا الطرفين، بينهم قادة عسكريين بارزين في الحكومة اليمنية وأفراد من قبيلة الجدعان التي قاتلت إلى جانب الحكومة. من بين الذين قُتلوا ناجي بن ناجي عايض، مساعد قائد المنطقة العسكرية السابعة.



تعز 

تركّز القتال بين القوات الحكومية وعناصر الحوثيين في مدينة تعز مؤخرًا على جبهة شارع الأربعين. ونظرًا لأن جبهات القتال في المدينة اتسمت بالجمود لأكثر من سنتين؛ يُعد أي تقدم مهما كان طفيفًا بمثابة نجاح. استعادت القوات الحكومية السيطرة على عدد من المواقع والمباني التي كانت قد احتلها الحوثيون في الأربعين، شمالي المدينة، خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني، من بينها مدرسة النعمان ومبنى الهنجر.

قُتل وجُرح العشرات خلال القتال على هذه المواقع من كلا الطرفين، وبحسب السكان المحليين، شن الحوثيون من المواقع التي يتمركزون فيها في الأربعين هجمات بقذائف الهاون على المناطق المأهولة بالسكان، ما أسفر عن سقوط عدد من الضحايا المدنيين بين قتيل وجريح.

كما اندلع القتال في محافظة تعز التي شهدت أعنف الاشتباكات في مديرية مقبنة، غربي المحافظة، في بداية نوفمبر/تشرين الثاني. وفي 7 و8 نوفمبر/تشرين الثاني، أسفر القتال للسيطرة على موقع البركنة العسكري، شرق مقبنة، عن سقوط العشرات بين قتيل وجريح في صفوف الطرفين. استمرت القوات الحكومية بالسيطرة على الموقع بالرغم من سيطرة الحوثيين عليه لفترة وجيزة. وفي 11 نوفمبر/تشرين الثاني، هاجمت القوات الحكومية مواقع للحوثيين واستولت على تلتي الخزان وحامد، جنوب شرق مقبنة، بعد أن أوقعت المعارك العشرات بين قتيل وجريح من كلا الطرفين، حسبما أفادت مصادر محلية.

وفي 5 نوفمبر/تشرين الثاني، استهدفت طائرة مسيّرة معسكر تدريب للجيش اليمني في جبل حبشي ما أسفر عن مقتل عدد من الجنود. أُنشئ المعسكر بدعم من حمود المخلافي، القيادي المحسوب على حزب الإصلاح وأحد قادة المقاومة ضد الحوثيين في بداية الحرب والمقيم حاليًّا في تركيا. وليس معروفًا من يقف وراء الهجوم بالطائرة المسيّرة. أتى هذا الهجوم في نفس اليوم الذي أمر فيه خالد فاضل، قائد محور تعز العسكري الموالي للإصلاح، إقالة العديد من القادة العسكريين الذين يعتقد أنهم مقربون من المخلافي.


القوات الحكومية الموالية لهادي في قرية الشيخ سالم بمحافظة أبين بمواجهة قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها أحمد محمد عبيد الشطيري.


أبين 

بالرغم من التقارير الإعلامية التي تتحدث عن اتفاق وشيك لتطبيق اتفاق الرياض بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، كانت الاشتباكات خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني بين الطرفين على جبهة شقرة في أبين هي الأعنف منذ أغسطس/آب 2019. شهدت الجبهة التصعيد الكبير الأول في 9 نوفمبر/تشرين الثاني حين قُتل القيادي في القوات الخاصة التابعة للحكومة عبد الناصر المشرقي وآخرون. وفي 13 نوفمبر/تشرين الثاني، قُتل القيادي هيثم الزمكي، شقيق العميد لؤي الزمكي، خلال الاشتباكات.

وفي 20 نوفمبر/تشرين الثاني، استعادت القوات الحكومية السيطرة على مزرعة موسى قرب قرية الشيخ سالم، عقب اشتباكات في منطقة الطرية شرق مدينة زنجبار، وجبل الكثيب، شمال شرق زنجبار، ما عد ذلك جزءًا من التقدم العسكري النادر في أبين. أُفيد عن وقوع إصابات بين قتيل وجريح من كلا الطرفين، كما أسرت الحكومة اليمنية 20 مقاتلًا من المجلس الانتقالي الجنوبي، وفقًا لمصادر عسكرية. بذل فريق الوساطة من التحالف بقيادة السعودية والموجود في أبين جهودًا لوقف القتال، ولكن فشله يشير إلى مدى البعد بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي فيما يتعلق بالاتفاق على وقف إطلاق نار وصفقة تقاسم سلطة.



الحديدة 

توقف القتال في مدينة الدريهمي، جنوب مدينة الحديدة، بحلول نهاية نوفمبر/تشرين الثاني. استمر عناصر الحوثيين بمحاولة اختراق خطوط القوات المشتركة المدعومة من التحالف في شمال وجنوب وغرب المدينة لكن دون جدوى، بينما لم تنجح القوات المشتركة، بقيادة طارق صالح، من إعادة تطويق الحوثيين في المدينة.

استمرت الاشتباكات داخل وحول مدينة الحديدة خلال الشهر، ما أسفر عن نزوح 56 عائلة من حي المنظر جنوب المدينة.

أبو بكر الشماحي، هو باحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. كصحفي، نُشرت أعماله في مواقع إعلامية مثل الجزيرة الإنجليزية، والغارديان، وتي أر تي ورلد، والعربي الجديد، وبي بي سي. يغرد علىabubakrabdullah@.


 

مقالات

وحدة عسكرية ترافق وفدًا من الصحفيين الأجانب تنتظر في الصحراء قرب الطريق من عتق إلى وادي حضرموت، شمال محافظة شبوة في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.


 

رحلة إلى شبوة

ريان بايلي 

نظم مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني زيارة لوفد صحفي دولي إلى محافظة شبوة اليمنية. هذه ثالث رحلة من نوعها ينظمها المركز، حيث نظم سابقًا رحلة إلى محافظة مأرب وأخرى إلى محافظة حضرموت. تأتي هذه الرحلة كجزء من التزام مركز صنعاء بضمان رؤية العالم، عبر وسائل إعلامه، اليمن، لا سيما في ظل القيود المفروضة على وصول وسائل الإعلام الدولية إلى البلاد بسبب الحرب وجائحة كورونا.

رافق الوفد الصحفي إلى شبوة ريان بيلي، وهو محرر وباحث في مركز صنعاء يعيش خارج اليمن، كما وثق تفاصيل زيارته الأولى إلى اليمن.

 

اليوم الأول – الوصول

حطت رحلتنا التي طارت على متن الخطوط الجوية اليمنية في مطار سيئون في وقت مبكر من المساء. ترجلنا من الطائرة نحو هواء الصحراء الدافئ ونزلنا على السلالم ضمن طابور طويل من العائلات اليمنية ومجموعة صغيرة من الطلاب الأجانب في طريقهم للدراسة بدار المصطفى، مركز إسلامي صوفي شهير في بلدة تريم القريبة.

كادت هذه اللحظة ألّا تتحقق. ففي وقت سابق من اليوم، أُلغيت تذاكرنا قبل ساعات قليلة فقط من موعد إقلاع رحلتنا المقرر من مطار القاهرة، ما جعلنا في حيرة من أمرنا. كنّا في مركز صنعاء نخطط لهذه الرحلة منذ شهور. حصلنا على التصاريح اللازمة، وملأنا الاستمارات المطلوبة، وأجرينا فحوصات الكشف عن كورونا، ولكن يبدو أن شخصًا ما في الحكومة اليمنية أو التحالف العربي الذي يسيطر على أجواء اليمن كان لديه رأي آخر في السماح لمجموعة من الصحفيين الغربيين بالدخول إلى البلاد. ومع اقتراب موعد إقلاع الطائرة، أجرى رئيس مركز صنعاء فارع والمدير التنفيذي ماجد العديد من الاتصالات، واستخدما كل الوسائل من مجاملات وتهديد وتودد، طالبين من البعض إسداءهم معروفًا وممن يدين لهما بمعروف أن يرد الجميل. وتمكنا أخيرًا من تأخير الرحلة لمدة ساعة؛ كانت كافية لتجديد الإذن بالسفر والصعود على الطائرة وربط أحزمة الأمان والانطلاق نحو وجهتنا.


رجل يمشي قرب مسجد في عتق، عاصمة محافظة شبوة. التُقطت الصورة عبر نافذة مظللة في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.


بعد المرور عبر الجمارك وفحص الحقائب في سيئون، اصطُحبنا إلى غرفة، فقد حان وقت الأكل. وُضعت أطباق مستديرة كبيرة من الأرز يغطيه لحم الضأن المشوي على مائدة من النايلون فُرشت على الأرض، وقُدمت مع خبز “الملوح” وصلصة “السحاوق” التي كان طعمها رائعًا. وفي وقت لاحق، بعد أن أشبعنا بطوننا بتلك الوجبة الشهية، ونحن ما زلنا مشتتين الذهن قليلًا بعد الرحلة، صعدنا جميعًا وعددنا 16 شخصًا على أربع سيارات دفع رباعي مدرعة وانطلقنا في رحلة استمرت لست ساعات في الظلام إلى مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة. مررنا عبر محافظة حضرموت التي قيل لي أن تضاريسها الجرداء جميلة للغاية.

سارت السيارات وراء بعضها ورافقنا أفراد من القوات الحكومية اليمنية وقوات الأمن الشبوانية المحلية ورجال القبائل المسلحين في مركبات أخرى. كنت متشوقًا جدًا ولم أستطع النوم، وأمضيت الكثير من الرحلة محدقًا في سيارة الحراسة التي تمضي أمامنا متسائلًا، كيف انحشر الرجال المسلحون في الجزء الخلفي من شاحنة النقل الصغيرة أمامنا؟! شعرت بالتعاطف معهم.

ما زال عناصر القاعدة يتواجدون في منطقة وادي حضرموت حول مدينة سيئون، ولذلك كان علينا عبور المنطقة بسرعة. ليس بوسعنا إنزال النوافذ المضادة للرصاص، وبكل الأحوال، لم يكن هناك الكثير لرؤيته في عتمة الليل باستثناء نقاط التفتيش البسيطة.

كيس من أوراق القات للبيع في سوق القات بمدينة عتق، شبوة. 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.

مضغ العديد من مجموعتنا القات لتمضية الوقت، وعلمني عمار، وهو أحد المنظمين للرحلة، ينحدر من عائلة شبوانية بارزة، أفضل طريقة لتقليم ورقة القات قبل إدخالها وتركها في فمي ليتشكل خدي على شكل كرة. كان القات -وهو نبتة مخدرة على نحو خفيف- مُرًا في البداية، ولكنني سرعان ما اعتدت على طعمه بل وبدأت في الاستمتاع به. حتى أن سيارتنا كان بها عدة أصناف وكان القات الأكثر جودة من محافظة صعدة، شمالي اليمن، موطن جماعة الحوثيين.

أدركت أننا وصلنا شبوة بتغيّر الطريق، ففي حضرموت كانت مليئة بالشقوق والحفر، ما أدى إلى تطاير الأتربة والرمال في بعض الأحيان، أما في شبوة فكان الطريق معبّدًا بالإسفلت. بدأنا بالارتفاع قليلًا مع اقترابنا من عتق. لا أستطيع أن أشعر بهذا ولكن تغير الضغط في أذني أشعرني أننا نصعد نحو المدينة على ارتفاع يزيد عن 1,100 متر فوق مستوى سطح البحر.

أخيرًا، بدت لنا أضواء الشارع الرئيسي في عتق من بعيد. أول الأشياء التي تلاحظها في اليمن هو قلة الإنارة، فقد أمضينا ساعات في السيارة وكانت هذه تقريبًا أول أضواء نراها.

تصطف على جانبي الطريق إلى البلدة صور الرئيس عبدربه منصور هادي والمحافظ محمد صالح بن عديو، تبدو جديدة وعُلّقت كي نراها. هذه هي عتق، منزلنا لأسبوع قادم.


عبد العزيز، 20 عامًا، جندي في وحدة أمن المحافظ، يمر بجانب غزال في منزل محافظ شبوة في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.


اليوم الثاني – المحافظ

استيقظنا مبكرًا -في فندق الفخامة حيث مكثنا- لنرتص في السيارات ونعبر الزحام المروري الصباحي في المدينة ونصل إلى مقر إقامة المحافظ المحاط بحراسة شديدة. حين دخلنا المجمع، رأيت عددًا من الغزلان الصغيرة التي تشبه الألعاب ترعى على العشب، علمت لاحقًا أنها هدية إلى المحافظ من إحدى قبائل شبوة.

استقبلنا المحافظ نفسه مع عدد من الوجهاء المحليين. يتحدث بن عديو ببطء متعمد، مما يحتم على الجمهور الاستماع بعناية إلى كلماته. وأكد -مثل أي سياسي جيد- على إنجازات السلطة المحلية وتركيزها على التنمية، لا سيما فيما يتعلق بالطرق والكهرباء والرعاية الصحية. يفتخر المحافظ -وله الحق في ذلك- بما أنجزه فريقه في خِضم الحرب، وذكر أن المستشفى الجديد في المدينة شُيد باستخدام المال الذي حصلت عليه المحافظة من عائدات النفط والغاز المخصصة لشبوة -البالغة 20%- التي تفاوضت عليها السلطة المحلية مع الحكومة المركزية. ولأن المستشفى الذي سيجري افتتاحه قريبًا بُني بأموال محلية فإنه سيخضع للسلطة المحلية وليس لإشراف وزارة الصحة. لكن معظم هذا الازدهار في البناء قد رُتب من مستويات أعلى، إذ مُنحت عقود البناء ورصف الطرق دون إجراء عمليات مناقصات تنافسية.

 حان وقت الغداء. وكان بانتظارنا وليمة أخرى في غرفة كبيرة في الطابق الأرضي من منزل المحافظ. لحم ضأن وأرز وفواكه طازجة وخضروات وطبق محلي، سمك القرش الصغير.


رجل يحرق البخور خلال جلسة مضغ القات في منزل محافظ شبوة في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.


بعد تناول الطعام، حان وقت مضغ القات (التخزين) في ديوان المحافظ (مجلس تقليدي يمني). جلسنا على أرائك طويلة تحيط بثلاثة جوانب من الغرفة، في حين تناوب المحافظ وفريقه على شرح الصراع المستمر بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات. في أغسطس/آب الماضي، اشتبكت الحكومة مع المجلس الانتقالي وسيطر الأخير على عدن واتجه شرقًا. ولكن أُحبط هجوم المجلس في عتق حيث تضافرت القبائل المحلية والقوات الحكومية لهزيمة قوات النخبة الشبوانية المدعومة من الإمارات، وإنهاء محاولة الانفصاليين لبسط سيطرتهم عبر جنوب اليمن.

ومنذ هزيمة المجلس الانتقالي الجنوبي العام الماضي، ظلت شبوة تحت سيطرة الحكومة بشكل شبه كامل، باستثناء قاعدتين ما زالتا تأويان القوات الإماراتية وهما معسكر العلم شمال عتق، ومنشأة بلحاف للغاز الطبيعي المسال، أكبر مشروع استثماري في تاريخ اليمن. تأوي الإمارات في محطة بلحاف ألف جندي، منهم قرابة مائتين جندي إماراتي وثمانمائة جندي من قوات النخبة الشبوانية. بدا نفور بن عديو تجاه الإماراتيين واضحًا.


طبيب يستخدم معدات طبية تبرعت بها السعودية في عيادة لإجراء فحوصات الكشف عن فيروس كورونا في عتق، عاصمة محافظة شبوة، في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.


اليوم الثالث – جائحة كورونا

حاولنا هذا اليوم التطرق لأحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في رحلتنا: ما الذي حدث بالضبط لجائحة كورونا في اليمن؟ هل تخطى البلد الجائحة، هل انحسر مؤقتاً أم سيواجه موجة أخرى مجددًا؟

كانت زيارتنا الأولى إلى مستشفى عتق العام حيث تحدث الأطباء وموظفو المستشفى عن التحديات التي تواجه القطاع الصحي: نقص حاد في الموظفين والإمدادات والمعدات في الوقت الذي يسعى فيه المستشفى ويعمل جاهدًا لعلاج العدد المتزايد من حالات سوء التغذية الحاد للأطفال والكوليرا والدفتيريا وحمى الضنك.

بالنظر إلى كل هذه الأمراض، لا يتربع فيروس كورونا على قائمة مخاوف الطاقم الطبي. أشار الأطباء الذين تحدثنا إليهم إلى ارتفاع عدد الإصابات بفيروس كورونا في وقت سابق من هذا العام، وقالوا إن الفيروس يبدو قد انحسر واختفى تقريبًا خلال الأشهر الأخيرة.

بعد زيارتنا للمستشفى، زرنا المركز الجديد للحجر الصحي والفحوصات الخاصة بكورونا حيث قيل لنا إن المنشأة هي واحدة من أفضل المنشآت تجهيزًا في البلاد، ولم تسجل أي إصابة مؤكدة بكورونا منذ شهر أغسطس/آب. كيف يُعقل ذلك، خاصة في ظل قلة الاكتراث بالاحتياطات مثل الالتزام بارتداء الكمامات وتطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي في شبوة؟

هناك الكثير من النظريات، ولكن لا توجد إجابات حاسمة. فالبعض يتكهن أن فيروس كورونا لا يمكنه العيش في مناخ دافئ، في حين يفترض البعض أن معدل أعمار السكان الصغير ساعد اليمن على تفادي الأسوأ. في حين يقول البعض إن اليمنيين يتمتعون بمناعة قوية أو إن معنوياتهم مرتفعة. ولكن تفسيري المفضل عن سبب عدم غزو الفيروس للبلد الذي مزقته الحرب هو ما قاله المحافظ بن عديو: “لا يجمع الله مصيبتين في آن واحد”.

اختتمنا يومنا بمشاهدة غروب الشمس من هضبة خارج عتق. مشهد خلاب تصطف فيه الهضاب في الصحراء من شبوة إلى حضرموت. كانت الرحلة المتعرجة إلى القمة على الطريق الضيق الأحادي المسار مجزية بالفعل حيث منحنا غروب الشمس الأحمر الرائع لحظة مناسبة للتأمل الهادئ.

(ملاحظة المحرر: في السادس من ديسمبر/كانون الأول، سجلت شبوة أول حالة إصابة مؤكدة بفيروس كورونا منذ أشهر).


جندي يمني يسير على الشاطئ في بير علي، بالقرب من منشأة بلحاف للغاز الطبيعي والقاعدة العسكرية الإماراتية في محافظة شبوة في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.


اليوم الرابع – الساحل

اليوم هو الجمعة، بداية عطلة نهاية الأسبوع في اليمن. اتجهنا جنوبًا إلى الساحل. وجهتنا هي محطة بلحاف للغاز الطبيعي المسال المتوقفة عن العمل منذ بداية الصراع. تمثّل المحطة مصدرًا رئيسيًّا للتوتر بين بن عديو والإمارات. فالمحافظ الذي يقول: “لم تعطنا الإمارات رصاصة واحدة لمحاربة الحوثيين”، يريد خروج القوات الإماراتية وعودة شركات النفط الأجنبية واستئناف عمليات تصدير النفط والغاز. لكن لا يبدو أن الإماراتيين سيذهبون إلى أي مكان قريبًا.

بالإضافة إلى ذلك، ما تزال هناك تساؤلات حول رغبة شركات النفط العالمية للعودة إلى اليمن في الوقت الحالي، حتى مع وجود أمن نسبي في شبوة. كانت شركة أو إم في (OMV) النمساوية، التي تشغّل حقلًا نفطيًّا في مديرية حبان بشبوة، هي أول شركة نفط دولية تستأنف عملياتها في البلاد عام 2018، ولكن حتى الآن لم يُشر أي من الشركاء في مشروع بلحاف وأبرزهم شركة توتال الفرنسية إلى أنهم جاهزون لذلك.

اتجهنا جنوبًا نحو بحر العرب، حيث مررنا قرب تقاطع يتفرع غربًا باتجاه عدن وشرقًا باتجاه المكلا، كانت هذه هي أبعد نقطة وصلت إليها قوات جماعة الحوثيين المسلحة في ​​شبوة عام 2015، قبل أن يجبرها التحالف العسكري بقيادة السعودية والإمارات على التراجع ويطردها من المحافظة عام 2018. ومن ثم توجهنا شرقًا عبر عزان التي سيطر عليها مسلحو القاعدة عامي 2011 و2012 ومرة ​​أخرى لفترة وجيزة عام 2016.


مهاجرون أفارقة وصلوا إلى اليمن على متن قوارب يسيرون باتجاه السعودية على الطريق بين عتق والساحل في محافظة شبوة في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.

زهرة أحمد، 23 عامًا، من إثيوبيا، تقف في الغرفة التي تستأجرها من مُهرِّب في مجمع يُستخدم لإيواء المهاجرين في عتق بشبوة، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. وصلت زهرة وشقيقها إلى اليمن قبل شهرين على متن قارب. مثل العديد من المهاجرين الآخرين في هذا الجزء من البلاد، تنتظر زهرة دخول السعودية، ولكن هذا صعب في الوقت الحالي بسبب الإجراءات المفروضة من قِبل الحوثيين والسعوديين منذ تفشي جائحة فيروس كورونا. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.


بدأنا نرى مساحات خضراء مع اقترابنا من الساحل، وأنهارًا صغيرة تروّي الحياة النباتية الخصبة. مرّت قافلتنا بعدة مجموعات من المهاجرين الأفارقة الذين يدفعون للمهربين لإحضارهم إلى الساحل اليمني على أمل عبور البلاد والوصول إلى السعودية. يبدو كل شيء في الساحل واضح المعالم بشكل مذهل. فعلى اليسار توجد كثبان رملية، حيث ترى الجِمال بين الفينة والأخرى، وإلى اليمين بحر العرب. أما باتجاه بلحاف، تبرز الصخور البركانية السوداء لتضيف المزيد من الجمال إلى هذا المنظر الخلاب.

كانت خطتنا هي زيارة منشأة بلحاف ولكن لم يتحقق هذا. وفي وقت لاحق، تبادل كل من الإمارات ومكتب المحافظ اللوم على عدم التنسيق فيما يتعلق بزيارتنا.

وبالتالي، توجهنا إلى خط طويل من الشواطئ في بير علي، وهو ميناء بحري قديم يحلم السكان المحليون الطموحون بتحويله إلى منتجع يومًا ما. سمعنا هناك عن خطط لتطوير الساحل، حيث يأمل مدير المشروع أن تستقبل تلك السواحل كلًا من السياح اليمنيين والزوار الأجانب. هي سواحل جميلة بحق، فما كان من البعض منا إلا أن يقفز لسباحة سريعة في المياه الزرقاء الزمردية.


علي مبخوت الحمامي، 12 عامًا، يحمل بندقيته أثناء تصويره مع والده وأقاربه خلال اجتماع أفراد من القبائل التسع الرئيسية في محافظة شبوة لتناول العشاء في الصحراء خارج عتق في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.


اليوم الخامس – الصحراء

غادرنا عتق قبل غروب الشمس بقليل متوجهين إلى الصحراء للقاء زعماء القبائل. ارتشفنا أكوابًا من الشاي الحلو، واستمعنا إليهم وهم يشرحون تاريخ قبائل شبوة وعاداتها، والدور الأساسي الذي تلعبه في مجتمع تُعد فيه الدولة المركزية ضعيفة. هذا ليس مجرد تاريخ فقط، فالقبائل هي من قلبت الطاولة على المجلس الانتقالي الجنوبي حيد تقدم في أغسطس/آب 2019 نحو شبوة؛ برفضها القتال فيما بينها، وبالتالي إجبار قواته على التراجع نحو عدن.

حان وقت العشاء. المزيد من لحم الضأن الشهي! وخلال تناولنا الطعام، شرحوا لنا أنه وفقًا لعادات بعض القبائل، يُعطى الضيف جزءًا معينًا من اللحم إلى المضيف الذي يأخذها بدوره إلى الشخص الذي طبخ الوجبة. وتسمى هذه العادة بالصائبة. يكمن التحدي هنا في معرفة الضيف أي جزء من اللحم يجب أن يقدمه إلى المضيف، إذ تختلف القطعة التي يتم تقديمها من قبيلة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى. من الأفضل للضيف أن يعرف أي قطعة يقدم، إذ عدم احترام هذه التقاليد يُعد خطأً جسيمًا في المجتمع القبلي. قد يغفرون للأجانب هفوتهم هنا إلا أن اليمني لن يُعفى أبدًا من واجب فهم واحترام هذه القواعد غير المحكية والمتناقضة أحيانًا. من ثم أحضروا لنا المعصوبة، نوع من أنواع الحلوى المكوّن من خبز طري اسفنجي مغطى بالعسل ومقدّم في وعاء صغير. غسلنا أيدينا على الطريقة القبلية، عبر فركها في الرمل وثم غسلها بالمياه المتدفقة من صنبور في مغسلة بالخلف.

ودعنا مضيفينا الكرام وصعدنا في السيارات التي سارت فوق الرمال تحت السماء المرصعة بالنجوم لتعود بنا إلى عتق.


نحال يبيع علب من أقراص العسل في سوق عتق بمحافظة شبوة في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. يتراوح سعر العلبة بين 20 دولارًا و40 دولارًا. يتراوح سعر العلبة سعة خمس لترات بين 100 دولار و400 دولار. هذا سوق بالجملة بشكل عام إذ زبائنه هم المصدّرون والمطاعم واليمنيون الأثرياء. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.


اليوم السادس – السوق

بدأ صباح الأحد بزيارة إلى سوق عتق. مررنا في طريقنا إلى هناك عبر بيوت الصفيح حيث يسكن المهمشون، وهي الفئة التي في أسفل الهرم الاجتماعي التقليدي في اليمن. عند الوصول إلى مدينة عتق القديمة، مررنا بالعديد من المباني التي تعود إلى الحقبة الاشتراكية في جنوب اليمن. إذا نظرت عن كثب، تستطيع رؤية مخطط لنجم أحمر على بعض الواجهات.

في السوق، كان العسل هو المنتج الرئيسي المعروض. يُعد العسل المحلي المنتج من النحل الذي يتغذى على رحيق أزهار شجرة السدر، أفضل الأنواع في العالم، والشبوانيون فعلًا محقون بفخرهم به. أخبرنا السكان المحليون أن العسل الشبواني هو الأفضل في اليمن ساخرين من تحديات الآخرين الذين يقولون أن العسل المنتج في مديرية وصاب بمحافظة ذمار (وسط اليمن) أو أي مكان آخر في اليمن، يفوقه جودة.

أوضح البائعون المحليون -بعد اعطائنا بعض العينات للتذوق- أن ما يقرب من نصف عسل شبوة يُصدّر إلى الخارج، ما يساعد المنتجين في الحصول على متوسط ​​يتراوح بين 40 ألف دولار و70 ألف دولار خلال موسم الحصاد الذي يمتد من ثلاثة إلى أربعة أشهر.


النحالون يجمعون قرص العسل من خلايا النحل خارج عتق بمحافظة شبوة، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. العسل اليمني ذو قيمة عالية ويمكن بيعه بحوالي 90 دولارًا للتر الواحد. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.


اليوم السابع – النحل

في صباح اليوم التالي، انطلقنا لرؤية النحالين وهم يعملون في مناحلهم. كان بعض الرجال يعملون على عدد من الأدراج المليئة بخلايا النحل، وكان يطير النحل حول رؤوسهم وهم يشعلون قطعًا صغيرة من الخيش لينبعث منها الدخان لتهدئة النحل أثناء أخذهم العسل.

قال لنا صاحب المنحل إنه دخل مجال النحل بعد استخدام مدخراته لشراء عدة خلايا نحل قبل بضع سنوات، وشرح لنا كيف يقوم بنقلها وكيف يأخذها إلى حيث تزدهر أفضل أشجار السدر. ينسّق النحالون فيما بينهم عبر الواتساب ويتبادلون النصائح ويقارنون ملاحظاتهم حول التوزيع الجغرافي المناسب للنحل لتحقيق أفضل عائد.

في طريق عودتنا إلى السيارة، أخبرنا سالم، وهو سائقنا والسكرتير الشخصي للمحافظ بن عديو، أن صاحب المنحل اُعتقل منذ فترة “واحتُجز لمدة ستة أشهر باعتباره من المتعاطفين مع القاعدة”. كانت هذه المعلومة الصادمة والمثيرة للسخرية محط تبادل النكات والامتنان على التغيير الذي حدث في حياته المهنية.


وحدة عسكرية ترافق وفدًا من الصحفيين الأجانب تنتظر في الصحراء قرب الطريق من عتق إلى وادي حضرموت، شمال محافظة شبوة، في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.


اليوم الثامن – الرحلة

تعقدت مغادرتنا اليمن بسبب إلغاء تذاكرنا الأولية قبل أسبوع. وبعد نقاش الأمر، قررنا أن نخرج من اليمن عبر الحدود البرية الشرقية للبلاد مع سلطنة عُمان، التي تبعد مسافة 20 ساعة في السيارة من عتق. قمنا جميعًا بفحوصات بي سي آر لفيروس كورونا -والحمدلله- جاءت جميع النتائج سلبية.

غادرنا عتق بصحبة قافلة من السيارات المدرعة حوالي الساعة 6 صباحًا. مضغت القات طوال الليلة السابقة، فنمت معظم الرحلة واستيقظت عندما بدأنا بالصعود من وادي حضرموت نحو طريق محاط بالوديان. وقبل ساعات من الوصول إلى الحدود بدأت بالنوم من جديد وصور الصحراء لا تفارق ذهني.

ريان بايلي هو محرر وباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية.


محطة وقود بالقرب من الحدود العمانية في حضرموت. 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. الصورة لمركز صنعاء. التقطها سام تارلينج.


ثلاثة أسابيع في قبضة الحوثيين

كيسي كومبز

في 15 مايو/أيار 2015، وجدت نفسي جالسًا بين ضابطين يمنيين في سيارة شرطة خلف مبنى إدارة البحث الجنائي في صنعاء. “ستكون حرًا في غضون ساعتين”. هذا ما قاله لي أحدهم وهو يحدّق بقلق في المبنى، حيث تدير وحدة مكافحة الإرهاب المدعومة من الولايات المتحدة سجنًا.

في وقت سابق من ذلك اليوم، دخلت مجموعة من المراهقين مسلحين ببنادق كلاشنكوف عليها ملصقات لشعارات جماعة الحوثيين المسلحة منزلي في حارة البونية (وسط المدينة)، فتشوا ممتلكاتي ثم سلموني إلى رجال أمن في قسم شرطة قريب. أراد مدير القسم ورجل آخر يرتدي زيًّا عسكريًّا أن يعرفا كل التفاصيل حول الوقت الذي أمضيته في اليمن، ولماذا لم أغادر البلاد حين اندلعت الحرب قبل بضعة أشهر.

شرحت لهما أنني صحفي مقيم في العاصمة منذ ثلاث سنوات ونصف، وحاولت المغادرة عدة مرات خلال الأسابيع التي تلت اندلاع الحرب. قبل ذلك بيوم، رفض مسؤول استخباراتي في مطار صنعاء الدولي السماح لي بالعبور عبر بوابة الصعود والمغادرة على متن طائرة الإجلاء التي نظمت رحلتها الأمم المتحدة، لأن جواز سفري لم يحتوي على الختم المطلوب.

كان موظف الجمارك الذي بوسعه معالجة الأمر قد غادر، فقال لي المسؤول الاستخباراتي: “عد غداً”.

شهدت صنعاء خلال الأسابيع الست -حينها- قصفًا جويًّا منتظمًا عقب شن عملية عاصفة الحزم، الحملة العسكرية التي قادتها السعودية بهدف إنهاء الانقلاب الذي أدى إلى استيلاء جماعة الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح على السلطة في العاصمة أواخر عام 2014.

سعت قوات الحوثيين وصالح إلى تعزيز سيطرتها على صنعاء، وشملت أساليبهم احتجاز أي شخص قد يشكل خطرًا محتملًا لحكمهم، أو بوسعهم استخدامه كورقة مساومة في النزاع.

لكن في حالتي أنا، كان الأمر يتعلق بمالك منزل غاضب سلمني إلى سلطات الأمر الواقع؛ تخلفت عن دفع الإيجار لشهر مايو/أيار بالكامل وكان ينقصني مئة دولار، فطلب مني حزم أغراضي وإخلاء المنزل. حين حضر حارس المالك -الدمث عادة- وحاول الدخول بالقوة، قاومته ودفعته إلى الوراء، استعاد توازنه ورفع يديه عاليًا كأنه يحمل بندقية موجهة نحو رأسي، وقال إنه سيحضر الحوثيين.

بعد أن أصبحت في قبضة رجال الأمن، ظلوا ينقلونني حسب أوامر سلسلة القيادة إلى أن انتهى بي الأمر في سجن شديد الحراسة خارج العاصمة، وخلال استجوابي، لم يأت أحد على ذكر المئة الدولار الناقصة من الإيجار.

****

بعد نحو 45 دقيقة في موقف السيارات خلف مبنى إدارة البحث الجنائي، خرج رجل ذو شعر أبيض وهيبة قيادية من المبنى، توجهت نحوه عربة بيضاء لامعة نوافذها مظللة، وأمر رجال الشرطة بإحضاري إليه. رأيت هذا النوع من المركبات من قبل في مجمعات الحوثيين عبر المدينة خلال الفترة الماضية، حاولت تجاهل الأمر وعدم التفكير بما يعنيه وصول هذه المركبة على أمل أن الالتباس سينتهي بغضون ساعات. لكنني وقعت بيد الحوثيين، وأدركت حينها أن قصتي ستأخذ منعطفًا نحو الأسوأ.

توجهت نحو الرجل ذو الشعر الأبيض الذي خاطبني بالإنجليزية قائلًا: “مرحبًا كايسي”، وطمأنني أنه لا داع للقلق، لكنه أضاف بنبرة توحي بالأسف أنه سيجري تكبيل يداي. أحضر جندي شالًا يمنيًّا تقليديًّا من المركبة البيضاء وعقدها، ثم كبل معصمي بها. لم أقاوم.

فتحوا باب المركبة الجرار وأشاروا لي بالصعود.

 قال الرجل ذو الشعر الأبيض من مقعده في الأمام: “علينا وضع هذا على عينيك”، بينما أسدل الجندي شالًا على وجهي مُحكِمًا ربطه أعلى رأسي، وأضاف سائلًا بنبرة حازمة ولكن متعاطفة، ما إذا كان الشال مشدودًا جدًا. أجبته قائلًا: “لا بأس”، مندهشًا بأسلوبه اللطيف نوعًا ما.

حين حاولت السؤال عن وجهتنا، قاطعني وصرخ: “لقد فعلت شيئًا فظيعًا! أنت كذاب! أخرس واخفض رأسك!” ومد يده لدفع رأسي بين ركبتاي.

ثبّت رأسي أرضًا خلف مقعد السائق، وأقلعت المركبة من الموقف الموحل نحو شارع مزدحم. كنت أشعر بقدمي تغرقان في المقعد الخلفي بينما أسرعت المركبة. امتزج صوت المحرك بأبواق السيارات وحديث خافت باللغة العربية في المقعد الأمامي. كانت المركبة تهتز طيلة الوقت كون السائق يقود بسرعة ثم يتوقف فجأة. داس السائق على دواسة الوقود لتنزلق المركبة نحو منعطف، وشعرت بقطعة معدنية حادة تغرز رجلي الشمال. ثم أسرع مجددًا وشق طريقه عبر الزحام. شد الجندي الذي كان على يميني الرباط حول معصمي، ما قطع تدفق الدم عبر شراييني.

بعد حوالي نصف ساعة على ما أعتقد، وصلنا إلى قاعدة سرية لجهاز الأمن القومي في الجزء الشمالي الغربي لصنعاء، حيث يتدرب ضباط المخابرات إلى جانب القوات شبه العسكرية من وحدة مكافحة الإرهاب. كان السجن يُستخدم لاحتجاز واستجواب “العناصر الإرهابية”، حسبما قال لي علي الأحمدي، رئيس جهاز الأمن القومي السابق، مؤخرًا. وقال إن الولايات المتحدة ساعدت في بناء منشأتين جدد لوحدة مكافحة الإرهاب في القاعدة، لكنها لم تشارك في بناء السجن وليس لها أي دور في إدارته. غالبًا ما سخر حراس السجن من الأمر، مذكرين السجناء الأمريكيين بأنهم محتجزين في منشأة شيدتها دولتهم لاحتجاز المشتبه بانتمائهم إلى القاعدة.

عندما وصلت إلى السجن في منتصف 2015، كان أغلبية السجناء أفرادًا يُشتبه أنهم أعضاء في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. ومع مرور الوقت خلال فترة التحالف بين الحوثيين وصالح، أصبح السجن يضم صحفيين أمريكيين وأوروبيين ويمنيين ومواطنين أجانب، بينهم أمريكيين اُعتقلوا في صنعاء، وأعضاء من الأقلية الدينية البهائية وناشطين سياسيين، من بينهم الدكتور عبدالقادر الجنيد.

اقتادني الرجل ذو الشعر الأبيض والجندي إلى السجن، وتأكدوا من أنني لن أتعثر عند صعود الدرج إلى الباب الأمامي، وبعد أن أفرغوا جيوبي من محتوياتها وأخذوا حذائي وحزامي وسترتي، فك اثنان من حراس السجن القماش عن معصمي واستبدلاه بأصفاد معدنية. فتحوا بوابة كبيرة واقتادوني حافي القدمين في رواق مظلم تصطف فيه الزنزانات على جانب واحد.

عندما وصلنا إلى نهاية الممر تقريبًا، أزالوا الشال عن عيناي وفتحوا بابًا حديديًّا لأحد الزنزانات حيث حدّق بي ثلاثة يمنيين، شاب واهن من صنعاء، ورجل ممتلئ الجسم من أبين، وشاب عشريني العمر عريض المنكبين ومفعم الحيوية من عدن.

كانت مساحة زنزانتنا نحو 6×15 قدمًا، ويسد جدار خرساني بارتفاع الخصر -جزئيًّا- مرحاض القرفصاء. لم يكن هناك أي نوافذ، باستثناء فتحة صغيرة فوق الحمام قرب السقف يدخل منها الهواء النقي والصوت وتتسلل منها أشعة الشمس. وكلما انفجرت قذيفة كنا نسمع صوت فرقعة خافت نتيجة تغير ضغط الهواء. أخبرني سجناء سابقون -لاحقًا- أنهم كانوا يفقدون سمعهم مؤقتًا عند سقوط القذائف قرب السجن نتيجة الضغط الناتج عن الانفجار.

كان ما يشغل بالي فعلًا وأنا محبوس في تلك الزنزانة الخرسانية هو إقناع الحراس بإحضار الدواء الذي أتناوله بموجب وصفة طبية يوميًّا للإحباط والقلق، فعدم أخذ الجرعة الاعتيادية منه مؤلم للغاية. حدث لي ذلك أكثر من مرة في صنعاء عندما تأخر وصول الدواء من الولايات المتحدة، ولم يكن الدواء الباهظ الثمن متوفرًا في أي صيدلية محلية. كانت أطول مدة لم أخذ فيها الدواء هي يومين فقط؛ شعرت خلالهما بالعجز عن الحركة؛ وانتابتني عوارض شبيهة بأعراض الأنفلونزا فضلًا عن حساسية تجاه الصوت والضوء وأي شكل من أشكال الحركة حولي.

أخبرت الحراس أن بوسعهم إيجاد علبة الدواء في حقيبة السفر بمنزلي. بعدها بساعات، أتى أحد الحراس وبحوزته حبتين تشبهان حبوب التايلينول. كتبت اسم الدواء على ورقة وقلت له -بمساعدة رفيقي العدني في الزنزانة الذي يتكلم الانجليزية- إنني سأمرض جدًا من دونه. ولكن بدا وكأنه لم يعر أحد اهتمامًا بالأمر. تجاهل الحراس مطالبي المتكررة لإحضار الدواء وسرعان ما تبيّن أنه لم ينوي أحد جلبه. تلك الليلة، نمنا على أصداء صراخ سجين يلقبونه -لسبب أو لآخر- بكاسبر. قال لي السجين العدني الذي يشاركني الزنزانة إن كاسبر فقد عقله. بعدها بسنوات، قال لي سجين سابق إن كاسبر، المشتبه انتمائه إلى القاعدة، كان يعتقد أنه ممسوس من الجن.

في وقت مبكر من صباح اليوم التالي، استيقظنا في حالة ذعر على رفيقنا الأبيني، إذ كان متصلّب ومرتعش الجسد بالكامل. كان يحاول أن يجلس وهو يئن من الألم، صرخ العدني للحارس وطرق على الباب الفولاذي إلى أن أتى أبو حمزة، محقق كبير البطن وحجم رأسه أكبر من الطبيعي.

ثم دخل رجل آخر، ووخز الأبيني بإبرة في ذراعه موصولة بكيس مصل يحتوي على سائل شفاف وغادر، وفي غضون دقائق، انتفخت يده -حيث حقن بالإبرة- وأصبحت بحجم ثمرة الجريب فروت، ما دب فينا الذعر وصرخنا لنجدته. عاد الرجل نفسه، وكان عابسًا؛ إذ من الواضح أنه منزعج من الأمر. أزال الحقنة من يد الأبيني وعندما وجد وريدًا، غرزها مجددًا وناول كيس المصل للأبيني، وغادر.

وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، وأنا أحاول الاعتياد على روتين رفاقي في الزنزانة، فتح أبو حمزة الباب بقوة وأشار إلي. كان يرتدي قناع وجه أسود، ما أبرز حجم رأسه أكثر. قفزت بحماس ممزوج بالقلق معتقدًا أنهم سيخلون سبيلي. ولكن أبو حمزة وحارس يحمل كلاشينكوف اقتاداني إلى زنزانة انفرادية لا تحوي أي فتحة تهوية. كانت منعزلة تمامًا عن العالم الخارجي، شعرت وكأن الغرفة تحت الأرض أو شبيهة بالقبر، مساحة ضيقة في أعماق الأرض حيث لن يجدني أحد على الإطلاق.

بدأت في هذه الأثناء أشعر بتأثير عدم تناول الجرعة الصباحية من دوائي. انتابني صداع نصفي وألم عضلات في جميع أنحاء جسمي، وشعرت بإحساسٍ مروّع كلما حركت عيناي، وذلك أحد الأعراض الشائعة للانسحاب من تناول مضادات الاكتئاب. حاولت أقاوم ذلك الشعور بالهلاك الوشيك الذي انتابني نتيجة انخفاض مستوى السيروتونين في الدماغ، فرحت أمشي ذهابًا وإيابًا وقمت ببعض تمارين الضغط. ولكن حماسي تلاشى عندما اجتاح الظلام الزنزانة وأُطفئت الأنوار. سواد حالك. قابعًا هناك وحيدًا خائفًا من التفكير في المصير الذي قد أواجهه. كلما حاولت النوم أستيقظ مذعورًا؛ عند إضاءة الأنوار التي كانت تومض كلما غفت عيناي، أو سماع الصرير الدائم والناتج عن إغلاق وفتح البوابة الحديدية خارج زنزانتي.

كانوا يحضرون الطعام، الخبز والحبوب المطبوخة، مرتين في اليوم، وخلال ذلك، كان حراس السجن يكبّلون معصمي وكاحلي ويقتادوني إلى غرف الاستجواب ويعيدوني إلى الزنزانة. خلال الاستجواب، كان أبو قيس، وهو موظف في جهاز الأمن القومي منذ فترة طويلة وأحد الموالين لعلي عبدالله صالح، يأمرني بالاعتراف بأني عميل في وكالة المخابرات المركزية أو أساعد السعودية على قصف صنعاء، وأحيانًا كان يطلب مني الاعتراف بكل ذلك في آنٍ واحد.

لا أدري إلى أي مدى استمر هذا، إذ فقدت إحساسي بالوقت بعد أن أمسيت حبيس تلك الزنزانة التي لا يتسلل إليها ضوء الشمس، وتوقفت فجأة عن تناول دوائي. انجرفت أفكاري وتبعثرت.

****

لا أذكر ما الذي حدث خلال الأيام القليلة التي تلت كل هذا… وكأنها مُحيت من ذاكرتي. أذكر بعض التفاصيل… مشاهد مجزأة… بعد ذلك بسنوات، أطلعني السجناء الآخرون على بعض التفاصيل الأخرى. في بعض الأحيان، يبدو وكأن قطع الأحجية تتساقط وتتكامل، وفي أحيان أخرى تتبعثر، ولكن مما لا شك فيه أن جسدي يذكر ما نسيه عقلي.

أعادوني إلى الزنزانة الأولى في فترة ما. وفي أحد الأيام، كنت ورفاقي الثلاثة نجلس في دائرة على الأرض ونأكل الأرز حين حضر أبو شامخ، حارس حوثي ذو منصب رفيع يهوى إهانة الناس وتأليب السجناء ضد بعضهم البعض، وهذا ما أتى لفعله بالضبط، إذ ألقى بهراوات خشبية عبر فتحة الباب وأمر الآخرين بضربي. هذا ما قِيل لي، لكني لا أتذكر شيئًا من هذا.

بعدها نقلوني مجددًا إلى الزنزانة الانفرادية حيث أجبرني حارس على الوقوف والجلوس تكرارًا لمدة عشر دقائق. كان هذا أحد أشكال العقاب الشائعة التي قد تستمر لساعات، ولكنني عجزت عن إطاعة أوامره. أذكر جيدًا جلوسي ووقوفي ولكني لا أذكر إحساسي بأي ألم. ولسبب ما، لم أستطع من الوقوف باستقامة بعد جلوسي على الأرض. اجتاحني الارتباك وحاولت الوقوف مستقيمًا لكن ظهري خذلني.

كل ما أذكره بعد ذلك هو صوت أبو حمزة صارخًا عبر أحد فتحات باب الزنزانة؛ يسألني ما الخطب. كنت ممددًا على الأرض، في ألم لا يُحتمل، عاجزًا عن الحركة، وكلما حاولت أن أتحرك كانت العضلة تحت القفص الصدري تتقلص. ظل يصرخ وأنا أعاني محاولًا أن أفهم ما يحدث. وبعدها اختفى، وفقدت قدرتي على التركيز.

نجحت في الزحف على البلاط القذر نحو المرحاض في الزاوية، حيث كان بوسعي أن أنتظر ما قد يحل بي. قال السجناء في الزنزانات المجاورة إنهم سمعوني أصدر أنينًا وأصرخ على الأقل خلال ليلتين متتاليتين على الأقل قبل أن يأخذني الحراس إلى المستشفى، حسبما يُعتقد. لعلني كنت أصرخ فعلًا بهذا الشكل، ولكنني لا أذكر شيئًا. في اليوم التالي أو الذي يليه، أعادوني إلى زنزانتي الانفرادية، قِيل لي إنني لم أتوقف عن الأنين والصراخ من شدة الألم، ولكن ذاكرتي تخونني. في مرحلة ما، في اليوم التالي أو الذي بعده، اقتادني الحراس خارج السجن، يتذكر أحد السجناء أنه كان برفقتي في مركبة تقلنا إلى المستشفى، كنت مربوطًا على نقالة بلاستيكية، ومكبّل الأطراف.

استيقظت داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفى السعودي الألماني في صنعاء. كان هناك طبيبًا يمنيًّا كبير السن يقف قرب النقالة التي أحضروني عليها، وقال لي إنهم كانوا يجرون لي مسحًا بالرنين المغناطيسي للكشف عن إصابات. لا أذكر صوت الرنين الصاخب الذي يصدره الجهاز ولكنني أتذكر الطبيب. ثم غبت عن الوعي.

استعدت وعيي في غرفة بالمستشفى وكنت ما أزال مقيّدًا على النقالة. وفي الزاوية، جلس أربعة رجال حوثيين يحملون كلاشنكوف. حدّق ثلاثة منهم بي، وكانوا يبدون وكأنهم في المرحلة الثانوية من سن التعليم. حاولت تجنب التقاء العيون خوفًا من أن يعتقدوا أن نظرات الألم في عيناي نظرات عداء. بدا وكأن واحدًا منهم فقط، وهو الأكبر سنًا -لعله في أوائل العشرينيات من عمره- متعاطفًا معي، إذ نبّه الطاقم الطبي عندما لاحظ أن وجعي لا يُحتمل، فأتت ممرضة وحقنت مسكن للألم في المصل، ما أراحني لبرهة قبل أن أفقد وعيي مجددًا.

دخل الطبيب الذي كان في الغرفة حيث خضعت لتصوير الرنين المغناطيسي إلى غرفتي عدة مرات بصحبة طبيب آخر مشلول، وناشد الحراس تسفيري خارج اليمن لإجراء عملية جراحية طارئة لا يمكن إجرائها في اليمن، وصرخ: “إذ لم يجرِ العملية سيموت أو يصبح مشلولًا مثله”، مشيرًا إلى الطبيب على الكرسي المتحرك.

أظهرت مسوحات التصوير بالرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية التي أُجريت في 27 و28 مايو/أيار، كسورًا وإصابات خطيرة في وسط الجزء السفلي من ظهري، حيث تتصل الفقرة الصدرية والقطنية من العمود الفقري، وكانت شظايا العظام من الفقرات المكسورة تشكل خطرًا على الحبل الشوكي لقربها الشديد منه.

وفي 1 يونيو/حزيران، أخذني الحراس إلى المطار حيث كانت تنتظرني طائرة لتسفيري إلى مسقط، عاصمة عُمان، وكان بصحبتنا الطبيب الذي وبّخ الحراس وناشدهم إطلاق سراحي. عند نقلي إلى الطائرة على الحمالة، وقف الطبيب ونظر إليّ بنظرة ملؤها التعاطف وقال وهو ممسكًا بيدي: “ليس كل اليمنيين سيئين، مستر كايسي”.

****

بعد قضائي أسبوع في مسقط، نُقلت إلى سياتل في واشنطن حيث خضعت لعملية جراحية استمرت لتسع ساعات واستبدل الجراحون الفقرة القطنية L1 بقفص دمج فقرات العمود الفقري حيث دمجوا 11 فقرة. حينها، لم يكن لدي أي فكرة كيف حدثت هذه الإصابات. تكهن الجراحون أنها قد تكون ناتجة عن تعرضي لحادث سيارة عالية السرعة أو أنني وقعت من علو مرتفع عن الأرض. أحد النظريات الأخرى هي أن السجن حيث كنت معتقلًا استُهدف بغارة جوية ولكن الجراحون استبعدوها لأنه لم يكن هناك أي عظام أخرى مكسورة أو خدوش أو إصابات توحي بذلك.

خلال السنوات التي تلت إطلاق سراحي، جمعت ببطء تفاصيل الفترة التي قضيتها في السجن بفضل ما أطلعني عليه السجناء السابقون: الضرب الذي تعرضت له على أيدي رفاقي في الزنزانة، الليالي التي أمضيتها في الزنزانة الانفرادية، وكيف انتهى بي الأمر في المستشفى. وبناء على هذه الروايات، أفضل تخمين هو أن الكسور في عمودي الفقري ناتجة عن الضرب -ربما وقعت وارتطم ظهري بالحائط الخرساني في زاوية الزنزانة أو ربما بكل بساطة تلقيت ضربًا بالعصي الخشبية- ثم تضررت أكثر خلال التمارين التي أجبرني الحارس على القيام بها.

احتجت سنوات لأتعافى. تركزت الأشهر الستة الأولى بعد الجراحة على بناء قوة العضلات لأعاود المشي مجددًا، وأتعلم كيف أصعد وأنزل من مقعد الراكب في السيارة. لاحقًا، تعلمت كيف استقل الباص وأنزل من على متنه دون الوقوع. ساعدت المسكنّات القوية والفاليوم على تخفيف الألم الذي شعرت به خلال هذه الفترة، ولكنها خدرت مشاعري أيضًا كلما استعرضت ما حدث لي خلال آخر ثلاثة أسابيع قضيتها في اليمن أو حاولت تذكر كيف تكشفت هذه الأحداث المصيرية.

ومنذ إخلاء سبيلي، سمعت الكثير من القصص عن بعض الأشخاص الذين كانوا محتجزين في السجن نفسه. شملت أساليب التعذيب التي تعرضوا لها الصعق بالصدمات الكهربائية والخنق والضرب المبرح والركل والضرب بالهراوات الخشبية والتعريض لعمليات الإعدام الوهمي. كما ربط الحراس السجناء من أطرافهم في وضعيات مؤلمة لساعات، وأجبروهم على الجلوس في أحواض الماء البارد خلال فصل الشتاء، وهددوهم بأن يخبروا سجناء تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بأن السجناء الذين يشاركونهم الزنزانة ساعدوا الطائرات المسيّرة الأمريكية على استهداف التنظيم.

كما عانى معظم السجناء من المرض في أوقات عديدة: الجرب الناجم عن العث، ونوبات الهلع، والالتهاب الرئوي، واضطراب ما بعد الصدمة، وأمراض القلب، وارتجاج المخ، وغيرها من الإصابات الناتجة عن التعذيب.

جمال المعمري، زعيم قبلي من مأرب، شُل من الخصر نتيجة ضرب المحققين الحوثيين الذين اختطفوه في مارس/آذار 2015. أمضى المعمري ثلاث سنوات في سجون مختلفة، بما فيها السجن حيث احتُجزت، قبل أن يُطلق سراحه. انتحر العديد من السجناء، ومن نجا من الانتحار، عُوقب.

بعد خمسة أشهر من إطلاق سراحي، توفي سجين أمريكي في الزنزانة الانفرادية حيث احتُجزت، استنتج التقرير النهائي لتشريح الجثة أنه توفي اختناقًا، كما أشارت الدعوى القضائية التي رفعتها عائلة السجين إلى أنه خُنق حتى الموت.

ابتعدت عن كل ما يتعلق باليمن لسنوات. احتجت وقتًا لأستعيد عافيتي واستوعب ما حدث وأتعلم كيف أتعايش معه. عام 2019، عدت تدريجيًّا لأكتب عن اليمن. ما حصل معي ليس استثناء، ليس بالنسبة لأولئك الذين سجنهم الحوثيون. في الواقع، هانت تجربتي مقارنة بما يتعرض له السجناء اليمنيون في قبضة الحوثيين، إذ ساعدتني جنسيتي على مغادرة البلاد حين احتجت الرحيل وتلقيت العلاج الطبي الجسدي والنفسي وحصلت على الدواء اللازم لأتعافى من الضرر النفسي. أما الكثير من اليمنيين الذين يخرجون من السجون فليس بوسعهم مغادرة البلاد أو تلقي المساعدة الطبية أو حتى الحديث عمّا حدث لهم خوفًا من أن يُلقى بهم أو بأفراد عائلتهم في السجن. ولكنني أستطيع الكلام، فها أنا ذا أتكلم. قصتي هي واحدة فقط من قصص كثيرة لم تروى، ولكنها ليست تجربة فردية.

كيسي كومبز هو صحفي مستقل يركز على اليمن وباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. يغرد على [email protected]


 

مساحة نقاش

بايدن يتسلم سدة الرئاسة: التوقعات، ونصائح للإدارة الأمريكية الجديدة

بعد يومين من الغارات الجوية التي شنها التحالف بقيادة السعودية على مركز احتجاز يديره الحوثيون في ذمار، أسفرت عن مقتل أكثر من 120 سجينًا، يسأل رجلان جنديًا عن قريبهم المفقود الذي كان محتجزًا في المنشأة. 3 سبتمبر/أيلول 2019. الصورة لمركز صنعاء. التقطها صقر أبو حسن.


أعرب الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن بوضوح أن إدارته ستنهي دعمها للحرب التي تقودها السعودية في اليمن، ولكن ليس واضحًا بعد كيف ستبدو السياسة الأمريكية تجاه اليمن في ظل إدارة بايدن.

لطالما كانت سياسة واشنطن تجاه اليمن مدفوعة بمصالح مكافحة الإرهاب ومصالح إقليمية أوسع، وظلت على ما هي عليه دون أي تغيير جوهري خلال عهد إدارات الرؤساء الثلاثة جورج دبليو بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب. وفي بعض الأحيان، كثفت الولايات المتحدة ضربات الطائرات المسيّرة أو خففت من حدة العمليات البرية العسكرية المباشرة، ولكنها تركت الشؤون الداخلية اليمنية -السياسية والاقتصادية والأمنية- باستمرار للسعودية. وفيما يتعلق بحرب اليمن، دعمت واشنطن السعودية بثبات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ووفرت الأسلحة والدعم اللوجستي لمواصلة القتال ضد جماعة الحوثيين المسلحة.

ولكن خلال النصف الثاني من فترة إدارة ترامب، بدأ دعم الولايات المتحدة في الكونغرس حول استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه يتذبذب إلى حد كبير. صُدم المشرعون بتعذيب وقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، المقيم الدائم في الولايات المتحدة والمعروف في واشنطن، في أكتوبر/تشرين الأول 2018 داخل القنصلية السعودية في اسطنبول. كما ازدادت المعارضة على مبيعات الأسلحة في الوقت الذي تنامت فيه المخاوف بشأن دور السعودية في حرب اليمن. استمر ترامب بدعم القيادة السعودية بلا هوادة ولكن بدأ بعض المنافسين من الحزب الديمقراطي بطرح أسئلة حول العلاقة مع السعودية وأولويات الولايات المتحدة في الخليج وتأثير القرارات الأمريكية على اليمن.

سيستلم أحدهم، بايدن، سدة الرئاسة في يناير/كانون الثاني. تعهّد بايدن بإحداث تغيير في هذه السياسات ولكنه لم يوضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتراجع ببساطة عن القتال أو ستستثمر رأس مال دبلوماسي في اليمن. في هذا المنشور، يناقش أربعة خبراء السياسة التي يجب أن تتبناها إدارة بايدن في اليمن.

هذه المادة جزء من سلسلة إصدارات لمركز صنعاء تناقش أدوار الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين الأجانب في اليمن.


 

التحدي الثلاثي أمام بايدن في اليمن 

ستايسي فيلبريك ياداف

عندما يتعلق الأمر باليمن – كما هو الحال بأمور شتى – ستواجه إدارة بايدن ثلاثة تحديات متداخلة، فالإدارة القادمة ستُكلّف بعكس السياسات الضارة التي تبنتها إدارة ترامب، وإعادة التعامل مع المؤسسات والشركاء متعددي الأطراف، وإعادة تصور علاقتها بالصراع في اليمن. سيتطلب هذا إنهاء السياسات التي انتهجتها إدارة ترامب وكذلك إنهاء -على الأقل- بعض السياسات التي انتهجتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما.

خلال السنوات الأربع الماضية، أبدى ترامب التزامًا فاترًا -اقتصر على التصاريح إلى حد كبير – بالجهود المتعددة الأطراف لبناء السلام في اليمن، مضعفًا بذلك هذه الجهود عبر استمرار التعاون العسكري مع التحالف بقيادة السعودية. ويجوز أننا لم نر بعد أكثر سياساته ضررًا، فمنذ خسارته الانتخابات، أثار قرار إدارة ترامب دعم البيع المقترح لمعدات عسكرية بقيمة 23 مليار دولار إلى الإمارات مخاوف بقلب موازين القوى داخل التحالف نفسه بطريقة قد تعقّد التصعيد المحموم في الجنوب بلا داع.

كما بدأت الإدارة الأمريكية بالنظر في تصنيف جماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية، ما يشير إلى أن إدارة ترامب تبتعد عن الدبلوماسية وتسعى نحو حل عسكري للنزاع الذي تتفق معظم الأطراف اليمنية على إنهائه عبر المفاوضات.

كما قللت إدارة ترامب من أهمية الدبلوماسية، وأوقفت دعمها للمشاريع الإنسانية الرئيسية في اليمن؛ تاركة بذلك الملايين عرضة للخطر. ليست الولايات المتحدة وحدها من يقف وراء انخفاض نسبة التزام المانحين، ولكن معارضة إدارة ترامب لمختلف أشكال محاسبة الأطراف التي تستهدف المدنيين تشجّع على تقليص برامج الإغاثة الأساسية في البلد الذي يشهد أسوأ أزمة إنسانية في المنطقة.

دعا فريق الخبراء البارزين المعني باليمن مجلس الأمن خلال الأشهر الماضية إلى إحالة الأطراف المنخرطة في الحرب للمحكمة الجنائية الدولية على أساس ما وثقه من استهداف للبنية التحتية وإعاقة وصول المعونات. ولكن الولايات المتحدة لم تدعم هذه الجهود لمحاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات، بل وذهبت أبعد من ذلك إذ جرمت المحكمة الجنائية الدولية نفسها عبر فرض عقوبات على كبار موظفيها.

لن يقتصر عمل الرئيس المنتخب بايدن على إصلاح أو عكس الضرر إذ لديه -أيضًا- فرصة فريدة ليبدأ بإعادة تصوّر أوسع للسياسة الأمريكية في وتجاه اليمن، ومن المخيّب للآمال أن دعوات الكونغرس لإخضاع السياسة الخارجية تجاه الخليج للمساءلة أتت متأخرة، ولم تأت إلا حين قُتل مواطن سعودي واحد -جمال خاشقجي- ولكن بايدن سيصيغ السياسات مع كونغرس مختلف كليًّا عن الذي عمل معه حين كان نائب أوباما.

ساهم ضغط الكونغرس على التحالف الأمريكي السعودي في كسر الجمود الدبلوماسي الحاد في ستوكهولم عام 2018، ومن الواضح أن تحديات الحزبان -الجمهوري والديمقراطي- لمبيعات الأسلحة لحلفاء واشنطن الخليجيين ستستمر حتى ضمن هذا السياق المنقسم بعد الانتخابات. وحان الوقت الآن لاستخدام وعي الكونغرس بتكاليف الحرب (وتورط الولايات المتحدة فيها) للضغط من أجل إعادة التفاوض على إطار العمل الدبلوماسي. وفي حال عدم استخدام الرئيس الأمريكي لحق النقض الرئاسي، قد يكون من الممكن للسلطات التنفيذية والتشريعية العمل بما يتجاوز النهج الضيق لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2216.

ومع أن الإدارة المنتهية ولايتها تعمل على عرقلة فريق بايدن بطرق غير مسبوقة، فإن التحديات الثلاث الموضحة هنا تتعلق بطريقة التفكير بقدر ما تتعلق بالتخطيط، وهي تستلزم على الولايات المتحدة إعادة التفكير بنهجها تجاه اليمن قبل أي شيء آخر، وهذا تحدي من الممكن للفريق الجديد -بل وعليه- الشروع في مواجهته.

 ستايسي فيلبريك ياداف هي أستاذة مساعدة في العلوم السياسيّة في كليات هوبارت وويليام سميث، وزميلة غير مقيمة في مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط في جامعة براندايس. وتشغل حاليًّا منصب عضو في المجلس الاستشاري في مركز البحوث التطبيقية بالشراكة مع الشرق (CARPO) حيث ساهمت في عمل حول بناء السلام في اليمن. تغرد على تويتر philbrickyadav@.


 

لخَلْق النفوذ وتطبيقه على جميع الأطراف 

براء شيبان

مع دخول النزاع في اليمن عامه السابع، حان الوقت للولايات المتحدة الأمريكية وإدارة بايدن تبنّي نهج مختلف، وبالرغم من حقيقة وجود صراع بالوكالة، فمن الضروري مقاربة النزاع من منظور يمني.

أولًا، على الولايات المتحدة خلق نفوذ لحث الأطراف المختلفة على الجلوس على طاولة المفاوضات. لم ينتج مؤتمر الحوار الوطني الذي عُقد بعد انتفاضة الربيع العربي ولا الجولات الأربع للمحادثات التي عُقدت برعاية الأمم المتحدة أي نتائج ملموسة؛ يعود هذا بشكل أساسي إلى فشل المجتمع الدولي في خلق نفوذ على الحوثيين بطريقة تجبرهم على الجلوس على طاولة المفاوضات. بوسع إدارة بايدن، على سبيل المثال، ربط أي مشاركة أمريكية بخطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني) باستخدام إيران نفوذها لدفع الحوثيين على تقديم تنازلات. وبالمقابل، على الولايات المتحدة استخدام نفوذها لفعل الأمر نفسه مع السعوديين والحكومة اليمنية.

ثانيًا، تحالفات مكافحة الإرهاب تعرقل مؤسسات الدولة. على إدارة بايدن إعطاء الأولوية لكبح جماح الإمارات، وربط أي شراكة مستمرة معها بإنهاء الأخيرة لدعمها للميليشيات ومرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في جنوب اليمن، فعمليات مكافحة الإرهاب المزعومة التي تشنها الإمارات في اليمن قوّضت بشكل مباشر قدرة الحكومة اليمنية على بناء هياكل دولة محلية وقوية، كما أضعف دعم الإمارات للميليشيات الأمن عبر الجنوب وأدى إلى احتجاز واغتيال الأشخاص الذين يعارضونها، وبالتالي إلى تآكل الجهود المبذولة من أجل إعادة توحيد اليمن.

ثالثًا، هجمات الطائرات دون طيار لا تساعد اليمن. على إدارة بايدن إنهاء تلك العمليات في اليمن فورًا، وإلغاء الخطط التي أُعلن عنها في نوفمبر/تشرين الثاني حول بيع الامارات طائرات مسيّرة من طراز MQ-9B غير مسلحة لكنها جاهزة للأسلحة. وغالبًا ما تكون المعلومات الاستخباراتية التي تستند إليها ضربات الطائرات المسيّرة معيبة، فضلًا عن أن غياب المساءلة يساعد جماعات مثل القاعدة في جزيرة العرب والدولة الإسلامية على تجنيد المقاتلين وبث بذور الخلاف.

وأخيرًا، يجب على إدارة بايدن إعادة تأكيد دعمها لحكومة الرئيس عبدربه منصور هادي مع ربط هذا الدعم بمعايير معينة، تضمن أن الأخيرة شفافة وتُحاسب على أفعالها. على الولايات المتحدة أن لا تتردد في فرض عقوبات على المسؤولين الفاسدين الذين يستفيدون من الصراع الجاري، كما يجب أن تحذو هذا النهج تجاه شركاء الحكومة اليمنية، مثل السعودية والإمارات.

براء شيبان هو المسؤول عن ملف الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة ريبريف الحقوقية حيث يجري تحقيق ميداني حول برنامج الطائرات المسيّرة الأمريكي. وهو مستشار سابق للسفارة اليمنية في لندن وشارك في مؤتمر الحوار الوطني اليمني ممثلًا الشباب. يغرد على BShtwtr@.


 

خطوة نحو استراتيجية 

غريغوري دي جونسون

صرّح الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن بوضوح أن إدارته ستنهي دعم الولايات المتحدة لحرب السعودية في اليمن. هذه خطوة ضرورية وحكيمة ولكن يجب أخذها كجزء من استراتيجية أوسع لإنهاء الحرب في اليمن، والعمل بأناة لتجنّب التقسيم الفعلي للبلاد.

من دون تبنّي سياسة أوسع؛ لن ينجز إنهاء الدعم الأمريكي الكثير، لكنه سيؤدي إلى تصدّع العلاقات الأمريكية السعودية التي هي بحاجة إلى إصلاح، كما يضفي الطابع المؤسسي على انقلاب جماعة الحوثيين المسلّحة في صنعاء، وفي نهاية المطاف، يقسّم دولة اليمن إلى أجزاء. هذا السيناريو المتمثل بتقسيم البلاد إلى أجزاء سيكون له عواقب وخيمة وبعيدة المدى على الأمن القومي الأمريكي.

عند استلامها زمام الأمور في البيت الأبيض، على إدارة بايدن إبلاغ السعودية ثلاثة أمور: ضرورة إنهاء الحرب في اليمن، وإيقاف الدعم الأمريكي للسعودية، ومساعدة واشنطن الرياض في التوصل إلى خطة سلام قابلة للتنفيذ. احتاجت السعودية إلى موافقة الولايات المتحدة لبدء هذه الحرب وبالتالي ستحتاج إلى مساعدتها لإنهائها.

كان لدى المبعوثين الخاصين للأمم المتحدة حوالي ست سنوات للتوصل إلى اتفاق شامل في اليمن، ولكنهم عجزوا عن ذلك ليس لأنهم ليسوا دبلوماسيين ماهرين، ولكن الأمم المتحدة تفتقر إلى النفوذ اللازم لإجبار الأطراف المختلفة على الجلوس على طاولة المفاوضات ثم الإصرار على تنفيذ ما يُتفق عليه. تمتلك الولايات المتحدة هذا النفوذ، على الأقل مع السعوديين.

كما يجب على الولايات المتحدة، كجزء من جهودها الدبلوماسية، التوسط في محادثات بين الأطراف الثلاثة، الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا والحوثيين والسعودية، والإصرار على السلامة الإقليمية لليمن ووحدة أراضيه.

على الحوثيين أن يفهموا أنهم يتفاوضون بهدف أن يكونوا جزءًا من الدولة وليسوا الدولة، وعلى السعودية أن تستوعب بأن الحوثيين سيكون لهم دورًا في مستقبل اليمن، كما على الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي أن يعي أن إعادة سيناريو محادثات الكويت عام 2016 لن يكون مقبولًا، وإما يكون هو جزءًا من الحل أو من المشكلة.

لقد أخفقت الولايات المتحدة مرتين في اليمن، فخلال إدارة أوباما، استعانت واشنطن بمصادر خارجية لعملية الانتقال الديمقراطي المفترضة في اليمن، وأوكلت المهمة إلى السعودية ومجلس التعاون الخليجي، وبعد بضع سنوات، عندما فشلت عملية الانتقال – كما كان متوقعًا – ضاعفت واشنطن من الخطأ عبر دعم السعودية في حرب حمقاء لا يمكن الفوز بها، ولم تحقق الكثير سوى تقريب الحوثيين أكثر من إيران.

ليس هناك أي وقت لإضاعته، فتصرفات الحوثيين تحاكي ممارسات الدولة، فهم – على سبيل المثال – يعيّنون ويستقبلون السفراء. كما يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الانفصال. وعدة جيوب في البلاد أصبحت تتمتع باستقلال ذاتي كبير خلال السنوات الماضية.

اليمن المقسّم إلى عدة أجزاء سيمثّل تحديات للولايات المتحدة؛ على صعيد المساعدات الإنسانية الهائلة التي سيتوجب إرسالها؛ وأمن ممرات الشحن البحري؛ واحتمال تجدد التهديدات الإرهابية. وبالتالي، قد تكون الجهود الدبلوماسية المتجددة، بقيادة الولايات المتحدة الفرصة الأخيرة نحو يمن موّحد.

د. غريغوري دي جونسن، هو محرر تقرير اليمن الشهري وهو زميل غير مقيم في مركز صنعاء وفي مؤسسة بروكينغز. وهو مؤلف كتاب “الملاذ الأخير: اليمن والقاعدة والولايات المتحدة.” يغرّد على تويتر gregorydjohnsen@.


 

خيارات بايدن قد تكون محدودة مع تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية

توماس جونو

تعتزم الإدارة الأمريكية تصنيف جماعة الحوثيين المسلحة كجماعة إرهابية قبل انتهاء ولاية ترامب في يناير/كانون الثاني 2021، حسبما أفادت تقارير صحفية. يتسم حكم الحوثيين في شمال غربي اليمن بفساده وتسلطه وعنفه المتزايد، وبثبات قرّبت الحرب في اليمن الجماعة من إيران.

بالتالي، هذه السياسة الصحيحة التي يجب أن تتبناها الولايات المتحدة لمواجهة الحوثيين، استراتيجيًّا وأخلاقيًّا. غير أن إدراج الحوثيين على لائحة الارهاب قد يأتي بنتائج عكسية؛ إذ قد يعرقل عمل المنظمات الإنسانية -الصعب أصلًا -التي تحاول إيصال المساعدات التي يحتاجها اليمنيون بشدة في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، حيث يعتمد 80% من السكان على المساعدات الإنسانية، كما قد يعقد هذا القرار جهود السلام المتعثرة، فضلًا عن أنه بالكاد سيؤذي الحوثيين.

النتيجة الرئيسية لهذا التصنيف ستتمثل في تقييد أيدي إدارة بايدن القادمة. يجادل مؤيدو إدراج الحوثيين على قائمة الإرهاب أن هذا التصنيف سيوفّر للإدارة الأمريكية القادمة نفوذًا إضافيًا في أي عملية سلام تحدث في نهاية المطاف عبر السماح لها بانتزاع مزيد من تنازلات الحوثيين مقابل إزالتهم من قائمة الإرهاب.

هذا صحيح بعض الشيء من الناحية النظرية، وبالتالي هذه الخطوة ليست فكرة سيئة؛ إذ من الممكن المساومة عليها قبل أي مفاوضات مستقبلية. وبما أن الحوثيين لهم اليد العليا في ميزان القوة العسكرية على الأرض في اليمن، فمن المناسب بناء نفوذ ضدهم.

لكن من الناحية العملية، فالمرجّح أن تكاليف تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية ستفوق جدواها. في مرحلة ما في المستقبل، قد تعتبر واشنطن أن شطب الحوثيين من قائمة الإرهاب ضروري على مستوى إحراز تقدم في عملية السلام، غير أن القول سيكون أسهل من الفعل؛ لأن الخطوة ستلقى معارضة كبيرة لا محالة من السعودية وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها.

من الناحية الإجرائية، الأمور غير معقدة، ولكن عند التمعّن في أمثلة أخرى عن العقوبات التي أصبح من الصعب جدًا رفعها، والتي يصعب السيطرة على العواقب المترتبة عنها، نرى أن السياسة هي التي تشكل تحديًّا على الصعيدين المحلي والدولي.

يتسق هذا النهج مع جانب أساسي من السياسات الخارجية المتشددة تجاه إيران: النية في تقييد أيدي الإدارات الأمريكية المستقبلية، وضمان عدم خروجها من ديناميكية المواجهة الحالية، وعرقلة أي جهود للتعامل مع إيران والجماعات المسلحة التي تدعمها.

مثل هذه السياسات العقابية ضرورية إلى حد ما، فإيران هي خصم للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها، وهناك الكثير من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط نتيجة السياسات الإيرانية؛ بالتالي، من الضروري أن تعمل الولايات المتحدة لاحتواء إيران، ولكن عند استخدام العقوبات كمطرقة تبحث عن مسمار، بدلًا عن كونها وسيلة تحقق أهدافها بدقة وحكمة، فإن التكاليف تفوق المكاسب.

هذه العقوبات المفرطة وغير الضرورية لا تجعل التعامل مع إيران أو الجماعات المسلحة مستحيلًا -فمن الناحية النظرية من الممكن رفع العقوبات -ولكنها تجعل الأمر معقدًا أكثر ومكلفًا سياسيًّا أكثر. ونتيجة لذلك، فإن الآثار الجانبية السلبية -التي من الواضح أنها مقصودة – (وفي حالة اليمن هي إعاقة إيصال المساعدات وخلق عقبات أمام مسار السلام) سيطول أمدها.

توماس جونو، هو زميل غير مقيم في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، تتركز أبحاثه على علاقة اليمن بالإقليم، وهو أيضًا أستاذ مساعد للشؤون العامة والدولية في كلية الدراسات العليا، بجامعة أوتاوا في كندا. يغرّد على تويتر thomasjuneau@.


جماعة الحوثيين المسلحة تقيم عرضًا عسكريًّا في ساحة التحرير بصنعاء في 20 سبتمبر/أيلول 2020 لإحياء الذكرى السادسة لاستيلائها على العاصمة اليمنية. الصورة لمركز صنعاء. التقطها عاصم البوسي.


 

خطوة ترامب الأخيرة: النظر في تصنيف جماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية

مع اقتراب ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الانتهاء، أشارت بعض التقارير إلى أن واشنطن تدرس مرة أخرى فكرة تصنيف جماعة الحوثيين المسلحة (أنصار الله)، كمنظمة إرهابية أجنبية. ستجرِّم هذه الخطوة التعامل مع جماعة الحوثيين بشكل عام إذا تم ذلك دون موافقة الحكومة الأمريكية.

لم يعرب حلفاء الولايات المتحدة -التي تعتبر أحد اللاعبين الدوليين الرئيسيين في الصراع اليمني وداعم قوي للتحالف بقيادة السعودية- عن دعمهم لهذه الخطوة المحتملة. في 8 ديسمبر/كانون الأول، فرضت الولايات المتحدة عقوبات متصلة بالإرهاب على حسن إيرلو، السفير الإيراني المعيّن حديثًا لدى حكومة الحوثيين (غير معترف بها) في صنعاء. تزعم الولايات المتحدة أن إيرلو ضابط في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني. وليس واضحًا ما إذا كانت العقوبات التي تستهدف إيرلو ترتبط بخطة إدراج جماعة الحوثيين على لائحة الإرهاب أو تشير إلى أن الولايات المتحدة ربما تعيد النظر في خططها.

يدرس خبراء مركز صنعاء احتمال تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية وما هو التأثير الذي يمكن أن تحدثه هذه الخطوة الأخيرة التي قد تتخذها إدارة ترامب قبل تسلم جو بايدن سدة الرئاسة في يناير/كانون الثاني -بغض النظر عما إذا كانت هذه الخطوة تسعى تحديدًا إلى استهداف الحوثيين أو النظام الإيراني الذي يدعمهم- على الصراع في اليمن والمدنيين اليمنيين.

هذه المادة جزء من سلسلة إصدارات لمركز صنعاء تناقش أدوار الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين الأجانب في اليمن.


 

خطوة ترامب الوداعية ضد إيران ستكون على حساب اليمن

وليد الحريري 

يأتي تصنيف جماعة الحوثيين المسلحة (أنصار الله)، كمنظمة إرهابية بمثابة محاولة من إدارة ترامب لتصعيد حملة “الضغط الأقصى” على إيران. ولكن على مستوى اليمن والمحاولات لإنهاء الحرب المستمرة على مدى السنوات الست الماضية، ستمثل هذه الخطوة نكسة كبيرة.

تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية سيحد من الوصول الدبلوماسي الغربي للحوثيين. فعلى سبيل المثال، شارك دبلوماسيون أمريكيون في التوسط في صفقات صغيرة لتبادل الأسرى سهلتها عُمان. وبغياب أي ضغوط أمريكية -إذ يحظر تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية هذا النوع من التواصل معها- سيكون لدى الحوثيين مجالًا أوسع للمماطلة وتجاهل مناشدات الأمم المتحدة لتقديم تنازلات. النهج الأكثر فاعلية هنا هو استهداف أعضاء جماعة الحوثيين، كما أوصت لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة في تقريرها الصادر في يناير/كانون الثاني 2020 وكما ستوصي بذلك مجددًا في تقريرها المرتقب حسبما أكد مركز صنعاء.

وفقًا لدبلوماسي عربي مطّلع على الأمر وعلى جهود الضغط، تسعى الحكومة اليمنية وراء تصنيف الجناح العسكري فقط للحوثيين كمنظمة إرهابية بهدف إضعاف الجماعة عسكريًّا وإبقاء الباب مفتوحًا أمام سياسييها للتفاوض على تسوية سياسية. وقال الدبلوماسي لمركز صنعاء إن الإماراتيين والسعوديين، الذين قادوا التحالف العسكري العربي ضد الحوثيين، ضغطوا من أجل تصنيف أوسع يشمل الجماعة بأسرها.

صنفت السعودية والإمارات جماعة الحوثيين المدعومة من إيران كجماعة إرهابية عام 2014 بعد أن قاد الحوثيون انقلابًا مسلحًا واستولوا على العاصمة صنعاء والمحافظات المجاورة. ومنذ ذلك الحين، ضغطت الرياض وأبو ظبي إلى جانب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا -وعلى مسار منفصل، إسرائيل- على إدارة أوباما أولًا وعلى إدارة ترامب لاحقًا لتصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية.

وكما عهدنا، تتصاعد الدعوات لتصنيف جماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية عندما تقرر الولايات المتحدة ودول الخليج العربي وإسرائيل الضغط على خصمهم المشترك، إيران. أشارت إدارة ترامب باستمرار، خلال الإحاطات الإعلامية وفي بيانات الأمم المتحدة، إلى الدعم الذي تقدمه طهران للحوثيين بهدف إدانة إيران والضغط عليها. كما قدمت مشروع قرار لمجلس الأمن في فبراير/شباط 2018 بشأن استخدام الحوثيين غير القانوني لصواريخ إيرانية الصنع في اليمن، ولكنه لم يُمرر نتيجة الفيتو الروسي. واصلت إدارة ترامب حملة الضغط التي شنتها ضد إيران، مشيرة باستمرار إلى استخدام الحوثيين لصواريخ إيرانية الصنع لتبرير اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد إيران، بما في ذلك إدراج الحوثيين على قائمة الإرهاب.

لم تمض الإدارة الأمريكية قدمًا في هذه الخطة بعد أن أثارت انتقادات واسعة من الأطراف التي تُعنى بالشأن الإنساني، إذ أعربت عن خوفها من أن خطوة كهذه قد تعرقل عمليات الاستجابة الإنسانية، ومن مكتب مبعوث الأمم المتحدة لليمن، الذي التمس مساعدة المملكة المتحدة لإقناع الأمريكيين بأن هذا التصنيف سيكون له تأثير سلبي على جهود التفاوض التي تبذلها الأمم المتحدة.

واليوم، ينتاب إسرائيل ودول الخليج العربي القلق من احتمال إحياء إدارة بايدن للاتفاق النووي المبرم مع إيران في عهد أوباما بشكل ما، احتمال كثّف الحملة ضد إيران كما بدا واضحًا من عملية اغتيال عالم نووي إيراني بارز مؤخرًا، وإعادة الحديث عن الخطة لتصنيف جماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية. يغادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البيت الأبيض قريبًا، ويبدو أنه عازم على تسجيل نقطة أخيرة ضد إيران على حساب اليمن.

وليد الحريري، مدير مكتب نيويورك في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، حيث يركز على قضايا اليمن في الأمم المتحدة.


 

قرار سياسي قد يساهم في تقوية الحوثيين 

ميساء شجاع الدين

في أوقات كثيرة من تاريخ اليمن الحديث ارتبط الصعود للسلطة بالعنف، إلا أن صعود الحوثيين كان محبطًا للغاية، إذ جاء بعد انتفاضة 2011 التي قامت على فكرة النضال السلمي، وسعت إلى القضاء على تسلط أفراد أو فئات وتشكيل حكومة تخضع للمساءلة الشعبية، لكن الحوثيين اختاروا فرض إرادتهم من خلال العنف مع أنهم أيضًا، كغيرهم، كان لديهم إمكانية الوصول إلى وسائل المشاركة السياسية والتنافس على الحكم بعد الانتفاضة.

منذ ذلك الحين، قوّضت جماعة الحوثيين -عبر تفجير منازل خصومها ولجوئها إلى العقوبات الجماعية مثل محاصرة مدينة تعز وزرع ألغام بطريقة عشوائية- محاولة المجتمع كسر دائرة العنف، وأيقظت ثارات وانقسامات تاريخية. وبالتالي ليس من المستغرب أن بعض اليمينين احتفوا بخطة واشنطن الساعية لإدراج الجماعة رسميًّا على لائحة الإرهاب؛ باعتبار ذلك اعترافًا عالميًّا متأخرًا بعنف الجماعة، وبالانتكاسة الكبرى التي لحقت باليمن عقب انتفاضة 2011.

الترحيب بهذا القرار يغفل عدة أمور. أولًا: هو قرار يتعلق فقط بمصالح وأمن أمريكا، إذ أنه قرار سياسي يستهدف إيران ويأتي بمثابة الطلقة الأخيرة لإدارة ترامب في هذا الصدد، وبالتالي ليس إدانة أخلاقية لما يرتكبه الحوثيون من عنف ضد مواطني بلدهم. ثانيًا: يسمح هذا القرار للحوثيين بتأكيد سرديتهم بأن الصراع الحالي هو صراع ضد الإمبريالية ومواجهة القوة العالمية العظمى، أمريكا؛ وهذا يقوّي خطاب الجماعة واصطفافها الداخلي عبر كسب تعاطف أولئك الذين يعادون الهيمنة الأمريكية، والذي يشمل نشطاء وإعلاميين غربيين. كما أن القرار يُقرِّب الحوثيين من أطراف فاعلة أخرى تستهدفها الولايات المتحدة بقرارات مماثلة، مثل حزب الله والنظامين الإيراني والسوري، ومن قوى عالمية منافسة لأمريكا مثل روسيا والصين.

مسألة القرار لا تكمن فيما إذا كانت الجماعة تستحق هذه الإدانة أخلاقيًّا، بل تكمن في تداعياته. فبحسب التجارب السابقة، لم يقوّض هذا التصنيف -سواء استهدف أنظمة بصفتها دولًا راعية للإرهاب أو جماعات مثل حزب الله وحماس- من سيطرة هذه الجماعات أو الأنظمة على مواطنيها، كما قد يساهم في تعزيز قوة هذه الجماعات والأنظمة ويزيد من الاضطهاد الذين يمارسونه بحق شعوبهم عبر استخدام هذا التصنيف كذريعة لتبرير مستوى الخدمات السيئ وتدهور الأوضاع المعيشية.

بالإضافة إلى ذلك، قد تجد هذه الجهات سواء كانت حكومات أو جماعات مسلحة طرقًا للالتفاف على العقوبات والحصار، كما قد تتحكم أكثر بالقنوات القليلة المفتوحة مع العالم، ما يعني مزيد من التحكم بمجتمعاتهم المعزولة. وبالتالي، فإن هذه الحالة من العزلة والحرمان الاقتصادي التي تفاقمها العقوبات تنهك المجتمع المحلي أكثر وتستنزفه، ما يقلّل من قدرته على مقاومة الاستبداد الذي يعيش في ظله.

ميساء شجاع الدين هي زميلة غير مقيمة في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، تركز أبحاثها على الطائفية الدينية والتحول السياسي ودور اليمن الجيوسياسي في المنطقة. تغرد على maysaashujaa@.


 

من سيستفيد من إدراج الحوثيين على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية؟

عبد الغني الإرياني

تتسم حالات النزاع عادة بعدم الاستقرار ولكن الديناميكيات السياسية تسعى دائمًا نحو التوازن الذي يسفر الإخلال به عن جولة أخرى من عدم الاستقرار والعنف، وبالتالي تسعى الأطراف المعنية المختلفة إلى تحقيق توازن جديد. تعتزم إدارة ترامب تصنيف أنصار الله، المعروفة باسم جماعة الحوثيين، كمنظمة إرهابية أجنبية، حسبما نقلت التقارير، خطة ستؤدي إلى الإخلال بالعديد من التوازنات في الصراع اليمني.

من تلك التوازنات، التوازن الداخلي لجماعة الحوثيين: تُعد الحركة شديدة المركزية يوحدها ولاء أعضائها الأيديولوجي والديني لـ”الولي العلم”. ومع ذلك فإن توسعها السريع على مدى السنوات القليلة الماضية أدى إلى تشرذم جماعة الحوثيين على أسس أيديولوجية وعملية. الفصيلان الرئيسيان اللذان وازن كل منهما الآخر حتى الآن، هما القادة البراغماتيون الذين أصبح الكثير منهم أغنياء جدًا ومستعدين لتقديم تنازلات لحماية المكاسب المهمة التي حققوها حتى الآن، والأيديولوجيون الذين يعدون سيطرتهم على اليمن بمثابة نقطة انطلاق لمهمتهم الحقيقية بالاستيلاء على مكة والمدينة المنورة وما يليهما. وبالتالي سيأتي تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية بمثابة دفعة قوية للأيديولوجيين واستراتيجيتهم لمواصلة التصعيد ضد السعودية.

التوازن الآخر، هو بين جماعة الحوثيين والحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي: يأتي الحديث عن تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية في الوقت الذي يُعد فيه التوازن بين الأطراف اليمنية المنخرطة في الصراع متقلّب للغاية نتيجة نجاحات الحوثيين في جبهة مأرب. النتيجة الأكثر ترجيحًا لهذا التصنيف هي دفع الحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي إلى التقارب باعتبار أن خصمهما الرئيسي، أي الحكومة اليمنية، يستمد قوته من الشرعية الدولية ويحظى باعتراف دولي، وهو ما يفتقده كلا الطرفين ويهددهما.

التوازن بين جماعة الحوثيين وحزب الإصلاح: هذا التصنيف بالإضافة إلى تصنيف السعودية للإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية في وقت سابق سيقوي الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي على حساب دفع الإصلاح بعيدًا عن هادي وأقرب إلى الحوثيين.

التوازن بين جماعة الحوثيين والمبعوث الأممي: لطالما كانت العلاقة بين مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لليمن والحوثيين هشة. وبما أن عمل المبعوث الأممي مقيّد أصلًا بقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والنفوذ الكبير الذي تتمتع به الدول المنخرطة بالصراع والتي تموّل أنشطة مكتب المبعوث الخاص، فإن تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية أجنبية ستجعل قدرة المبعوث على الحفاظ على مظاهر الحياد والعدل أكثر صعوبة.

التوازن بين جماعة الحوثيين ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية: يُعد توازن القوى بين جماعة الحوثيين ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية غير متوازن إلى حد كبير، إذ أن للحوثيين اليد الطولى من حيث منح التأشيرات وتصاريح الإقامة والوصول إلى المجتمعات التي تحتاج إلى مساعدة، وما إلى ذلك. في حين أن عمل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية يواجه عوائق جمّة كونه يفتقر إلى النفوذ اللازم نتيجة قرارات مجلس الأمن. كما أن حاجة مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية والتزامه بتقديم المساعدة الإنسانية وفقًا لمعاييره وقواعده تقيّد عمله أكثر. وبالتالي، سيؤدي إدراج الحوثيين على قائمة الإرهاب إلى إضعاف مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أكثر إذ سيفرض قيودًا إضافية على أنشطة الاستجابة الإنسانية.

التوازن بين جماعة الحوثيين والشعب اليمني: تُظهر التجارب السابقة، لا سيما في العراق بعد حرب الخليج الأولى، أن الضغط الاقتصادي يؤثر على السكان المغلوبين المغلوب على أمرهم أكثر بكثير مما يؤثر على السلطات الحاكمة والنخب المرتبطة بها. وبالتالي فإن تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية سيساعدها في إحكام قبضتها على السكان في المناطق الخاضعة لسيطرتها ويعزز قدرتها على تجنيد المقاتلين.

ومن ذلك يتبين أن تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية سيطلق العنان لاختلالات في هذه التوازنات بما يخدم في النهاية جماعة الحوثيين.

عبد الغني الإرياني، باحث أول في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، تتركز أبحاثه على عملية السلام وتحليل النزاع وتحولات الدولة اليمنية. يغرد على abdulGhani1959@.


 

يجب أن تكون هناك عقوبات ذكية

ماجد المذحجي

أثار احتمال تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية الحوثيين كجماعة إرهابية جدلًا حول الجدوى من ذلك. يتركّز هذا الجدل بشكل أساسي حول نقطتين: هل سيصبح احتمال السلام مرجحًا أكثر في اليمن؟ وهل سيلحق هذا التصنيف ضررًا أكبر بقطاع كبير من اليمنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين نتيجة حؤول هذه الخطوة وصول المساعدات الإنسانية؟ لكن الأمر يطرح سؤالًا أعمق: هل جماعة الحوثيين هي منظمة إرهابية لأن واشنطن، بناءً على أهدافها الخاصة ومركزها كقوة عظمى، تستطيع وضع المعايير لهذا التصنيف، أو لأنها فعلًا منظمة إرهابية تستحق هذا الوصف بجدارة؟

الإجابة على هذا السؤال تقتضي النظر إلى اليمن، فعلى الصعيد المحلي، تستوفي الجماعة كافة شروط “الإرهاب”. تُميّز جماعة الحوثيين خصومها على أساس النوع الاجتماعي، وتفجّر المنازل، وتحاصر المدن، وتقيّد الحريات التي ينص عليها الدستور اليمني، وتصدر أحكام الإعدام دون مراعاة الأصول القانونية، وتسعى لفرض تفسيرها الخاص للشريعة الإسلامية.

وبالتالي، من شأن انتصار الحوثيين في الحرب أن يعيد اليمن عقودًا إلى الوراء، إذ سيشكلون دولة تحكم بنسخة تمزج بين إيران وطالبان. تحت حكم الحوثيين، سيصبح اليمن دولة معزولة وسيدفع ملايين اليمنيين حياتهم الثمن. ولذلك فالتحدي الذي تشكله جماعة الحوثيين لا يرتبط بحسابات سياسية مؤقتة، بل بمستقبل اليمنيين والمنطقة إذا وقع اليمن تحت سيطرة جماعة متطرفة وراديكالية.

بالتأكيد يجب محاسبة الحوثيين على أفعالهم، ولكن هم من يجب أن يُحاصروا وليس اليمنيين، كما لا يجب الخضوع لابتزازهم بأن أي ضرر يصيبهم سيصيب اليمنيين في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم.

يجب أن تكون هناك عقوبات أذكى. على الولايات المتحدة ملاحقة أعضاء جماعة الحوثيين والمتعاطفين معها والذين يقيمون خارج اليمن، وتجفيف مصادر تمويل الجماعة والحد من قدرتها على بناء تحالفات أو ترويج البروباغندا. هذه العقوبات يجب ألا تستهدف فقط زعيم الجماعة، عبدالملك الحوثي، ولكن – والأهم من ذلك – يجب أن تلاحق أيضًا أولئك الحوثيين الذين يرتدون البدلات ويتجولون بحرية حاملين حقائب المال وينشئون الشركات، ويتحدثون في محافل العلاقات العامة الدولية، ويسافرون على متن الدرجة الأولى في رحلات شركات الطيران العالمية.

ماجد المذحجي هو مؤسس مشارك والمدير التنفيذي لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية ويغرّد على MAlmadhaji@.


حــــــوار

سؤال وجواب مع جيرالد فايرستاين ومايكل باتريك مولروي

لعبت الولايات المتحدة الأمريكية في الغالب دورًا كبيرًا في شؤون اليمن، سواء من خلال نفوذها السياسي أو عبر برنامجها للطائرات المسيّرة. وفي هذه المقابلة يتبادل مركز صنعاء أطراف الحديث مع السفير الأمريكي السابق جيرالد فايرستاين حول الفترة التي قضاها في اليمن، والربيع العربي، ومغادرة علي عبد الله صالح السلطة. انضم إلى فايرستاين مايكل مولروي النائب المساعد السابق لوزير الدفاع الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، والذي تحدث عن مبادرة توجيه اليمن والنسخة الجديدة من البرنامج التي يقودها هو والسفير فايرستاين.

*ملاحظة: حُررت هذه المقابلة مراعاة للوضوح.

مركز صنعاء: لنبدأ معك سعادة السفير. كنت سفيرًا لأمريكا في اليمن خلال فترة الربيع العربي، وخلال الفترة اللاحقة وما واكبها من تساؤلات حول ما إذا كان علي عبدالله صالح سيتنحى أم لا. ما الذي تعتقد أن الولايات المتحدة أصابت فيه من خلال سياستها في اليمن تلك المرحلة، وما الذي تعتقد أنه كان بإمكان الولايات المتحدة أو كان يتوجب عليها أن تفعله بشكل مختلف؟

جيرالد فايرستاين: ما كان يمكنها فعله وما كان يجب عليها فعله هما شيئان مختلفان بالطبع. أعتقد أن القضية برمتها حول أين ستقف حكومة الولايات المتحدة من الربيع العربي في اليمن، وأين كان يجب أن نضع ثقلنا، كان سؤالًا مفتوحًا في واشنطن. كان هناك العديد من الآراء المختلفة، والكثير منها كان مرتبطًا باهتمامات معينة للوكالات المعنيّة.

وإذا ما تحدثنا تحديدًا عن الوكالات التي كانت مشاركة بنشاط في حملة مكافحة الإرهاب بأكملها وعملت مع الحكومة اليمنية، بالفعل، كان التردد موجود في مسألة التخلي عن علي عبدالله صالح، لذلك كان هناك الكثير من النقاش بين أولئك -وأنا منهم- الذين رأوا أننا بحاجة حقًا إلى دعم الانتقال في اليمن ودعم الحركة، وأنه يمكننا المساعدة في الدفع نحو مجتمع جديد وأكثر انفتاحًا وديمقراطية وتوازنًا في اليمن، وآخرين رأوا -كما تعلمون- أن مصلحة الولايات المتحدة هي في مكافحة الإرهاب وليست في السياسات المحلية لليمن، وبالتالي يجب علينا فقط التمسك بصالح، على الرغم من أنني أعتقد أننا جميعًا نعرف أنه لم يكن الشريك المثالي لنا في حملة مكافحة الإرهاب.

ربحنا النقاش في نهاية المطاف ودعمت الولايات المتحدة عملية الانتقال، وأعتقد أن هذا الأمر كان مهمًّا فمن وجهة نظري الخاصة إذا لم تدعم الولايات المتحدة الانتقال السياسي في اليمن، لما كان المجتمع الدولي ليدعمه. وأعتقد أن النتيجة كانت ستكون مختلفة تمامًا عما هي عليه.

فيما يتعلق بنتيجة هذا الأمر، يقول الكثير من اليمنيين إن المجتمع الدولي “باعنا بثمن بخس للغاية” أو “سحب البساط من تحت أقدامنا”، ولكنني أظن أن اعتقاد بعض اليمنيين بأن جميع السكان كانوا داعمين للعملية الانتقالية هو أمر غير صحيح.

ما أذكره، هو أن المجتمع كان منقسمًا جدًا بنسبة 50-50 تقريبًا، فلم تكن هناك حركة ساحقة قوية ضد صالح، ففي الحقيقة احتفظ صالح بالكثير من الدعم بمرور الوقت، كما أن قدرتنا على دفعه نحو التنحي كانت ضعيفة، وكان من الممكن أن يذهب مسار الأمور في الاتجاه المعاكس. بعد أن انتهى كل شيء وترك صالح منصبه، أخبرني الناس أنه عبّر عن ندمه على اتخاذه قرار التنحي، بل وأعرب عن بعض الإعجاب ببشار الأسد قائلًا إنه لو عاد به الزمن لفعل ما فعله الأسد.

كان من شأن إقدام صالح على هذه الخطوة أن يدفع اليمن نحو الصراع (الذي تشهده البلاد اليوم) قبل خمس سنوات من اندلاعه، كان علينا التنازل وتقديم التسويات، وبالتالي قمنا ببعض الأشياء التي -بكل صراحة- ساهمت في تفاقم الوضع بعد ذلك، لا سيما فكرة أن صالح يمكن أن يظل في اليمن وإمكانية استمراره لعب دور في الحياة السياسية في البلاد، وأنه سيمتلك الحصانة ضد الملاحقة القضائية. كل هذه كانت أشياء كان علينا أن نقدمها مقابل حمله على قبول قرار التنحي.

هل كان علينا فعل شيء بشكل مختلف؟! هل كان يجب أن نضغط أكثر لفعل ذلك؟! أكرر، لا أعتقد أنه كان بإمكاننا الفوز بهذا النقاش. ولكن، وعند استعادة الأحداث الماضية، من الواضح أنه أمر مخيب للآمال.

مركز صنعاء: ذكرت أن قدرتكم كانت ضعيفة. ما هي نقاط الضغط التي ساعدت في دفع صالح للتنحي عندما فعل ذلك أخيرًا في أوائل عام 2012؟

جيرالد فايرستاين: بشكل ما، فعل صالح ذلك بنفسه، وهو الأمر الغريب جدًا -فكما تذكر طبعًا- حدثت مجزرة ساحة الثورة (مجزرة الكرامة)، وظهر علي محسن على التلفاز بعد ذلك مباشرة مصرحًا أنه سيقطع علاقته بصالح وسينضم لحركة المعارضة. خاف صالح واعتقد أنه إذا غادر علي محسن فسوف يخسر الجيش بأكمله، وهو ما تبين أنه ليس كذلك، ولكن هذا ما اعتقده (صالح) حينها، لذلك، في تلك المرحلة، تواصل صالح مع الأطراف المعنيّة وأخبرهم أنه مستعد للتنحي. في الحقيقة لقد كان مستعدًا للتنحي في ذلك الأسبوع.

مركز صنعاء: إن لم تخني الذاكرة فقد كان ذلك في شهر مارس من عام…

جيرالد فايرستاين: 2011. مارس 2011. حينها، بدأ عملية تفاوض وقال إنه سيتنحى شريطة “أن تعِدّوا اتفاق لعملية انتقالية تتوافق مع الدستور اليمني”، أنا لم أكن جزءًا من تلك المفاوضات، لكنني كنت هناك لضمان أن يصدق الجميع. استمر الأمر لثلاثة أو أربعة أيام حتى استقرت الأمور قليلًا، وكان الكثير من الناس من حزب المؤتمر الشعبي العام يذهبون إلى صالح ويقولون له: “ما الذي تفعله؟ لماذا تفعل ذلك؟” وانتشرت شائعات بأن بعضهم -أي أعضاء حزب المؤتمر- هدد صالح بالقتل في حال تنحى عن السلطة. تراجع صالح حينها عن قراره وتخلّى عن تلك المبادرة، ولكنه كان قد فتح الباب أمام العملية الانتقالية. منذ تلك اللحظة وما بعدها، لم يعد الأمر ما إذا كان سيتنحى أم لا، ولكن الأمر أصبح يتعلق بالظروف التي سيوافق عليها ليتنحى، وبتلك اللحظة بدأت المفاوضات فعليًّا، والتي نتجت عنها المبادرة الخليجية في نهاية المطاف.

من خلال تلك المفاوضات، وصلنا إلى شهر مايو 2011 عندما أُبرم الاتفاق، حيث وافق كلا الجانبين، المؤتمر الشعبي العام وتكتل أحزاب اللقاء المشترك (تحالف المعارضة) على شروط انتقال السلطة. أحضرنا شخصيات المعارضة للتوقيع على الاتفاق، وكان ذلك بتاريخ 21 مايو إذ أصر صالح على توقيع الاتفاق في اليوم الموافق للعيد الوطني (ذكرى إعلان الوحدة بين شطري اليمن)، وكانت أحزاب اللقاء المشترك قد وقعّت الليلة السابقة. في اليوم التالي، كان من المقرر أن نذهب إلى القصر الرئاسي حيث سيوقّع حزب المؤتمر على الاتفاق. ولكن -ولا أعلم إذا تذكر ذلك- حدث أمر غريب، فحين كنّا جميعًا في السفارة الإماراتية، أحاط صالح السفارة ببلاطجته وأخذنا كرهائن لأن الناس كانوا يطالبون بعدم توقيع الاتفاقية. استمر هذا طوال ذلك اليوم. لقد كان الأمر نوعًا من المهزلة الكبيرة.

ومن ثم أخيرًا، أعتقد أن رئيس الوزراء السابق عبدالكريم الإرياني هو من أقنع صالح بأن عليه المُضي قدمًا في هذا الأمر. وذهبت أنا وعبداللطيف الزياني، الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، إلى القصر الرئاسي حاملين معنا الاتفاق ليوقّع عليه الجميع. دخلنا إلى القاعة، وكانت جميع كاميرات القنوات التلفزيونية حاضرة، وكان الجميع هناك بمن فيهم جميع أعضاء حزبه. جعل صالح الجميع يوقّعون، وكان آخر من عليه أن يوقع هو علي عبدالله صالح، لكنه رفض. “ما الذي تقصده بأنك ترفض؟ لقد وافقت على التوقيع مسبقًا”. لا، لن يوقع، ورفض التوقيع.

كان الوضع مشابهًا للوضع الحالي. رفض أن يتنازل، فقلت “حسنًا، انسى الأمر” وغادرنا القصر. بعد أسبوع أو نحو ذلك، في بداية شهر يونيو، وقعت محاولة اغتيال صالح في مسجد النهدين، ثم انتهى الأمر به للذهاب إلى الرياض لتلقي العلاج، وقُتل عدد من رجاله خلال تلك المحاولة.

استمر الوضع على ما هو عليه طوال الصيف، وعند عودته في سبتمبر، بدأ الأمر برمته من جديد، وسأخبركم ما الذي دفع صالح إلى التوقيع في النهاية؛ لقد كان الملك السعودي عبدالله الذي اتصل بصالح وقال له: “يكفي. لقد انتهى الأمر، عليك أن توقّع”. وأعتقد أن صالح حُصر في الزاوية، واضطر أن يوقّع.

مركز صنعاء: حسنًا سأتحدث مع مايكل الآن. مايكل، عملت كضابط في البحرية وضابط في وكالة المخابرات المركزية، ومن ثم شغلت مؤخرًا منصب نائب مساعد وزير الدفاع للشرق الأوسط خلال أول عامين من إدارة ترامب، هل يمكنك شرح “مبادرة تيسيير اليمن”؟

مايكل مولروي: أُطلقت هذه المبادرة داخل وزارة الدفاع الأمريكية، ونحن في الوزارة لم نكن سوى مجرد جزء صغير منها -من الجانب الأمني والعسكري. أما المبادرة فقد تضمنت جوانب دبلوماسية واقتصادية وإنسانية وأمنية.

مركز صنعاء: لكن الخطة نفسها لم تُحدث الكثير من التغيير، فقد وصلت إلى طريق مسدود إلى حد ما على المستوى السياسي ولم تُنفّذ في الواقع. ولذلك أنتم الآن في طور الانتقال الى النسخة الثانية من مبادرة توجيه اليمن، هل ذلك صحيح؟

مايكل مولروي: صحيح. بُذل الكثير من الجهد في المبادرة، وأعتقد أنها كانت جيدة إلى حد ما، لكنها لم تحصل على أي اهتمام. كان جزء من سبب عدم حصولها على الاهتمام هو أننا في كل مرة تحدثنا فيها إلى المسؤولين في مبنى الكابيتول، يطلبون منّا التوقف وإنهاء المشاركة في اليمن. هذا فضلاً عن تجاهل الأشخاص في الإدارة الامريكية للمبادرة، وبالتالي، لم يُحرز أي تقدم في الأمر. وأعتقد أن السفير يمكنه أن يؤكد صحة ذلك أيضًا، قد تكون لدينا فرصة أفضل الآن حيث ستكون هناك إدارة أمريكية مختلفة، ولهذا السبب نحاول الآن بجد وضع المبادرة وتأطيرها حتى نتمكن من تقديمها؛ إذا كانوا على استعداد للسماح لنا بتقديمها.

مركز صنعاء: هل يمكنكم استعراض خططكم المتعلقة بالنسخة الثانية من مبادرة توجيه اليمن، في أي مرحلة هي الآن؟ ما هي أهدافها؟

جيرالد فايرستاين: تعتمد مبادرة توجيه اليمن على فكرة أننا في بيئة ما بعد الصراع، أي أن الأساس الذي تقوم عليه مبادرة توجيه اليمن هو نجاح جهود المبعوث الخاص للأمم المتحدة، وأنه يمكن الوصول إلى وضع حيث يمكن البدء في معالجة بعض هذه المشاكل المتوطنة داخل اليمن.

أتوقع أن إدارة بايدن ستعود إلى ما كنا عليه تحت إدارة أوباما تقريبًا. أكرر أن هذا لا يعني أننا سنغير موقفنا أو سياستنا، لكن قد نرى استعدادًا من جانب إدارة بايدن لبذل المزيد من الجهد والعمل، والقليل من الضغط، في محاولة لدعم جهود الأمم المتحدة الرامية لإعادة الأطراف إلى الطاولة للتفاوض، واعتقد أن هذا قد ينجح.

العنصر الآخر، الذي يمكننا استقراءه وتوسيعه بقدر ما نريد، يشبه العزف على آلة الأكورديون، ولكن إذا كنت تتوقع أنه سيكون هناك تغيير في طبيعة العلاقة الأمريكية الإيرانية، وإذا كان سيخف التوتر في المنطقة بشكل عام -وهو بالتأكيد التوجه الذي تقول إدارة بايدن إنها تريد السير فيه- يمكنك حينها توقع احتمال أن يؤدي ذلك بدوره إلى تخفيف بعض الضغط الذي يعرقل مسار التوصل إلى اتفاق في اليمن، وأن يرى الإيرانيون أنهم لم يعودوا بحاجة إلى الاستمرار في الضغط على السعودية من خلال الحفاظ على وجودهم في اليمن، والإبقاء على الصراع في اليمن.

برأيي، هناك نافذة فرص أمامنا، وأعتقد أننا سنرى الولايات المتحدة أكثر مشاركة فيما يخص اليمن، الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من دعم المجتمع الدولي. أعتقد أنه إذا كانت الولايات المتحدة أكثر مشاركة، فسيكون البريطانيون أكثر مشاركة، وربما يكون مجلس الأمن أكثر مشاركة. إذا كان هناك انخفاض شامل في التوتر في المنطقة، فقد يعني ذلك أن اليمن سيصبح من جديد مهيأ للسير نحو الأمام والخروج من الوضع الذي نحن فيه الآن. هذا سيفتح الباب أمام مبادرة توجيه اليمن.

مركز صنعاء: هل ستوقف إدارة بايدن حقًا دعمها للسعودية؟ وإذا فعلت الولايات المتحدة ذلك وأجبرت السعودية على إنهاء حربها، فما هي الخطوة التالية؟

 جيرالد فايرستاين: طبعًا جميع هذه الأسئلة في مكانها. أعتقد أنه فيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية السعودية، فليس لدي أدنى شك في أن إدارة بايدن ستعيد إدخال القيم الأمريكية -حقوق الإنسان والحريات المدنية- في المعادلة عندما نحدد علاقاتنا حول العالم.

النقطة الأخيرة التي أود أن أطرحها وهي التي ستجيب نوعًا ما عن سؤالك الأخير “ماذا بعد ذلك أو ما الخطوة التالية؟”. موقفي الشخصي من هذا الأمر، هو كالتالي: حسنًا ستوقفون دعم السعوديين وستخبرونهم أننا لن ندعمكم في اليمن بعد الآن، أي أننا سنقوم بكل بساطة بإضعافهم وتدمير قدراتهم الدفاعية، أو أيًّا كان ما سنفعله، ومن ثم سنفرض نهاية للصراع في اليمن. حسنا هذا عظيم. ولكن ماذا الآن؟

هل يعتقد أحد أنه يمكن إعادة إعمار اليمن وأن أي شخص سيقدم عشرات المليارات من الدولارات المطلوبة لإعادة إعمار اليمن دون السعوديين؟ الولايات المتحدة لن تفعل ذلك. الأوروبيون لن يفعلوا ذلك. إيران لن تفعل ذلك. إذا ابتعد السعوديون عن الأمر وقالوا “نحن لسنا راضين عن الطريقة التي انتهى بها الأمر ونرى أن اليمن الآن يمثل تهديدًا دائمًا لأمننا ولن نتحرك قيد أنملة لمساعدتهم”، من الذي سيبقي اليمن متماسكًا؟ من الذي سيساعدهم في إعادة البناء؟ لا أحد.

نحن بحاجة للسعوديين الآن، في المستقبل. لن تنجح مبادرة توجيه اليمن إلا إذا كان السعوديون شركاء بشكل كامل فيها. إذًا هذه هي الإجابة على سؤالك “ما الخطوة التالية”. النقطة الأخيرة التي أود ذكرها وأكررها هي أننا يمكننا قول ما نريد بشأن فشل الحملة العسكرية السعودية. ليس هناك شك -على الرغم من أن الاعتراف بهذا يزعجني أحيانًا- ذلك أن كل الفضائع التي نتهم السعوديين بارتكابها خطأ في اليمن قد ارتكبناها نحن أنفسنا في أفغانستان وجميع أنحاء العالم. هل قصفنا حفلات زفاف ودمرنا مدارس، وهل فعلنا كل ذلك وأكثر؟ بالطبع فعلنا. ليس لأننا مؤذون أو خبثاء. هذه الأشياء تحدث. وهذا ما حدث في اليمن أيضًا، وهو أمر مأساوي، والمرء فعلاً يكره رؤية هذا يحدث. ولكن لا أعتقد أن الأمر متعمد من الجانب السعودي.

من الجدير بالذكر أنه عندما أصبح الأمر أمام إدارة أوباما في 2014 و2015، بعد استيلاء الحوثيين على صنعاء، وعندما كنا نتحدث مع السعوديين قائلين إن عليهم فعل شيء لمساعدة هادي -وكان هذا قبل بدء الحرب- كان يقولون “لا لن نتدخل. نحن مستاؤون من هادي ونشعر بخيبة الأمل منه. لن نقوم بأي شيء.” ثم بدأت الحرب. لم نختلف أبدًا مع وجهة النظر والخطوط الحمراء السعودية الأساسية، وما زلت لا أختلف معها. أعتقد أن تلك الخطوط الحمراء هي ثلاثة: أعتقد أن السعوديين لهم كامل الحق في قولهم إنهم يريدون الأمن على حدودهم الجنوبية، وهم يريدون حكومة في صنعاء يمكنهم العمل معها ومتعاونة (بدورها) معهم، ويريدون أن يطمئنوا أنه لن يكون هناك وجود مستمر للحرس الثوري الإيراني أو حزب الله في اليمن يهددهم بنفس الطريقة التي يهدد بها حزب الله اسرائيل على حدودها الشمالية. أعتقد أن هذه هي الخطوط الحمراء السعودية الثلاثة.

إذا أعادت الولايات المتحدة فرض نفسها من جديد وحاولت التوصل إلى اتفاق في اليمن، وإذا دعمنا المبعوث الخاص للأمم المتحدة مارتن غريفيث دعمًا كاملًا، وإذا بدأنا في دفع أنفسنا لمحاولة إعادة الأطراف إلى الطاولة ونجحنا في ذلك، أعتقد أن السعوديين سيكونون سعداء إذا نجحنا – لأنني أعتقد أنهم أرادوا الخروج من هذا الصراع خلال السنوات الأربع الماضية – طالما ما نفعله يحترم خطوطهم الحمراء.

إذا تمكنا من القيام بذلك، وإذا استطعنا المساعدة في التوصل إلى اتفاق، فأعتقد أننا والسعوديون سنكون على نفس الصفحة وسيكون كل شيء على ما يرام. ما أقصده هو أننا كان لدينا بعض المشاكل مع السعوديين بشأن حقوق الإنسان وهذا النوع من الأشياء لعقود، ولن يتغير هذا، ولكن كلا الجانبين يعرفان كيفية التعامل مع الأمر. يمكننا القيام بذلك. أعتقد أن الشيء المهم هو التأكد من خروج اليمن من الصراع بطريقة لا تقطع العلاقة الأمريكية السعودية.

مركز صنعاء: حسنًا، أفهم كيف سيساعد هذا الولايات المتحدة والسعودية، ولكن السؤال الآن هو كيف سيكون الأمر مع الحوثيين؟ إذا لم يكن الحوثيون مستعدون للتنازل عما ربحوه في ساحة المعركة على طاولة المفاوضات، فهل هناك حقًا أي اتفاق يمكن التوصل إليه؟

جيرالد فايرستاين: عندما كنت لا أزال في صنعاء وأحاول إشراك الحوثيين، عقدت معهم بعض الاجتماعات. لم تكن تلك الاجتماعات ناجحة جدًا أو تخرج بنتيجة، لكن الشخص الوحيد الذي كان الحوثيون يرغبون وبشدة الحديث معه هو السفير السعودي.

عام 2016 كان هناك الكثير من الأخذ والرد، وكان رأيي دائمًا أن الحوثيين ليسوا أغبياء، فهم يعرفون من هي الدولة التي تقع على حدودهم. هم يعرفون أن إيران بعيدة وغير قادرة على فعل الكثير من أجلهم. لطالما كنت أعتقد أن الحوثيين سيتخلون عن علاقتهم بإيران ويتفقون مع السعوديين في ظل الظروف المناسبة. بالمناسبة، يعتقد السعوديون أنفسهم ذلك. لذا أعتقد أنه من الوارد فعل ذلك. أعتقد أن الأمر سيتطلب حصول الحوثيين على مقعد على الطاولة في العملية السياسية في المستقبل. يمكن تحقيق ذلك. المشكلة الكبرى هي أنه لا يمكن أن تكون حكومة حوثية، يمكن للحوثيين أن يكونوا جزءًا من الحكومة، وطالما أن السعوديين يشعرون بالراحة بأن لديهم أصدقاء في صنعاء سيكون الأمر على ما يرام بالنسبة لهم. وأعتقد أن الحوثيين سيحصلون على ما يحتاجونه.


 

فنون وثقافة

طريقة الحرب الأمريكية

قراءة في كتاب فيل كلاي “المُبشِّرين” 

براين أونيل 

عام 1904، قُتل مُبشِّر أمريكي في شمال غرب إيران. حينها، أخذ الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت الأمر بصورة شخصية (كما كان معروفًا عنه عادة) وهدد إيران، التي كانت تحارب قوى الإصلاح، بإرسال قوات أمريكية إلى الخليج الفارسي إذا لم تتخذ الحكومة الإيرانية أي إجراء بشأن مقتل المُبشِّر.

تدفقت مئات الجحافل الفارسية إلى المنطقة وكادت أن تشعل صراعًا مع الإمبراطورية العثمانية التي كانت منشغلة حينها مع خسارة قبضتها في البلقان.

طالبت الولايات المتحدة باتخاذ إجراء لمقتل المُبشِّر: السجن المؤبّد للقتلة، أو الحكم عليهم بالإعدام في حال شن القبيلة الكردية -التي ينتمي القتلة إليها- المزيد من الهجمات ضد الأمريكيين. من المعلوم أنه حتى ذلك الوقت، كانت الحكومة الفارسية والإمبراطورية العثمانية تركزان على الشأن الكردي، وفي خِضّم هذا المزيج، أتى الثور الأمريكي مسرع الخطى.

تنفيذ روزفلت لتهديده كان أمرًا مشكوكًا فيه. إرسال قوة استطلاعية إلى الشرق من أجل شخص واحد حدد المصلحة الوطنية ضمن إطار ضيّق للغاية، ففوائد خطوة كهذه -سواء الملموسة أو حتى غير الملموسة- ما كانت لتتناسب مع التكلفة على الإطلاق. ولكن فيما يتعلق بأمريكا، التي كانت قد انتصرت على إسبانيا في الحرب المفتعلة ضدها وأطلقت جناحيها كقوة عالمية، كان التهديد أكثر من كاف.

في كتابه “المُبشِّرين”، يأخذنا فيل كلاي إلى كولومبيا، فبعد أكثر من مئة عام على هذه الأحداث، تجري صحفية أمريكية بعض الأعمال في بوغوتا. يسرد كلاي حديثًا أجرته الصحفية مع حبيب سابق، مقاول أمني سابق في القوات الخاصة، يعمل على إيقاف تجارة المخدرات في الأدغال الكولومبية. قالت إنها سمعت أن بلاك ووتر (المعروفة حاليًّا باسم أكاديمي) تجنّد عسكريين كولومبيين للعمل لحساب الإمارات لإرسالهم إلى اليمن. تقول بشكل بديهي: “وهذه – وهل أنا مخطئة في ذلك – (أسوأ) الحروب المنخرطين فيها حاليًّا؟”

ينتقل الحديث إلى أمور أخرى إذ أن هذه المحادثة تحديدًا بالكاد جديرة بالذكر بالنسبة لها كمراسلة حربية مخضرمة في تغطية أفغانستان والعراق والحروب الصغيرة التي لا تُحصى حول العالم. ولكن، كحال التفاصيل الأخرى في الكتاب، تكشف هذه النقطة عالمًا كاملًا للقارئ.

في كتاب كلاي، يجنّد المقاولون الأمريكيون (مصطلح غير دموي بشكل غريب) عسكريين كولومبيين سابقين، تدربوا في الحرب الدموية والوحشية لمكافحة المخدرات والتي موّلتها الولايات المتحدة، لمساعدة الإماراتيين على شن حرب مدمرة داخل اليمن. من نواح عدة، هذا هو شكل الحرب في القرن الحادي والعشرين: مدرِبون من حزب الله يوجهون مقاتلي الحوثيين بناء على ما تعلموه من الحرب ضد إسرائيل؛ المستشارون الإيرانيون يعلِّمون التقنيات والتكتيكات التي تعلموها من المعارك في العراق وسوريا؛ الطائرات السعودية، المزودة بالوقود والذخائر الأمريكية، تشن غارات جوية؛ والولايات المتحدة تطبق الدروس المستقاة من حروبها المختلفة – من أفغانستان إلى كولومبيا إلى العراق – في اليمن. إنه عالم صغير بالفعل!

وكما يوضح كلاي ليس هناك مصلحة أمريكية ضيّقة بما فيه الكفاية لعدم العمل على خدمتها عبر العنف. ليس هناك مهمة بعيدة المنال.

تبدأ أحداث الكتاب في أفغانستان، ثم يأخذنا الكاتب إلى كولومبيا حيث تدور معظم أحداث الرواية، وتنتهي في اليمن. هذه هي النقطة الأساسية: آلة الحرب الأمريكية عالمية حتى عندما تكون التأثيرات على أمريكا نفسها بالكاد تذكر. لا حدود للمُبشِّرين.

لكن الكتاب ليس عن المُبشِّرين فقط، فهو أيضًا عن الأشخاص الذين حدد هذا العنف حياتهم: سواء كان ذلك مراسلًا أمريكيًّا أو راصدًا (محدِد الأهداف) إسرائيليًّا أو قائدًا حوثيًّا. ثلاثة من الشخصيات الرئيسية في الرواية التي تعكس وجهات نظر مختلفة هم كولومبيون: ضابط عسكري رفيع المستوى، ومقاتل سابق في قوات شبه عسكرية، وامرأة تعمل مع جماعات كانت تهرّب المخدرات وقوات شبه عسكرية، كلهم يحاولون إحلال السلام في البلاد.

جذور العنف في كولومبيا معقّدة. هيمنت العاصمة بوغوتا على المناطق النائية -التي تتسم بالفقر وبطابعها المحلي الملموس على عكس بوغوتا- وأهملتها. وكان للحرب الباردة تأثيرًا بدت انعكاساته على الثورات المحلية على مر عقود من الزمن، كما هو الحال مع الحرب على الإرهاب مؤخرًا.

كلاي بارع للغاية في وصف معترك الحياة بمدها وجزرها وسط كل هذه الفوضى. كان هابيل صبيًّا صغيرًا عندما ذبح أفراد عائلته وآخرين في قريته. نجا هابيل وهرب وكاد أن يتضوّر جوعًا. عاش في العراء في غابات كولومبيا قبل أن ينتهي به المطاف مع إحدى الميليشيات. هل كانت قصته لتختلف لو وضعه كلاي في أفغانستان في التسعينيات أو العراق في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين؟ ربما، ولكن ليس بالقدر الذي قد يعتقده المرء إذا ما استندنا إلى ما يوضحه كُتّاب آخرون مثل دون وينسلو. ففي الواقع، هناك أوجه شبه بين عصابات المخدرات في أمريكا الجنوبية والجماعات الجهادية في الشرق الأوسط.

بعد انضمامه إلى إحدى المليشيات، عمل هابيل بمثابة وسيط بين مجموعته (بقيادة جيفرسون، الزعيم الكاريزمي والمرعب) والقرى. بوسع مجموعة جيفرسون إحلال النظام لمن يخضع لهما والسماح لهم بجني الثروة، ولكن الأمر مختلف كليًّا لمن يرفض الخنوع.

تصف الرواية مشاهد وحشيّة، رجل يُقيَّد على بيانو.. مناشير.. أناس تُقطع أجسادهم إلى نصفين.. وأناس تُدمر حياتهم بالكامل. سمحت معاهدات السلام خلال هذا القرن لهابيل بإعادة بناء حياته بمساعدة منظمة غير حكومية تديرها لويزا التي كان والدها أحد ضحايا ممارسات جيفرسون الوحشية. لدى لويزا عمل لتنجزه، وهذا ما تفعله بالضبط.

هذا أحد المحاور الأساسية في الكتاب: العمل الذي يجب إنجازه. الصحفي لديه وظيفة، الجنود الأمريكيون والكولومبيون على حد سواء لديهم وظائف، المرتزقة والميليشيات لديهم وظائف، المنظمات غير الحكومية والمتطوعين الشباب الذين يعملون معهم لديهم وظائف.

تتقاطع هذه الوظائف – وحياة هؤلاء الأشخاص – في الرواية، تتقاطع قصصهم، حبكة الرواية أقل أهمية من حياة الشخصيات التي تحددها هذه الصراعات الطاحنة التي لا نهاية لها في كل أنحاء العالم تقريبًا. ولكن هذه الشخصيات، المصوّرة بدقة والواقعية للغاية، أقل أهمية من الصراعات ذات الطبيعة المتناقضة للغاية، كما يوضح كلاي مرارًا وتكرارًا: تتغير طرق وأساليب وأهداف خوض هذه الصراعات باستمرار، ولكن طبيعة هذه الصراعات هي نفسها دائمًا.

في بداية الرواية، هناك ضابط عسكري كولومبي رفيع المستوى، لا يمكننا تحديد مبادئه الأخلاقية بشكل حاسم، يفكر بعمق كيف يُؤسَر الأعداء الآن ويُقتَلون. (لاحقًا، نحو نهاية الرواية، يعود ليفكر بهذا الأمر عندما ينظر إلى ما يحدث في اليمن، تحديدًا عندما ينظر إلى مقطع فيديو لطائرة دون طيار). يستنتج هذا الضابط أن هناك “شبكة متكاملة بقيادة أمريكية تتألف من وكالات مختلفة مصممة لإيجاد الأهداف، وتحديد موقعها (بدقة)، والقضاء عليها، واستغلال وتحليل المعلومات الاستخباراتية التي جُمعت، ثم تعميم هذه المعلومات على الوكالات والقيادات القادرة على العمل بناءً عليها بأسرع ما يمكن”. في النهاية، كان هذا نظامًا لإبراز القوة. ويضيف الضابط:

“غالبًا ما يتم تجاهل هذا النظام عند مناقشة القدرات العسكرية، لأنه ليس وحدة (ذو معالم واضحة)، أو نظام أسلحة، أو تقنية (معيّنة)، أو أسلوب تدريب، ولكنه شيء ذو معالم غير واضحة. هو نظام (يجمع) تقريبًا كل هذه العناصر -يضاعف قدرتها الفتاكة وسرعتها (على تحقيق أهدافها). هذا ليس من قبيل المبالغة. سوف يستخدم الأمريكيون هذه النظام نفسه في البلقان، ثم (يستخدمونه بوتيرة أعلى) في العراق. والنتيجة: قيادة عمليات خاصة كانت تشن 12 غارة في الشهر عام 2004 تحولت إلى آلة قتل (ذو حجم كبير لا مثيل له) تشن 250 غارة في الشهر بعد ذلك بعامين فقط.” 

(أحد عيوب الكتاب هو أن الشخصيات التي يرسمها كلاي بدقة تبدو كشخصية تحاكي ذاتها على طريقة توماس كلانسي عندما يكون هناك نقطة يجب إيضاحها، ولكنها على الأقل نقاط مثيرة للاهتمام).

هذه نقطة عادة لا يتم التطرق إليها عندما نتحدث عما إذا كانت الولايات المتحدة أو حلفاؤها “تفوز” أو “تخسر” الحروب. تقلصت الصراعات الواسعة النطاق في أفغانستان والعراق ببطء لتقتصر على مجرد مهام تشمل التدريب أو الأسر والقتل، مع الاحتفاظ ببعض الأراضي لخدمة بعض الأهداف التي تتسم معالمها بعدم الوضوح. كما تفككت الحروب التي لا تُحصى في أجزاء أخرى من العالم، من كولومبيا إلى اليمن. قد تكون هناك استراتيجية، وقد تكون هناك تكتيكات، ولكن لا توجد نهاية حقيقية للعبة، إنه نظام يديم نفسه.

يديم نفسه لأنه ناجح للغاية بطريقتين مختلفتين ومتناقضتين جدًا. من ناحية، هو تقريبًا فائق الدقة؛ إذ أنه قادر على نشر الموت في جميع أنحاء العالم وتحرير الرهائن من المناطق التي كان يُعد الوصول إليها مستحيلًا. في الرواية، نرى الضابط الكولومبي، الذي جندته الشركة الأمريكية، يختار هدفًا يمنيًّا بطائرة دون طيار صينية في قاعدة إماراتية. ومن ناحية أخرى، يدر هذا النظام مبالغ كبيرة من المال لكثير من الناس، ويضمن عمل آلات الحرب المتعددة.

ولكن هناك احتمال أن يكون هذا المسار القاتم والثابت للحروب الدائمة هو في الواقع مستقبل أمريكا. في كتابه “نهاية الأسطورة”، يقول جريج غراندين، الحائز على جائزة بوليتزر، إن هناك حُجة موجودة “على مدار التاريخ الطويل للولايات المتحدة، (تدعّي) بأن التوسع اللامتناهي، سواء على الأرض أو من خلال الأسواق والنزعة العسكرية، يعيد توجيه التطرف المحلي”. أعتقد أن هذا صحيح نوعًا ما.

جادلت “أطروحة الحدود” الشهيرة، التي كتبها فريدريك جاكسون تيرنر قبل فترة قصيرة من غضب روزفلت من إيران، بأن أمريكا يجب أن تستمر في إعادة تشكيل نفسها من خلال الانتقال إلى حدود جديدة (وهو تعبير لطيف للاستيلاء على الأرض بالقوة). طبعًا، لم يتوقف التوسع عند مناطق المحيط الهادئ إذ سرعان ما أصبح لأمريكا إمبراطورية مخفية تتألف من الجزر في مناطق المحيط الهادئ ومنطقة الكاريبي. ويمكن القول إن الحرب الباردة، والحرب على المخدرات، والحرب على الإرهاب هي مجرد امتدادات لهذه الرغبة بالاندفاع قدمًا وأن جميع هذه الحروب، كل على حدة، التي تدمج هذه العناصر، هي النتيجة النهائية.

قد يكون هذا صحيحًا، ولكن هناك شيء أكثر من ذلك، شيء قد يكون أكثر قتامة. فالأميركيون أنفسهم منفصلون بشكل ما عن هذه الحروب “الحديثة” التي تُحارب باسمهم. هذه الحروب محترفة ومتخصصة للغاية بشكل قاتم ويغيب عنها كل أشكال الرقابة. الصراعات معولمة وواسعة النطاق ولكنها لا تزال غامضة جدًا.

ربما أراد ثيودور روزفلت استخدام القوة لإجبار إيران على الرضوخ لطلبه، ولكن ذلك كان سيتطلب جهدًا هائلًا. لاحقًا، وبعد نصف قرن، ساعد حفيد روزفلت، كيرميت، في الإطاحة بزعيم إيران المنتخب حين أدار عملية معقّدة لوكالة المخابرات المركزية كان لها تداعيات كبيرة. وبعد ذلك بأكثر من نصف قرن، كان بوسع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، النشط على تويتر، قتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني. من الممكن النظر إلى هذا على أنه تقدم، ولكنه تقدم ذو طابع تقني قاتم وغير مرضٍ.

أصبح الصراع عبارة عن مئات العمليات الصغيرة دون استراتيجية شاملة باستثناء استمرار الصراع. لسوء الحظ، هذا لا يعني أن هذه العمليات لا تؤثر على حياة الناس أو أنه لا ينتج عنها عواقب سلبية غير مقصودة يستمر تأثيرها لأجيال. أناس حقيقيون يُدمرون، ينزفون في الغابة أو يفقدون أرجلهم في أفغانستان. هناك أناس تنتهي حياتها في اليمن عندما يلمع الضوء على شاشات الرادار.

يوضح فيل كلاي تكلفة هذه الصراعات على حياة الناس، ولكنه يُظهر أيضًا المحصلة النهائية -وهذا الأكثر رعبًا- وهي أن أرواح الناس وحياتهم لا تأثير لها على الصراع. الحروب هي العملة، نوعًا من المقياس، مهمة يجب إتمامها.

براين أونيل، هو محرر سابق في يمن أوبزرفر‎، وهو حاليًّا كاتب وناقد مستقل مقيم في شيكاغو. يغرد على oneillofchicago@.


 

أعد هذا التقرير (حسب الترتيب الأبجدي): أبو بكر الشماحي، أماني حمد، توماس جونو، حسام ردمان، حمزة الحمادي، ريان بيلي، زياد الإرياني، سبنسر أوسبرغ، سوزان سيفريد، عبدالغني الإرياني، علي الديلمي، غريغوري جونسن، غيداء الرشيدي، فارع المسلمي، كيسي كومبز، ماجد المذحجي، ماغنوس فيتز، ميساء شجاع الدين، نزيهة بعاصيري، هانا باتشيت، وليد الحريري وياسمين الإرياني.


تقرير اليمن، هو تقرير شهري يصدره مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية منذ يونيو/ حزيران 2016، وصدر كنشرة شهرية باسم “اليمن في الأمم المتحدة” في أعوامه الأولى. يهدف التقرير إلى رصد وتقييم التطورات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية والإنسانية والحقوقية بشأن اليمن، وتزويد القراء برؤية سياقية شاملة حول أهم القضايا الجارية في البلاد، والتطورات التي يمكن أن تؤثر في مسارها حول العالم.

لإعداد “تقرير اليمن”، يقوم فريق مركز صنعاء في مختلف أنحاء اليمن والعالم، بجمع المعلومات والأبحاث، وعقد اجتماعات خاصة مع الجهات المعنية المحلية والإقليمية والدولية، لتحليل التطورات المحلية والإقليمية والدولية المتعلقة باليمن.


 

مشاركة