إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

المقدمة

تُعد الطبيعة المتغيرة للدولة اليمنية تحت سيطرة الحوثيين إحدى التحديات التي تواجه مسألة إنهاء الحرب في اليمن. فالحركة الشيعية الزيدية أوجدت حقائق على الأرض أدت إلى جعل أي خطوة للتقريب بين الأطراف المختلفة ضمن أي اتفاق سياسي جديد مسألة بالغة التعقيد. اتخذت سلطات الأمر الواقع “سلطات الحوثيين” من مؤسسات الدولة في صنعاء أدوات لخدمة مشروع بناء دولتها الخاصة.

نشرت الجماعة أفكارها العقائدية في المجتمع، وشكلت جيشًا كبيرًا، وأنشأت شبكة واسعة من المشرفين بصلاحيات تعلو المؤسسات الحكومية، مما وسع الهوة بين المجتمع والطبقة الحاكمة. من الصعب تخيل سماح الحوثيين طواعية بتفكيك هذه الشبكة السياسية والاقتصادية الواسعة لتقاسم السلطة مع الفصائل اليمنية الأخرى.

ورغم أن الجماعة تطلق على نفسها اسم “أنصار الله”، إلا أن معظم اليمنيين ينظرون إليها على أنها مؤسسة عائلية تقوم على أفكار بدر الدين الحوثي (المُتوفى سنة 2010) وغيره من علماء الدين الزيديين، وتعززت على يد أبناء الحوثي، إذ تسعى لإعادة إحياء الإمامة الزيدية التي كانت مهيمنة سياسيًا في شمالي اليمن قرابة ثلاثة قرون حتى عام 1962. تبحث هذه الورقة في أهداف جماعة الحوثيين ونشأتها وكذلك هيكل الدولة اليمنية التي تتخذ من صنعاء مقرًا لها منذ عام 2014، وتهدف كذلك إلى إثراء المناقشات المتناولة للقضايا والتحديات التي يمكن أن تنطوي عليها محاولة إدماج عناصر من هذا الهيكل في أي نظام حُكم قد يتأسس في مرحلة ما بعد تسوية الصراع.

نشأة جماعة الحوثيين

أبصرت جماعة الحوثيين النور أوائل ثمانينيات القرن العشرين في صعدة، معقل الزيديين في شمالي اليمن، بهدف مزدوج يتمثل في مواجهة انتشار الوهابية القادمة من السعودية وإحياء حكم الإمامة الزيدية. تمكنت العائلة من فرض سيادتها عبر نظرية الإمامة لدى الزيدية، التي تركز القيادة السياسية والدينية في شخصية زعيم الدولة مع توسيع قاعدة أولئك الذين يمكنهم تولي هذا الدور لتشمل أي شخص من فئة الهاشميين (نسل النبي محمد).

أنشأ الحوثيون شبكة واسعة في محافظة صعدة وغيرها من المناطق القبلية شمالي البلاد. كان محمد وحميد بدر الدين نشطين في التجمعات الشبابية والمخيمات الصيفية في المدارس الداخلية المحلية، التي سُميت فيما بعد بـ”الشباب المؤمن”، في حين كان حسين ويحيى بدر الدين الحوثي نشطين في المجال السياسي، بينما وجه عبدالملك الحوثي اهتمامه نحو الأنشطة العسكرية. اختار بدر الدين نجله عبدالملك لقيادة الجماعة، عقب مقتل ابنه الأكبر حسين عام 2004 خلال الحرب الأولى من الحروب الست -المعروفة بحروب صعدة -التي خاضتها الجماعة ضد نظام الحُكم في صنعاء أثناء عهد الرئيس السابق علي عبدالله صالح، التي استمرت حتى عام 2010.

تمزج نظرية الدولة لدى الحوثيين بين الزيدية التقليدية ونمط الحكم العائلي المشابه للنمط الملكي القائم في دول الخليج وبعض عناصر النظام الثوري الإيراني، مع الاحتفاظ شكليًا بالكيان الجمهوري للدولة اليمنية. وبينما تحتفل الجماعة بالاستيلاء على صنعاء في 21 سبتمبر/ أيلول من كل عام كمناسبة تحتفل فيها بـ”الانتصار على الفساد والتدخل الأجنبي”، تحيي بصورة باهتة ذكرى قيام النظام الجمهوري الذي يصادف 26 سبتمبر/ أيلول. إلا أن العديد من اليمنيين يحتفلون بالمناسبة الأخيرة -بإضاءة أسطح منازلهم وتشغيل أغاني ثورة 1962 -كوسيلة للتعبير عن رفضهم مساعي الحوثيين لتقويض النظام الجمهوري.

وفي حين يتهم بعض المعارضين جماعة الحوثيين أنها تسعى لإحياء حُكم الإمامة الزيدية، يشير آخرون إلى احتكار الأسرة للسلطة باعتباره انتهاكًا لمبادئ الإمامة نفسها. تاريخيًا، لم يكن مستغربًا سعي الحكام الزيديين إلى تعزيز قبضتهم على السلطة من خلال توريثها لأبنائهم، رغم أن هذه المساعي جازفت بمقابلتها بالرفض والانقلابات ضدها. اعتمد الرئيس الراحل صالح في سنواته الأخيرة على رأس السلطة على أفراد أسرته لإحكام قبضته على السلطة، إلا أن جماعة الحوثيين ذهبت بهذه الظاهرة إلى ما هو أبعد من ذلك، وبشكل قد يزرع بذور انشقاقات مستقبلية.

الاحتفاظ بالسلطة ضمن دائرة الأسرة

يتربع عبدالملك الحوثي على قمة منظومة حُكم الحوثيين، حيث يتمتع بسلطة مطلقة كزعيم هاشمي زيدي يُعتبر ذو شخصية كاريزماتية باعتباره سليل النبي محمد. لا يستمد المسؤولون الحوثيون نفوذهم وسلطتهم من ألقابهم أو الأدوار التي يضطلعون بها، بل بقربهم من عبدالملك الحوثي، الذي يعيش في مكان سري ويوصف في وسائل الإعلام الحوثية بـ”قائد الثورة”.

وعلى الرغم من أن عبدالملك الحوثي يحتل منصب زعيم الجماعة الذي لا ينازعه أحد، لا يصل إليه سوى مجموعة محدودة فقط من أتباعه. فهو يكون في قلب شبكتين: الأولى تتألف ممن أثبتوا ولاءهم له وعائلته خلال حروب صعدة (أو الحروب الست)، وينحدر معظمهم من محافظة صعدة ومن نسل الهاشميين ويشير إليهم عبدالملك باسم المجاهدين. أما الأخرى فهي مكونة من الشبكات الاجتماعية الواسعة التي أنشأها الأبناء الآخرون لبدر الدين في التسعينيات.

تُعد العائلات التي تربطها علاقة نسب مع أسرة الحوثيين مهمة أيضًا في تعيين المشرفين الرئيسيين مثل أسرة العجري، والمتوكل، والمؤيد، والطاووس، والمشاط. كما أن الانتماء إلى الأصل الهاشمي يربط الحوثيين بعشرات الأسر الأخرى، ومن أبرزها أسرة الشامي. ويشكل الانتماء المناطقي أمرًا ذي أهمية لدى الحوثيين، حيث إن معظم المشرفين الرئيسيين منحدرون من محافظة صعدة، أما من انضموا إلى الجماعة بعد بسط سيطرتها على صنعاء فقد أصبحوا يُعرفون باسم المتحوثين ويضطلعون بأدوار ثانوية من قبيل مشرفي المديريات في النطاق الجغرافي الذي ينتمون إليه.

تحظى هذه الهويات بأهمية بالغة في فض النزاعات الداخلية، التي يكون فيها عبدالملك الحوثي صاحب القول الفصل. تتربع أسرة الحوثيين، وأولئك الذي تربطهم بهم علاقة مصاهرة، في قمة الهرم، ويأتي الموالون لهم من محافظة صعدة الذين قاتلوا مع الحوثيين في بداياتهم في المرتبة الثانية، والهاشميون بشكل عام في المرتبة الثالثة. وفي حال نشوب نزاع بين هاشمي من خارج صعدة وغير هاشمي من محافظة صعدة، تكون الغلبة لغير الهاشمي المنحدر من صعدة. أما الهاشمي المنحدر من صعدة، فيتمتع بنفوذ هائل داخل الجماعة.

يُعد عبدالخالق الحوثي، شقيق عبدالملك الأصغر، الرجل الثاني في الجماعة رغم صغر سنه (حيث يُعتقد أنه ولد في أواخر ثمانينيات القرن العشرين). فبعد استيلاء الجماعة على صنعاء عام 2014، تولى عبدالخالق قيادة أكبر لواء عسكري تابع للحوثيين، يُعرف باسم قوات الاحتياط. لاحقًا في عام 2018، عُيِّن عبدالخالق قائدًا لما يُسمى “المنطقة العسكرية المركزية”، أي صنعاء ومحيطها. كما يُعد يوسف المداني، زوج ابنة حسين الحوثي، أحد أهم القادة العسكريين في الجماعة.

يشغل عبدالكريم الحوثي، عمّ عبدالملك، منصبين مهمين داخل الجماعة، هما: رئيس المكتب التنفيذي للجماعة ووزير الداخلية. كما يشغل يحيى الحوثي، الأخ الأكبر لعبدالملك، منصب وزير التربية والتعليم رغم عدم التحاقه قط بالمدارس العامة وحصوله على تعليم ديني فقط، فالتعليم هو أداة أيديولوجية مهمة لخلق الولاء للجماعة، كما أن وزارة التعليم تسيطر على جزء كبير من المساعدات الغذائية الدولية في شمالي البلاد. صار أفراد من الجيل الجديد لعائلة الحوثي يتبوؤون مناصب مهمة في الدولة، فعلي بن حسين بدر الدين الحوثي يشغل منصب وكيل وزارة الداخلية التابعة لسلطة الحوثيين.

بالنسبة للحوثيين خارج هذه النخبة الحاكمة والمعارضين لهذا الشكل من الحُكم، فيبدو أنه قد أُسكتوا. اختفى محمد عبدالعظيم الحوثي، من أبناء عمومة بدر الدين، بشكل ملحوظ عن الأنظار عام 2018 ربما بعد إبداء معارضته لقيادة عبدالملك الحوثي، رغم ظهوره هذا العام في صورة رافقت تقريرًا إخباريًا نُشر على وسائل الإعلام التابعة للحوثيين.

حكومة بنظام مُشرفين

أنشأ الحوثيون نظام المشرفين الذي يضم شبكة من الأفراد الموالين للجماعة كنظامٍ موازٍ لمؤسسات الدولة الرسمية. توزّع المشرفون التابعون للحوثيين في عموم مؤسسات الدولة إبان سيطرة الجماعة على صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014، وبات أولئك المشرفون -وليس أصحاب المناصب الحكومية الرسمية -يمسكون بزمام السلطة حسب مجالات كل منهم.

عُيِّن مشرف عام في كل محافظة، ويعمل تحت إمرته مشرفون أصغر (حسب التراتبية) في المديريات والقرى وغيرها من المناطق الصغيرة. يعمل تحت كل مشرف عام العشرات أو المئات من المشرفين وفقًا لتخصصاتهم. يجري اختيار هذا المستوى الأول من المشرفين -مشرفي العموم -مباشرة من قِبل عبدالملك الحوثي ويعملون تحت سلطة اللجنة الثورية التي يرأسها محمد الحوثي.

أول مرة يُقر فيها هذا النظام الموازي في محافظة صعدة عقب استيلاء الحوثيين عليها في مارس/آذار 2011 خلال الانتفاضة الشعبية ضد صالح. في سبتمبر/أيلول 2014، شرعت الجماعة بنشر مسلحيها في جميع شوارع العاصمة صنعاء عقب السيطرة عليها في شكل لجان أمنية. تبع ذلك توزيع رجال مسلحين آخرين يحملون لقب “مشرفين” في مختلف الوزارات بدعوى مكافحة الفساد.

بعد شهر واحد من استقالة الرئيس عبدربه منصور هادي ورئيس الوزراء خالد بحاح في يناير/ كانون الثاني 2015، أصدر الحوثيون إعلانًا دستوريًا ينص على تشكيل لجان ثورية لتنظيم عمل المشرفين. ضغط الرئيس الأسبق صالح، الذي تحالف مع الحوثيين بعد تنحيه عن منصبه عام 2012، على الحوثيين لإلغاء هذه اللجان. وبالفعل وافق الحوثيون على ذلك في أغسطس/آب 2016، إلا أنهم استمروا من الناحية العملية في إدارة نظامهم الخاص وكثفوا من استخدامهم للجان عقب اغتيال صالح في ديسمبر/كانون الأول 2017.

يحظى الفرد من أسرة الحوثي ممن يتمتع بنفوذ حقيقي بفرصة تبوء منصب الرجل الأول في الوزارة، مثل وزير التربية والتعليم يحيى الحوثي، أو تبوء منصب الرجل الثاني في الوزارة، مثل حسين العزي، نائب وزير الخارجية هشام شرف. فإبقاء أشخاص مثل شرف في مناصبهم يمكن أن يمثل واجهة تكنوقراطية يتوارى من خلفها الأشخاص الذين يتمتعون بالسلطة الحقيقية -المشرفون الحوثيون ممن لديهم خبرة متواضعة أو معدومة في مجال معين.

قد يحدث هذا حتى إن عُيِّن الرجل الأول من قِبل الحوثيين. فالرئيس الحالي في صنعاء هو مهدي المشاط، ويقف من ورائه مدير مكتبه، أحمد حامد، الذي يطلق عليه اليمنيون اسم “رئيس الرئيس“. المشاط وبصفته عضوًا سابقًا في فريق التفاوض الحوثي الذي شُكل بعد استيلاء الجماعة على صنعاء عام 2014، يُعد فعليًا واجهة للدولة الحوثية كرئيس للمجلس السياسي الأعلى، في حين أن حامد شخصية صعبة المراس يُفضل العمل معها في الظل.

أنشأ الحوثيون، في بعض الحالات وإن كانت محدودة، مؤسسات جديدة مثل الهيئة العامة للزكاة، التي حلّت محل الإدارة العامة للواجبات الزكوية التي كانت قائمة قبل اندلاع الحرب بموظفين جدد وهيكل جديد. كما أنشأوا الهيئة العامة للأوقاف لتحل محل وزارة الأوقاف والإرشاد. يضطلع مكتب عبدالملك الحوثي نفسه بالتعامل مع كل من إيرادات الزكاة والأوقاف، عوضًا عن أي وزارة حكومية.

كما أنشأت الجماعة المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية والتعاون الدولي (سكمشا أو SCMCHA) لإدارة المنظمات غير الحكومية والمساعدات الإنسانية. وقد أُنشئت هذه المؤسسات الجديدة في المجالات التي تتوفر فيها مصادر دخل كبيرة لحكومة الحوثيين.

مهام المشرفين

لكل محافظة مشرف عام، يعمل تحت إمرته العشرات أو المئات أحيانًا من المشرفين الصغار، الذين ينقسمون إلى خمس فئات.

الفئة الأولى هي المشرف الأمني، المسؤول عن استشعار بوادر أي معارضة أو حتى استياء تجاه سلطة الحوثيين. في الغالب لا يُفصح عن أسماء هذه الشخصيات للعامة، ويُشار إليها بالكنية مثل “أبو حسن” ويتوارى بعضهم عن الأنظار تمامًا. في عام 2017 مثلًا، أُعلن عن مقتل عضو اللجنة الأمنية العليا طه المداني بعد عام ونصف من اختفائه إثر غارة جوية للتحالف. واختفى سلطان زابن، مدير إدارة البحث الجنائي، بعد فرض الأمم المتحدة عقوبات عليه لتورطه في ارتكاب التعذيب والعنف الجنسي، لتعلن وسائل الإعلام الحوثية وفاته في أبريل/ نيسان 2021.

يعمل المشرف الأمني ضمن الأجهزة الأمنية الثلاثة التي تعمل جميعًا تحت مظلة وزارة الداخلية. وأولها جهاز الأمن الوقائي وهو جهاز استخباراتي مكلف بمراقبة المقاتلين الحوثيين لمنعهم من الفرار ومعاقبة أي مسؤول حوثي متورط في أنشطة تخريبية. وثانيها جهاز الأمن والمخابرات وهو الكيان الذي تمخض عن اندماج جهازي الاستخبارات الرسميين. وثالثها الزينبيات وهو جهاز استخباراتي خاص بالنساء وتقع ضمن نطاق مسؤولياته مراقبة واعتقال النساء والإشراف على سجون النساء.

الفئة الثانية هم المشرفون الماليون المسؤولون عن تحصيل الضرائب والزكاة. أما الفئة الثالثة فهم المشرفون الاجتماعيون الذين يتعاملون مع مختلف الفاعلين الاجتماعيين مثل زعماء القبائل وعقال الحارات. تُعرف الفئتان الرابعة والخامسة بالمشرفين الثقافيين والمشرفين التربويين على التوالي، والذين تتعلق مهامهم المتداخلة بنشر الحملة الدعائية لجماعة الحوثيين. على سبيل المثال، يتولى المشرف التربوي الإشراف على المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى، بينما يقوم المشرف الثقافي بتنظيم العديد من الفعاليات الحوثية، مثل إحياء ذكرى وفاة حسين الحوثي عام 2004. يتقاضى المشرفون رواتبهم الشهرية من مكتب عبدالملك الحوثي، لكن من المعروف أيضًا أنهم يجمعون الجبايات من المجتمعات المحلية الواقعة في دائرة مسؤولياتهم.

من خلال نظام المشرفين، حوّل قادة الحوثيين السلطة إلى نظام مركزي وهمشوا الجهات الفاعلة التقليدية في المجتمع اليمني. ففي السابق لعب زعماء القبائل وعقال الحارات أدوارًا مهمة في خدمة مجتمعاتهم باعتبارهم شخصيات جرى اختيارهم في إطار آليات متبعة داخل تلك المجتمعات، بينما جاءت مركزية السلطة التي انتهجها الحوثيون، وهي سمة عامة للدولة الحديثة، لتتنافى مع الأنماط التقليدية للحكم في اليمن.

بحسب عادل دشيلة، الباحث في شؤون القبائل اليمنية، تُركت معظم المناطق القبلية الشمالية متخلفة عن الركب في العصر الحديث حيث كان انخراط الدولة محدودًا. استخدم الرئيس السابق صالح سياسة فرّق تسُد لكسب ولاء زعماء القبائل، مع تمكين الشخصيات ذات المكانة الاجتماعية الأدنى لإضعاف العناصر الفاعلة الحقيقية. طبقت جماعة الحوثيين نفس الاستراتيجية، ولكن على نطاق أوسع، حيث استخدمت أساليب مختلفة لإخضاع الشيوخ المتمردين، إلى حد تدمير منازلهم في بعض الأحيان.

أما بالنسبة عقال الحارات، فقد كان دورهم التقليدي يتمثل في كونهم وسيط بين السكان والحكومة لفض الخلافات المحلية، إلى أن أُعيد صياغة مهامهم في ظل حكم الحوثيين، لتتركز على جمع المعلومات عن السكان ورفعها إلى المشرفين الاجتماعيين المسؤولين عنهم. يرفع العقال أسماء الشباب الذين يُحتمل استدعاؤهم للقتال، كما يقومون بتوزيع المساعدات الإنسانية على الأسر، مع إعطاء الأولوية لأولئك الذين يظهرون ولاءهم للجماعة عبر جمع الأموال من المجتمع أو المساعدة في تجنيد المقاتلين. كما يُطلب من العقال التأكد من حضور الشباب للفعاليات الثقافية الرامية إلى غرس أيديولوجية النظام.

يعكس هذا النظام شديد المركزية مفهوم الحوثيين عن السلطة باعتبارها نابعة من شخص لا يحتاج من الناحية النظرية إلى بناء علاقات مع المجتمعات المحلية المختلفة كونه حاكم مطلق مستند على شرعية إلهية. إلا أن هذا النهج يهدد بفشل الجماعة في تلبية الاحتياجات المتعددة لشرائح المجتمع اليمني المعقد بطبيعته وقد يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى إثارة رد فعل مضاد إذا شعر أولئك الذين لا ينتمون إلى دائرة السلطة الحوثية بأنهم محرومون من الغذاء والدواء وكذلك من التعبير عن أنفسهم ومصالحهم اجتماعيًا. كما أن هذه الأيديولوجية تخاطر بالوقوف في مواجهة مع التقاليد الأسرية والقبلية وغيرها من الروابط الاجتماعية الموجودة مسبقًا، لا سيما من خلال استخدامها للعنف. وهذا يثير احتمال حدوث رد فعل عنيف ضد الحكم الاستبدادي لا سيما في مجتمع يسود فيه حمل السلاح كالمجتمع اليمني.

اقتصاد الحوثيين

يعيش أكثر من نصف سكان اليمن في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين التي تعاني من نقص الموارد الطبيعية المدرة للدخل. ومع ذلك، تساوي الضرائب التي يجمعها الحوثيون في هذه المناطق، والمقدرة بنحو 1.8 مليار دولار سنويًا، الإيرادات الضريبية السنوية التي كان يجري جمعها خلال السنوات الأخيرة من نظام صالح، حسب ما أفاد به خبير اقتصادي يمني، مع الأخذ بعين الاعتبار أن نظام صالح كان يسيطر بطبيعة الحال على عموم البلاد وليس على شطر واحد منها فقط.

ونوّه الخبير الاقتصادي، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إلى أن تركيز الحوثيين ينصب على الضرائب كمصدر رئيسي للدخل، حيث طالبوا البنوك والشركات الكبرى بالكشف عن كامل حساباتها الضريبية التي تعود لأول سنة لها في الخدمة، أي غالبًا قبل وقت طويل من تولي جماعة الحوثيين زمام الأمور، وألزمت الجماعة هذه المؤسسات بدفع أي ضرائب لم تسدد خلال سنوات حكم صالح.

فضلًا عن ذلك، أصبحت الزكاة ضريبة إلزامية وليست واجبًا دينيًا طوعيًا، حيث تحرص حكومة الحوثيين على تحصيل الزكاة خلال شهر رمضان لأن خوف التجار من الوقوع تحت طائلة عقوبات الدولة خلال هذه الفترة، التي تُعد أكثر موسم لجني الأرباح على مدار العام، تجعلهم مكرهين على الدفع تجنبًا للجدال العقيم. وعلى هذا الأساس أصبحت الزكاة التي يجري تحصيلها في رمضان مصدر توتر بين السلطات والغرف التجارية.

طبقت إدارة الحوثيين عمليًا معيارًا جديدًا للكفاءة الضريبية تزامنًا مع استحداث نظام الازدواج الضريبي. على وجه الخصوص، ساعدت الضرائب المحصلة من القطاع الخاص في تمويل المجهود الحربي للحوثيين، عوضًا عن توجيه هذه الأموال لدفع مرتبات موظفي القطاع العام.

كما ابتدعت حكومة الحوثيين وسائل لجمع الأموال لإقامة جملة من الاحتفالات الشعبية المدعومة من الدولة مثل المولد النبوي، وذكرى انطلاق الحملة العسكرية للتحالف، وعاشوراء الذي يُحيي الحوثيون فيه ذكرى استشهاد الحسين بن علي (حفيد النبي محمد)، ويوم القدس، فضلًا عن جمع التبرعات بطرق مرتجلة لدعم قضايا سياسية. بصفة عامة، يعمل نظام الجباية هذا كآلة جمع أموال على مدار العام دون استثناء فئة معينة، سواء الأغنياء ذو السطوة إلى الباعة المتجولين وصغار المزارعين.

في الوقت نفسه، غالبًا ما تتجاهل حكومة الحوثيين في دفع الرواتب والحفاظ على الخدمات العامة. فلم يحصل موظفو الدولة عادة إلا على نصف مرتباتهم الشهرية، على فترات غير منتظمة، وهو إجراء تبرره سلطات الجماعة كنتيجة لاستقطاع الزكاة. كما شُهد إهمال في توفير خدمات مثل الماء والكهرباء وصيانة الطرق. يُعزو الحوثيون التأخير في دفع الرواتب وتخفيضها وسوء الخدمات العامة إلى التحديات الناجمة عن الحرب والحصار الاقتصادي المفروض (انظر، على سبيل المثال، الخطاب الذي ألقاه عبدالملك الحوثي في 17 يونيو/حزيران). رغم ذلك، ارتفعت أسعار العقارات في صنعاء خلال فترة الحرب، مع ظهور معظم المشترين من فئة اليمنيين الموالين للحوثيين الذين بدا أنهم أصبحوا أكثر ثراء. يُعد الاستثمار في سوق العقارات خطوة جيدة في ظل تدهور سعر العملة الوطنية، فمثل هذه الصفقات يمكن أن توفر ستارًا لعمليات غسيل الأموال وتحويلها إلى خارج البلد.

ساهمت ثقافة الفساد وغياب المساءلة في استشراء هذه الأنشطة، لا سيما بين المشرفين الحوثيين، بسبب القضاء على مساحة ممارسة النشاط السياسي وعلى وسائل الإعلام المستقلة التي كانت موجودة قبل حُكم الحوثيين، حتى لو لم تخلُ من بعض القيود. جملة القول، ساهمت السياسة الاقتصادية للحوثيين في ارتفاع معدلات الفقر، وخلق طبقة من الأثرياء المتربحين من الحرب، وتوسيع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وهي العوامل ذاتها التي لعبت دورًا في تأجيج الانتفاضة الشعبية ضد نظام صالح.

سيناريوهات ما بعد الحرب

في أعقاب الاستيلاء على صنعاء، جرى التوقيع على اتفاق السلم والشراكة الوطنية في سبتمبر/ أيلول 2014 بين الحوثيين وأحزاب سياسية أخرى لتشكيل حكومة كفاءات مقابل انسحاب القوات الحوثية، إلا أن تلك القوات ظلت في مكانها بمجرد تشكيل الحكومة. في الأشهر الأولى من توقيع الاتفاق، اشتكى رئيس الوزراء خالد بحاح من تدخل المشرفين الحوثيين في أعمال الوزارات وتصرفهم كسلطة عليا، وبات إحداث تغيير الآن مسألة صعبة بعد ترسيخ الحوثيين حُكمهم على مدى أكثر من سبع سنوات من الحرب. توخت معظم مقترحات السلام التي طُرحت بعد اتفاق السلم والشراكة شكلًا من أشكال تقاسم السلطة، لكن يبدو أن جماعة الحوثيين مصممة على إبقاء مشرفيها، وسيكون إدماجهم رسميًا في مؤسسات الدولة أمرًا صعبًا بسبب عددهم الهائل وافتقارهم إلى المؤهلات التعليمية.

يظل التأثير الخارجي لإقناع الحوثيين بالرضوخ محدودًا بحكم علاقاتهم السياسية والاقتصادية المحدودة مع الخارج. كما لم تُحدث العقوبات الأمريكية والعقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على العديد من المسؤولين الحوثيين، بما في ذلك تجميد حساباتهم المصرفية، تأثيرًا يذكر في ظل عدم سفر شخصيات مثل عبدالملك الحوثي أو أبو علي الحاكم -قيادي عسكري بارز في الجماعة -إلى الخارج وعدم امتلاكهم حسابات مصرفية في بنوك غربية. فالحوثيون لا تربطهم سوى علاقات عسكرية واستخباراتية مع إيران.

لقد فقدت الجماعة منذ أمد طويل همّة الحركة الشعبوية التي كانت تكافح الفساد إبان استيلائها على السلطة لأول مرة. فالنهج المناطقي والطائفي الذي تنتهجه الجماعة يحد بشكل كبير من قبول المناطق الأخرى في اليمن حُكم الجماعة، حتى في أوساط المجتمعات التي ترفض التدخل العسكري والسياسي السعودي -الإماراتي. لقد مكنت الحرب جماعة الحوثيين من تشديد قبضتها على المجتمع كما مكنتهم من استنباط ثقافة أيديولوجية خاصة بها تتعارض مع التقاليد اليمنية، بل وفوق ذلك كله خلقت طبقة من المتربحين من الحرب.

كان الفساد والكسب غير المشروع سببين رئيسيين في ظهور الاستياء الشعبي الذي حاق بنظام الرئيس علي عبدالله صالح وخليفته عبدربه هادي. سيواجه الحوثيون تحديات جديدة حين تنتهي هذه الحرب، ولن تكون هناك ذرائع أخرى لتبرير الفساد والحكم السيئ والقمع الوحشي وتعدد الضرائب المفروضة التي اتسم بها الحُكم الحوثي. فكل هذه الظواهر خلقت هوة شاسعة بين حكمهم والمجتمع، وغضبًا صامتًا ضدهم سيكون من باب الحكمة ألا يتجاهلوه.


هذا التحليل هو جزء من سلسلة إصدارات ينتجها مركز صنعاء بتمويل من الحكومة الهولندية. تستكشف السلسلة قضايا تدور حول مواضيع اقتصادية وسياسية وبيئية، بهدف إثراء النقاشات وصنع السياسات المتعلقة باليمن والتي تصب لصالح تعزيز السلام المستدام. الآراء المعبر عنها في الورقة لا تعكس آراء مركز صنعاء أو الحكومة الهولندية.