إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

افتتاحية مركز صنعاء

على الأرجح، سيدون التاريخ اتفاق الرياض كلحظة غيرت قواعد لعبة الصراع الدائر في اليمن. ما ليس مؤكداَ بعد هو كيف ستتغير بالضبط هذه القواعد، فالاتفاق الذي وقع في 5 نوفمبر بالعاصمة السعودية قد يعني أنه للمرة الأولى منذ بدء الحرب يمكن أن تتوحد القوات المختلفة التي تشكل التحالف المناهض للحوثيين تحت قيادة وسيطرة واحدة، وأنه سيكون هناك دولة واحدة أقل داخل الدولة في اليمن.

الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي الداعي للانفصال كانا على خلاف منذ تأسس الأخير في مايو 2017، وفي الآونة الأخيرة تصاعدت حدة التوترات بين الداعمين الرئيسيين لهذه الأطراف اليمنية، أي السعودية التي تدعم القوات الحكومية والإمارات العربية المتحدة التي تدعم القوات التابعة للمجلس. يسعى اتفاق الرياض إلى إنهاء هذه الخلافات: فهو يضع خطوات عسكرية وسياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي لكي يتم ادماجه في الحكومة اليمنية. تم توقيع الاتفاق بين حكومة اليمن والمجلس الانتقالي، ولكن بنود الاتفاق أيضاً تمهد الطريق لكل القوات العسكرية والأمنية الأخرى في جنوب اليمن لتنضوي تحت قيادة السعودية، وبالتالي، سيؤدي هذا الاتفاق إلى تخلي الإمارات العربية المتحدة عن سيطرتها على العديد من الميليشيات التي جندتها ودربتها وسلحتها ومولتها منذ دخولها الحرب في 2015 كشريك رئيسي في التحالف الذي تقوده السعودية والذي شكل تدخلا عسكريا إقليميا في اليمن.

إن إعادة تشكيل الحكومة اليمنية وإخضاعها الواضح للإشراف السعودي المباشر، قد يعني أن قرارات الرئيس عبد ربه منصور هادي لن تملى بعد الآن عن طريق أبنائه أو حليفه السياسي، حزب الإصلاح اليمني، وذلك بفضل اتفاق الرياض. لقد وافق هادي والمجلس الانتقالي الجنوبي على خضوع جميع الإجراءات الحكومية الأساسية للسعودية، وفي انعطافة مفاجئة، وافق المجلس الانتقالي الجنوبي أن ينضوي تحت ترتيب يؤيد صراحة دولة يمنية موحدة. هذه الخطوة تفتح الباب أمام ممثلي المجلس لحضور أي محادثات سلام تقودها الأمم المتحدة في المستقبل لإنهاء الحرب الأوسع نطاقًا، وهكذا كسب المجلس الانتقالي الجنوبي مكانته في الحكومة واعترف به دولياً بعد شنه انقلابا على الحكومة اليمنية بعدن في أغسطس الماضي، وهذا مثال آخر لتطبيع العنف كوسيلة لتحقيق غايات سياسية.

من وجهة نظر فض نزاعات بحتة، فإن وجود ممثلين عن أكبر عدد من المتحاربين الرئيسيين على الطاولة يعد خبراً ساراً. في الماضي، حتى عندما كان المبعوث الخاص للأمم المتحدة مارتن غريفيث يتوصل إلى اتفاق بين الأطراف المتحاربة، كانت المجموعات الجنوبية الكبيرة التي لم تكن ممثلة في المحادثات لا تشعر أنها ملزمة بالاتفاق مما قوض فعالية الاتفاق على الأرض.

الآن وبعد أن توحد الجانب المناهض للحوثيين، على ما يبدو، تحت الرعاية السعودية، وسواءً كان هذا للأفضل أو للأسوأ، فإن الرياض أصبحت الآن مسؤولة عما يحدث وعما لن يحدث في جنوب اليمن. ومع أن هذا غير منصوص عليه في الاتفاق، يبدو أن الهرمية الجديدة التي يتصورها الاتفاق ستكون برئاسة نائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، الذي تولى بصمت مسؤولية الملف اليمني من شقيقه محمد بن سلمان، ولي العهد ووزير الدفاع مؤخراً. كان هذا ملحوظًا في الاجتماعات التي عقدها خالد بن سلمان خلال الأشهر التي سبقت توقيع اتفاق الرياض مع ولي عهد الإمارات العربية المتحدة، والرئيس اليمني وقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، والمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن وآخرين.

في الواقع، وفي أعقاب الهجمات على منشآت أرامكو السعودية في سبتمبر، كان خالد بن سلمان هو من اتخذ موقعًا بارزًا للرياض في محادثات القنوات الخلفية مع جماعة الحوثيين المسلحة بهدف التوصل لتهدئة عسكرية. لا شك أن الأمير البالغ من العمر 31 عامًا سيدفع باتجاه إنجاح الاتفاقية لإثبات أنه جدير بالحكم في نظر الملك سلمان، والأخص في نظر شقيقه محمد الذي سيصبح ملكًا قريبًا وبالتالي سيبحث عن ولي عهد جديد. إن مصالح خالد بن سلمان الشخصية المرتبطة بنجاح الاتفاقية ومحادثات القنوات الخلفية بينه وبين الحوثيين التي بدأت في سبتمبر، كما ذكر مركز صنعاء حينها، قد تعزز المصفوفة اللازمة لعملية سلام أوسع في اليمن تشمل جميع الأطراف، وهذا قد يسمح للسعودية باستعادة مكانتها التي حظيت بها عام 2011 في أعقاب الانتفاضة اليمنية، وما خسرته عام 2015 مع بدء تدخلها العسكري في اليمن، من القدرة على أن تكون مظلة للجميع لرعاية اتفاق سلام في البلد.

إن أسوأ سيناريو لاتفاق الرياض هو أن يتحول إلى حفل زفاف جماعي حيث لا أحد متأكد تمامًا من سيتزوج من، وهذا عامل لإعادة إنتاج عنه الفوضى. إن ضخامة الإصلاحات العسكرية والسياسية الشاملة التي يدعو إليها الاتفاق، والغموض حول التفاصيل المتعلقة بكيفية إجراء هذه الإصلاحات والإطار الزمني المفرط التفاؤل الذي ينبغي تنفيذ هذه الإصلاحات خلاله، يدعو للتساؤل عما إذا كان أي شيء ممكنًا غير الفوضى. حتى لو كانت الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي قد دخلا في الاتفاق بروح التعاون وحسن النية – وهذا ما لا يتمتعان به حاليا بكل تأكيد – فإن تنفيذ الاتفاق سيكون محفوفًا بالتحديات، خاصةً مع العملية التي تقودها بيروقراطية سعودية معروف عنها الغرور والبطء. لا يجب أن ننسى أن السعودية بدأت مغامرتها العسكرية في اليمن زاعمةً أن الحرب ستنتهي في غضون أسابيع؛ والآن، وبعد خمس سنوات تقريباً، أصبح غياب البصيرة حين قيلت هذه الكلمات واضحًا بشكل مؤلم.

توفرت العديد من الفرص الضائعة التي كان يمكن أن تفضي لاتفاق مثل اتفاق الرياض لتوحيد الطرف المناهض للحوثيين: مثلاً في يوليو 2015 عندما حرر التحالف والقوات المحلية عدن من سيطرة الحوثيين؛ أو عندما أقال هادي عيدروس الزبيدي، محافظ عدن، في أبريل 2017 وقبل قيام الزبيدي بتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، أو عندما هزمت القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي الحكومة اليمنية لأول مرة بعدن في يناير 2018، أو عندما تدخلت الرياض وأبوظبي لحل التوترات بين الطرفين. بالتالي، وفي أحسن الأحوال، ينبغي التعامل مع اتفاق الرياض الحالي بتفاؤل حذر.

لكي ينجح الاتفاق، لا يمكن للسعودية مقاربته كغاية بذاتها، ولكن كجزء من جهد أكبر لإعادة تشكيل الحكومة اليمنية، وإنهاء النزاع وتحقيق الاستقرار في جارتها الجنوبية. هناك ثلاث خطوات لإظهار جدية أكبر في التعامل مع الاتفاق: 1) توفير أموال وموارد كافية للمساعدة في إصلاح شؤون الحكومة اليمنية المالية وممارساتها الاقتصادية، بدلاً من مجرد صرف الأموال على المشكلات فقط عندما تصل حد الهاوية؛ 2) إعادة فتح مطار صنعاء لتسيير رحلات تجارية، بدءاً برحلات الإجلاء الطبي لمن يعانون من حالات طارئة ؛ 3) التوقف عن ترحيل مئات الآلاف من العمال اليمنيين كجزء من أهداف رؤية السعودية 2030 – الرامية إلى “سعودة” القوى العاملة – إذ أن فقدان اليمن لهذه التحويلات المالية في السنوات القادمة، والتي تعد حالياً أكبر مصدر للعملة الأجنبية في البلاد، سوف يسبب معاناة لا مثيل لها وسيعيد، من دون أدنى شك، إشعال الصراع وعدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

مهما كانت نتيجة اتفاق الرياض، سيتذكر التاريخ أن قادة الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، على حد سواء، ابتسموا للكاميرات واحتفلوا باتفاق الرياض باعتباره انتصارًا. هؤلاء الرجال الذين يشجبون الحوثيين باعتبارهم وكلاء لإيران، كانوا يبتسمون أمام الكاميرات وهم يحتفلون بالتوقيع على تسليم سيادة بلادهم وشرعيتهم وسلطتهم لقوة أجنبية.

 


ظهرت هذه الافتتاحية في التقرير الشهري “الرياض تستجمع قواها“، أكتوبر / تشرين الأول 2019 

 

افتتاحيات مركز صنعاء السابقة:

مشاركة