الهجوم على مطار صنعاء: قراءة خبراء مركز صنعاء
في 13 يوليو، أفادت تقارير بأن القوات الحكومية اليمنية، بدعم من التحالف الذي تقوده السعودية، نفذت غارات جوية استهدفت مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، ما أجبرها على تحويل مسارها إلى الحديدة. سرعان ما رد الحوثيون بشن هجمات على مطار أبها جنوبي السعودية، فيما مثّل أخطر تصعيد بين السعودية والحوثيين منذ هدنة عام 2022.
جاءت شرارة المواجهة في 3 يوليو، عندما نقلت طائرة إيرانية وفدًا حوثيًا من مطار صنعاء إلى مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي، دون الحصول على تصريح من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وأدانت الحكومة الرحلة باعتبارها انتهاكًا لسيادتها، مشيرة الى أن مطار صنعاء – الذي أعيد افتتاحه لرحلات تجارية محدودة بموجب هدنة عام 2022، قبل أن يُغلق مجددًا عقب الغارات الجوية الإسرائيلية المتكررة – لم يكن مصرحًا له بتسيير رحلات إلى إيران. بالمقابل، توعد الحوثيون بإنهاء ما يصفونه بـ”الحصار” المفروض على مجالهم الجوي.
رغم عرض الحكومة اليمنية تسهيل عودة الوفد عبر شركة طيران غير إيرانية، اختار الوفد الحوثي التنسيق مباشرة مع طهران والعودة على متن طائرة مدنية إيرانية تشغلها شركة ماهان إير، التي أدرجتها وزارة الخزانة الأمريكية على قائمة العقوبات عام 2011، على خلفية صلاتها بالحرس الثوري الإيراني، وقيامها، بحسب الوزارة، باستخدام رحلاتها “لنقل عناصر وأسلحة وأموال سرًا”.
جاءت هذه المواجهة في ظل توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو، وعقب توقيعها، كثف الحوثيون دعواتهم إلى التنفيذ الفوري لخارطة الطريق المدعومة من الأمم المتحدة، والتي أُعلن عنها في ديسمبر 2023. إلا أن مذكرة التفاهم نفسها باتت مهددة حاليا، في ظل استمرار التصعيد العسكري المتبادل بين إيران والولايات المتحدة.
يستعرض التحليل التالي رؤى عدد من خبراء مركز صنعاء بشأن دلالات هذه التطورات وما قد تفضي إليه من تداعيات.
من خلال تفعيل الجبهة اليمنية، تؤكد طهران مجددًا القيمة الاستراتيجية لأداة الضغط تلك، وتبعث برسالة مفادها أن استهداف إيران يمكن أن يترتب عليه أثمان في ساحات أخرى، ولا سيما بالنسبة للسعودية ودول الخليج.
ينبغي النظر إلى قضية رحلة طيران ماهان إير بوصفها تصعيدًا إيرانيًا نُفذ عبر الساحة اليمنية؛ فمن منظور طهران، وفرّ الخلاف حول الوصول إلى المجال الجوي اليمني فرصة حاسمة لاستعادة البعد الجنوبي لعقيدة “الدفاع الأمامي”؛ وهي استراتيجية تهدف إلى إبقاء الصراع خارج الحدود الإيرانية، إلا أن مصداقيتها تعرضت لاهتزاز كبير بعدما واجهت إيران هجمات مباشرة خلال الحرب. رغم أن الحوثيين أصبحوا منذ ذلك الحين منخرطين في الحرب الإقليمية الأوسع وفي المواجهة مع إسرائيل، فإنهم ما يزالون يشكلون، في المقام الأول، الطليعة الجنوبية لاستراتيجية الدفاع الأمامي الإيرانية، فيما تمثل السعودية وباب المندب نقطتي الضغط الرئيسيتين فيها.
جاءت هذه الحادثة مباشرة بعد الضربات الإيرانية التي استهدفت الأردن وعددًا من دول الخليج في 12 يوليو، والتي استُبعدت منها السعودية بصورة لافتة، ويُعد التصعيد اللاحق بين الحوثيين والسعودية، والذي شمل استهداف مطار صنعاء وما أعقبه من ضربات انتقامية للحوثيين على مطار أبها، جزءًا من الحملة التصعيدية الأوسع التي تنتهجها طهران.
أدى توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو، إلى رفع سقف التوقعات في كلٍّ من طهران وصنعاء، حيث اعتبرت إيران الاتفاق نجاحًا دبلوماسيًا، ورأت أنها خرجت منتصرة بعد أن واجهت تهديدًا وجوديًا. مع ذلك، لا تزال طهران تنظر إلى الولايات المتحدة بعين الريبة العميقة، وتعتبر الاتفاق مجرد توقف مؤقت يسبق جولة جديدة من الحملة العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية، وقد رفض قادتها منذ وقت طويل فكرة التفاوض تحت وطأة الضغوط العسكرية، إذ يتمثل هدفهم في الاحتفاظ بزمام المبادرة، وصياغة شروط أي مفاوضات لاحقة، وضمان أن تكون أي ضغوط تُمارس على إيران مصحوبة بكلفة إقليمية.
تعزز الضربات التي استهدفت الأردن ودول الخليج استراتيجية إيران الرامية إلى ممارسة الضغط على جيرانها، بما فيهم الدول التي حافظت على علاقات عملية معها، مثل عُمان وقطر، وقد ترتب على هذا النهج كلفة دبلوماسية محدودة في السابق، وهو ما يتضح من بقاء الضربات الإيرانية ضد جيرانها منفصلة عن مسار المفاوضات مع واشنطن، كما أن معظم دول الخليج قدمت التعازي في وفاة خامنئي وبعثت وفودًا للمشاركة في مراسم تشييعه، ومن ثم، قد ترى طهران في التصعيد الإقليمي وسيلة فعالة ومنخفضة الكلفة لدفع دول الخليج إلى ممارسة ضغوط على واشنطن للعودة إلى مسار خفض التصعيد.
يحتل الحوثيون موقعًا محوريًا في هذه الحسابات، فدورهم الأساسي ضمن “محور المقاومة” يتمثل في مواجهة السعودية، وتشكيل الحزام الجنوبي الحامي لإيران، ومن خلال تفعيل الجبهة اليمنية، تؤكد طهران مجددًا القيمة الاستراتيجية لهذه الورقة الضاغطة، وتبعث برسالة مفادها أن استهداف إيران يمكن أن تترتب عليه أثمان في ساحات أخرى، ولا سيما بالنسبة للسعودية ودول الخليج.
لقد رفعت مذكرة التفاهم سقف التنازلات التي يعتقد الحوثيون أن بإمكانهم مطالبة السعودية بها في إطار خارطة الطريق المتعثرة، فهم يرون أنهم أبدوا ضبط النفس تجاه الرياض في مسألتين أساسيتين: خلال الحرب مع إيران، وعندما أُغلق مضيق هرمز، أصبح ميناء ينبع شريانًا حيويًا للسعودية ولدول الخليج، ومع ذلك امتنع الحوثيون عن خنق الملاحة في باب المندب أو استهداف الميناء؛ كما سمحوا للسعودية بالمضي في إعادة ترتيب أوضاعها في جنوب اليمن، عقب انسحاب الإمارات، دون تدخل منهم. من منظور الحوثيين، فإن هذا السلوك يمنحهم حق المطالبة بمكاسب سياسية كبيرة من السعودية، تشمل تخفيف العقوبات، وإحراز تقدم في تنفيذ خارطة الطريق، والحصول على أكبر قدر ممكن من التنازلات، وقد عززت موافقة الولايات المتحدة على رفع العقوبات عن إيران والإفراج عن أموالها اعتقاد الحوثيين بأن الحصول على تنازلات مماثلة لصالحهم بات أمرًا ممكنًا.
اتخذت الحكومة اليمنية موقفًا أكثر حزمًا مما فعلته في السابق، إذ صعّدت خطابها، وفعّلت القنوات متعددة الأطراف، ونفذت، بدعم سعودي، ضربة استهدفت مطار صنعاء. مع ذلك، لا تزال النظرة إليها على نطاق واسع بوصفها حكومة محدودة الخيارات. بالنسبة لكثير من اليمنيين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، ستُسجل قضية الطائرة باعتبارها مثالًا على مناورة سياسية نفذها الحوثيون بعناية، فالحوثيون يدركون جيدًا قيمة مثل هذه الاستعراضات السياسية، ولا يزالون يتمتعون بقدرة عالية على استثمارها.
من المرجح أن تتعرض الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لضغوط لإثبات قدرتها على الفعل، مع تجنب اتخاذ خطوات قد توسع دائرة المواجهة، ولا سيما إذا ظلت السعودية غير راغبة في الانخراط بحملة عسكرية طويلة الأمد. ستعتمد مساحة المناورة المتاحة للحكومة على مستوى التنسيق السياسي مع الرياض، وقدرتها على ضبط ردود فعلها، وتمكنها من مجابهة الرواية الحوثية دون الانزلاق إلى مواجهة لا تستطيع خوضها بمفردها.
يبقى السؤال المباشر هو ما إذا كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أُطلقت باتجاه أبها تمثل الحد الذي سيقف عنده هذا التصعيد، أم أنها الخطوة الأولى على سلّم تصعيد أوسع. يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في اتساع تدريجي للهجمات التي تستهدف الأصول السعودية والخليجية، مع بقاء احتمال تحريك الجبهات الداخلية في اليمن قائمًا، ومن شأن هذا التصعيد، إذا تزامن مع تحركات داخلية، أن يرفع بدرجة كبيرة من مخاطر اندلاع حرب شاملة مجددًا، وأن يجر السعودية إلى انشغال تسعى جاهدة لتجنبه. في هذا السياق، يظل باب المندب الورقة الأعلى قيمة في يد كل من الحوثيين وطهران؛ إذ تزداد قيمته كورقة تهديد أكثر من كونه ورقة للاستخدام الفعلي، أما إغلاقه، ولا سيما إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، فسيشكل التصعيد الإقليمي الأشد أثرًا الذي يمكنهما الإقدام عليه.
إن رد الحوثيين على استهداف مطار صنعاء – من خلال مهاجمة مطار أبها الإقليمي بدلًا من الرياض – يشير إلى أن أولويتهم في الوقت الراهن ليست إعادة إشعال حرب شاملة، بل ممارسة الضغط على السعودية لتنفيذ التنازلات السياسية والاقتصادية الواردة في خارطة الطريق.
على الرغم من أن التصعيد الأخير في اليمن جاء نتيجة وصول طائرتين إيرانيتين غير مصرح لهما إلى مطارات خاضعة لسيطرة الحوثيين، فإن المحفز الحقيقي لهذا التصعيد يكمن في مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو، وفي السياق الإقليمي الأوسع؛ فمنذ توقيع المذكرة، كثفت وسائل الإعلام الحوثية خطابها المناهض للسعودية، مطالبةً بالتنفيذ الفوري لخارطة الطريق والوفاء بالتنازلات السياسية والمالية التي تتوقع الجماعة الحصول عليها من الرياض.
تنظر إيران وحلفاؤها إلى مذكرة التفاهم باعتبارها انتصارًا سياسيًا حاسمًا، فقد استجاب البند الأول منها لأحد أبرز مطالب طهران، من خلال الربط الصريح بين وقف إطلاق النار الثنائي بين الولايات المتحدة وإيران وبين وقف العمليات العسكرية في لبنان. نتيجة لذلك، حظي الشعار الإيراني القائم على “وحدة الجبهات”، الذي يؤكد التضامن والدفاع المتبادل بين أطراف المحور، بقدر أكبر من الاعتراف، حتى من جانب خصومه. استنادًا إلى هذا الإنجاز المتصور، سعى الحوثيون إلى استثمار هذا الزخم لتعزيز نفوذهم السياسي، سواء على الصعيد الداخلي أو الإقليمي، كما يمثل هذا التصعيد وسيلة فعالة لحشد التأييد الداخلي وصرف الأنظار عن الاضطرابات القبلية في محافظة الجوف، وعن تنامي الغضب الشعبي نتيجة التدهور الاقتصادي في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
يعزز البيان الصادر عن وزارة الخارجية الإيرانية عقب الحادثة هذا التفسير، إذ أكدت طهران فيه دعمها لتنفيذ خارطة الطريق اليمنية، وبالمثل، فإن رد الحوثيين على استهداف مطار صنعاء – من خلال مهاجمة مطار أبها الإقليمي بدلًا من الرياض – يشير إلى أن أولويتهم المباشرة ليست إعادة إشعال حرب شاملة، وإنما الضغط على السعودية من أجل تنفيذ التنازلات السياسية والاقتصادية المنصوص عليها في خارطة الطريق.
توجد حاليًا عقبتان رئيسيتان تحولان دون تنفيذ خارطة الطريق التي تقودها الأمم المتحدة: أولاهما، أنه لا يزال من المستبعد للغاية التوصل إلى تسوية نهائية مع الحوثيين قبل التوصل إلى اتفاق إقليمي أوسع بين إيران والولايات المتحدة، فإبرام تسوية مبكرة من شأنه أن يمنح الحوثيين مكاسب سياسية كبيرة، وبالتالي يزود طهران بورقة نفوذ إضافية في مفاوضاتها الجيوسياسية الأوسع؛ أما العقبة الثانية، فتتمثل في أن هبوط طائرة ماهان إير يشكل سابقة خطيرة في استخدام أدوات الإكراه لتحقيق أهداف سياسية، وأي تنازل تقدمه السعودية أو الحكومة اليمنية استجابةً لهذا النوع من الضغوط سيُفسر على الأرجح باعتباره مظهرًا من مظاهر الضعف، الأمر الذي قد يشجع على مزيد من المطالب القائمة على الإكراه، ويؤسس لدورة متصاعدة من التنازلات.
تؤكد سلسلة الأحداث الأخيرة، في نهاية المطاف، مدى تشابك الصراع اليمني مع الديناميكيات الإقليمية الأوسع، فبينما بدا اليمن، خلال الأشهر الماضية، جبهة هادئة على نحو لافت مقارنة بالصراع الإقليمي الدائر، جاءت أزمة الرحلات الإيرانية لتنسف هذا الوضع الهش، وتعيد التلويح باحتمال استئناف الحرب، كما أن الدعم الإيراني غير المعتاد في وضوحه للحوثيين يبعث برسالة مباشرة إلى السعودية: إما التكيف مع الوقائع السياسية الجديدة من خلال تقديم تنازلات أكبر، أو مواجهة ضغوط متجددة على حدودها الجنوبية، وإذا انزلقت اليمن مجددًا إلى حرب شاملة، فإنها ستصبح ساحة لاختبار حدود التنافس الإيراني–السعودي، وإعادة رسم قواعد هذا التنافس.
على الرغم من اندفاعهم العقائدي، فإن الحوثيين يتمتعون بقدر كافٍ من البراغماتية لإدراك أن اليمن لا يمكن أن يكون قابلًا للاستمرار اقتصاديًا على المدى الطويل من دون دعم سعودي.
إن مناورة الحوثيين المتمثلة في تسيير طائرة إيرانية إلى اليمن دون الحصول مسبقًا على موافقة السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، تمثل محاولة لاستثمار ما يعدونه نجاحًا إيرانيًا لافتًا في صد الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي. ما تلا ذلك يقدم لنا مؤشرات على الهدف الحقيقي لهذه الخطوة؛ فحشد الشارع استعدادًا لمواجهة مع السعودية – وهي مجازفة قد تخرج عن السيطرة وتفضي إلى اندلاع حرب شاملة – يعكس تقييم الحوثيين لموقعهم في سياق المواجهة الاستراتيجية الأوسع، ولا يمثل سعيهم إلى إعادة فتح مطار صنعاء وإنهاء السيطرة السعودية على المجال الجوي اليمني سوى جزء محدود مما يطمحون إلى تحقيقه.
يتمثل هدفهم النهائي في التوصل إلى اتفاق مع السعودية قبل إبرام اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، فهم يعتقدون أنه عندما تبدأ واشنطن وطهران التفاوض على اتفاقهما، سيكون اليمن والحوثيون من بين الملفات التي قد تستخدمها إيران كورقة تفاوض مقابل الحصول على تنازلات أكثر استدامة في العراق ولبنان، كما أن الاحتفاظ بموطئ قدم إيراني في اليمن يكاد يكون مستحيلًا في ظروف السلم، لأن أداة النفوذ الأساسية حينها ستكون المساعدات التنموية، وهو مجال تمتلك فيه السعودية قدرة أكبر بكثير من إيران.
على الرغم من اندفاعهم العقائدي، فإن الحوثيين يتمتعون بقدر كافٍ من البراغماتية لإدراك أن اليمن لا يمكن أن يكون قابلًا للاستمرار اقتصاديًا على المدى الطويل من دون دعم سعودي. يبدو أنهم مقتنعون بإمكانية إقامة علاقة خاصة مع السعودية مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بعلاقاتهم الوثيقة مع إيران، ولن يكون ذلك ممكنًا إلا إذا تمكنوا من إبرام اتفاق مع السعودية قبل أن تتمكن إيران من تقديمهم كورقة تنازل للولايات المتحدة. هذا الشعور بالإلحاح يفسر استفزازهم المتهور للمملكة في هذا التوقيت الحرج، ومن هذا المنظور، ينبغي فهم خطابهم التصعيدي، لا بوصفه تهديدًا، بل باعتباره نداءً يائسًا موجهًا إلى السعودية لإبرام اتفاق، غير أن هذا المنطق ينطوي على تناقض جوهري؛ فمن غير المرجح أن تستجيب السعودية لرغبتهم، بعدما أثبت الحوثيون، خلال العامين الماضيين، أنهم طرف لا يمكن الوثوق به.
إن استمرار حالة «اللا حرب واللا سلم» لفترة طويلة رفع سقف توقعات المواطنين بتحقيق تحسن ملموس في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ما ولّد ضغوطًا داخلية متزايدة […] وفي ظل هذه الظروف، يصبح إحياء الخطاب الحوثي القائم على «الحصار» و«العدوان السعودي» وسيلة فعالة لاستعادة التعبئة وتوجيه اهتمام الرأي العام نحو خصم خارجي.
في ظل تراجع قوة الحلفاء الإقليميين الآخرين لإيران، برز الحوثيون بوصفهم الورقة الأكثر قيمة لطهران على رقعة الشطرنج الإقليمية. من هذا المنطلق، فإن الجانب الأهم في حادثة طائرة ماهان إير لم يكن وصول الوفد إلى اليمن، بل الكيفية التي عاد بها، وما حملته هذه الخطوة من رسائل.
على الرغم من توافر ترتيبات لوجستية بديلة، أصر الوفد على العودة مباشرة إلى صنعاء على متن طائرة إيرانية، ووفقًا لوزير النقل في حكومة الحوثيين، أعدت الجماعة أيضًا مطاري الحديدة وصعدة كخيارين احتياطيين في حال تعرض مطار صنعاء للاستهداف، أما إيران، فقد قبلت، من جانبها، بالمخاطر السياسية والأمنية المترتبة على تسيير طائرة مدنية بطاقمها إلى اليمن، رغم الاعتراضات الواسعة على ذلك.
من الصعب فصل هذه الحادثة عن التوترات المتجددة المرتبطة بمضيق هرمز، والانهيار الواضح لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وعودة المواجهة العسكرية بينهما، فقد رفعت هذه التطورات من كلفة الاعتماد على مضيق هرمز بوصفه الأداة الرئيسية للضغط الاستراتيجي الإيراني. بالمقابل، ازدادت أهمية السعودية من خلال استخدامها موانئها المطلة على البحر الأحمر لتصدير كميات كبيرة من النفط، وتسهيل حركة البضائع إلى دول الخليج، بما ساهم في الحد من آثار الاضطرابات في مضيق هرمز. من هذا المنظور، يبرز باب المندب – الذي كرر مسؤولون إيرانيون الإشارة إليه خلال الأشهر الماضية – بوصفه بديلًا أكثر فاعلية لإعادة ممارسة الضغط على أسواق الطاقة العالمية ودول الخليج، مع وضع السعودية في قلب هذه المعادلة. هذا بدوره يعزز القيمة الاستراتيجية للحوثيين باعتبارهم الطرف الأكثر قدرة على تحويل هذا الخيار إلى واقع عملي.
لا تقتصر حسابات الحوثيين على التماهي مع المصالح الإيرانية؛ فقد أدت حالة «اللا حرب واللا سلم» المستمرة إلى رفع سقف توقعات المواطنين بتحقيق تحسن ملموس في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وهو ما ولّد ضغوطًا داخلية متزايدة على الجماعة. في ظل هذه الظروف، يصبح إحياء الجماعة للخطاب المرتكز على «الحصار» و«العدوان السعودي» وسيلة فعالة لاستعادة التعبئة الشعبية، وإعادة توجيه اهتمام الرأي العام نحو خصم خارجي. قد يفسر ذلك التصعيد الأخير في الخطاب السياسي والإعلامي الحوثي تجاه السعودية، رغم استمرار التزام الرياض بالحفاظ على حالة خفض التصعيد الراهنة، كما أن التوترات المرتبطة بحادثة الطائرة توفر مبررًا داخليًا أكثر إقناعًا لأي تصعيد مستقبلي، سواء استهدف السعودية أو باب المندب، مقارنةً بتبرير تلك التحركات باعتبارها دعمًا لإيران أو لـ «محور المقاومة». إن شعارات مثل «الحصار بالحصار» و«العدوان بالعدوان» تقدم سردية داخلية أكثر فاعلية، إذ تصور التصعيد بوصفه امتدادًا للصراع اليمني، لا امتدادًا لصراع إقليمي.
في نهاية المطاف، قد لا تكمن أهمية هذه الرحلة في أنها أعادت وفدًا حوثيًا إلى اليمن، بقدر ما تكمن في ما تكشفه عن الكيفية التي تعيد بها كل من إيران والحوثيين ترتيب أولوياتهما الاستراتيجية في ظل مشهد إقليمي متغير، فقد كانت وجهتها المعلنة صنعاء، لكن رسائلها السياسية والاستراتيجية كانت موجهة بالقدر نفسه – إن لم يكن بدرجة أكبر – إلى الرياض وباب المندب.
كانت المطارات مسرحًا لهجمات مدوية في تاريخ اليمن الحديث، بدءًا من قصف الحوثيين أعضاء الحكومة أثناء وصولهم إلى عدن عام 2020، وصولًا إلى تدمير إسرائيل آخر طائرات الخطوط الجوية اليمنية العاملة من صنعاء في مايو الماضي. ويعكس الهجوم البارز على المطار إصرارًا سعوديًا على التحكم في مسار المفاوضات، وتأكيدًا لموقع المملكة المهيمن في توجيه الشؤون اليمنية.
قلبت الحرب الأمريكية–الإيرانية البنية الأمنية في الخليج رأسًا على عقب، وأوجدت بيئة مواتية لعدم الاستقرار ولإعادة التفاوض على العلاقات من خلال العنف. باتت مذكرة التفاهم على وشك الانهيار، في ظل سعي الولايات المتحدة وإيران إلى تشكيل مسار المفاوضات عبر شن مزيد من الضربات، وليستا وحدهما من يتبنى هذا النهج، فالهجوم الذي تم شنه على مطار صنعاء، وما أعقبه من هجوم حوثي انتقامي على أبها، يمثل أخطر تصعيد بين الطرفين منذ سنوات، ويعكس سيولة الوضع وحالة اليأس التي تحكمه، فضلًا عن استعداد الأطراف للسعي إلى تحقيق مكاسب عبر الوسائل العسكرية.
تشبه الضربات الأمريكية المستمرة على إيران تلك التي شنتها واشنطن على الحوثيين خلال عامي 2024 و2025، عندما سعت إلى الحد من الهجمات في البحر الأحمر. في الحالتين، نجحت هذه الضربات بتقليص القدرات العسكرية للخصم، لكنها لم تنجح في إضعاف إرادته السياسية، كما أن المفاوضات الأمريكية مع إيران تجد ما يوازيها في المحادثات المطولة بين السعودية والحوثيين؛ إذ تخشى واشنطن والرياض من أن يؤدي رفع العقوبات وتخفيف الضغوط السياسية إلى ترسيخ مواقع خصومهما وتعزيز قدراتهم، لكنهما في الوقت نفسه لا ترغبان في تحمل الكلفة الاقتصادية الناجمة عن حالة عدم اليقين وعدم الاستقرار المرتبطة باستمرار الأعمال العدائية المفتوحة، فالسعودية ترغب في طي صفحة مغامرتها في اليمن والمضي في مشاريعها التنموية، بينما تشعر الولايات المتحدة بالقلق إزاء ارتفاع أسعار البنزين قبيل الانتخابات المقررة في نوفمبر.
على الجانب الآخر من الطاولة، تبدو كل من إيران والحوثيين في أمسّ الحاجة إلى انفراجة اقتصادية. كان من شأن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران أن توفر تخفيفًا كبيرًا للعقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية، ومن المرجح أن يظل ذلك جزءًا من أي اتفاق نهائي. بالمثل، فإن أي اتفاق محتمل بين الحوثيين والسعودية سيتضمن تنازلات اقتصادية كبيرة، وقد تركزت المحادثات على رواتب موظفي القطاع العام، بما في ذلك المدفوعات المقدمة للمقاتلين الحوثيين، وعلى إعادة فتح الموانئ والمطارات، كما يُزعم أن الرياض ترسل أموالًا إلى صنعاء مقابل امتناع الحوثيين عن التصعيد العسكري؛ إذ أحجموا حتى الآن عن استهداف حركة الملاحة في باب المندب وعن استكمال تطويق خطوط الملاحة الخليجية، وحتى هذا الأسبوع، لم يكونوا قد حذوا حذو إيران في استهداف المملكة مباشرة.
في ظل إيران متحدية وسعودية ممتنة لضبط الحوثيين للنفس، سعى الحوثيون إلى تعزيز مكاسبهم، فإذا تمكنوا من إعادة فرض سيطرتهم على المجال الجوي اليمني، فسيسهل ذلك الروابط العسكرية والسياسية والاقتصادية مع طهران، ويمكنهم من انتزاع تنازل مهم من الرياض. من شأن ذلك أن يعزز قدرتهم على الإكراه ويزيد من أوراق الضغط التي يمتلكونها في المفاوضات اللاحقة. الأوضاعُ الاقتصادية المتدهورة في الشمال، حيث يتزايد الجوع، وما قد يترتب على ذلك من اضطرابات اجتماعية، دفعت الجماعةَ إلى التصعيد. منذ انطلاق تدخل التحالف عام 2015، روجت الجماعة لسردية تقوم على مقاومة الاحتلال الأجنبي، ومن شأن توسيع هذه السردية لتشمل «حصار» مجالها الجوي أن يعيد إحياء خطاب مألوف، مع إعادة توجيه الغضب الناجم عن نقص الغذاء نحو الجار الشمالي، وتحويل مظلمة قائمة إلى محور للتعبئة.
كانت المطارات مسرحًا لهجمات مدوية في تاريخ اليمن الحديث، بدءًا من قصف الحوثيين أعضاء الحكومة أثناء وصولهم إلى عدن عام 2020، وصولًا إلى تدمير إسرائيل آخر طائرات الخطوط الجوية اليمنية العاملة من صنعاء في مايو الماضي. يعكس الهجوم البارز على المطار إصرارًا سعوديًا على التحكم في مسار المفاوضات، وتأكيدًا لموقع المملكة المهيمن في توجيه الشؤون اليمنية، ويشكل الرد الحوثي المحسوب تحذيرًا من عرقلة المحادثات، في وقت بات فيه الوضع الاقتصادي بالغ السوء، لكن الأكثر إثارة للدهشة هو استعداد الحوثيين للمخاطرة مجددًا بمفاوضاتهم مع الرياض، وهو ما يعكس مستوى اليأس في شمال اليمن، ونهم الجماعة للمخاطرة الذي يبدو بلا حدود.
المديرة التنفيذية للإنتاج المعرفي
باحثة أولى
باحث أول
باحث
محرر وباحث