جدول المحتويات
نساء وأطفال في ريف تعز ينتظرون المياه التي وزعتها جمعية خيرية محلية، 14 مارس 2026 // الصورة مركز صنعاء، بعدسة البراء منصور

الحكومة تتبنّى الانضباط المالي وسط تحوّلات إقليمية

شهد الربع الأول من العام 2026 تحوّلاً ملحوظاً في الدعم المُقدَّم للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، عقب حل المجلس الانتقالي الجنوبي وإنهاء عملياته العسكرية. سعياً لاستعادة شرعية الحكومة في خضمّ عملية إعادة تنظيم سياسي وعسكري واسعة، أطلقت المملكة العربية السعودية سلسلة من الحزم المالية لمنع الانهيار المالي وتحسين تقديم الخدمات.

أعلنت المملكة في 15 يناير، عن حزمة مالية بقيمة 90 مليون دولار أمريكي لسداد الرواتب المتأخرة لموظفي القطاع العام، بمن فيهم العسكريون ومنتسبو الأجهزة الأمنية، وبعد ذلك بفترة وجيزة، أُعلن عن حزمة أخرى بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (507 مليون دولار أمريكي) لتمويل مشاريع تنموية في قطاعات الصحة والتعليم والطاقة والنقل والمياه. وأعقبتها في أواخر فبراير منحة بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي (347 مليون دولار أمريكي) تهدف إلى تغطية عجز الموازنة وفاتورة الأجور الوطنية. كان الهدف من هذا الدعم سدّ الفجوة التمويلية الناجمة عن انسحاب الإمارات مطلع يناير، كما بدأت الرياض ترعى مباشرةً قوى الأمن الجنوبية التي كانت تموّلها أبوظبي سابقاً.

مطلع مارس، أقرّت الحكومة الجديدة موازنة الدولة لعام 2026، وهي محطة بارزة بعد سنوات من الإنفاق غير الرسمي والمؤقت، حيث تعد أول موازنة رسمية منذ العام 2019، وكانت هذه الخطوة شرطاً مسبقاً وضعته الرياض لاستمرار تقديم المساعدات، بهدف ضمان الشفافية والمساءلة المالية، غير أن الموازنة لم تُبنَ على مؤشرات مالية واقعية، بل بُنيت على موازنة عام 2014، التي توقّعت عجزاً يبلغ نحو 3 مليارات دولار أمريكي.

مع التحديات المالية القائمة، أقرّ مجلس القيادة الرئاسي رسمياً البرنامج الحكومي لعام 2026، وهو خارطة طريق استراتيجية لمعالجة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في اليمن. يرتكز البرنامج على ثلاثة محاور أساسية: تشخيص واقعي، إطار استراتيجي، ومصفوفة تنفيذ عملية، وتستند الأهداف إلى خطة التعافي الاقتصادي 2025/2026 وقرار مجلس القيادة الرئاسي رقم 11 لسنة 2025. أوضحت الحكومة أن مصفوفة التنفيذ ستركّز على ست أولويات استراتيجية: الاستقرار السياسي والأمني؛ والتعافي الاقتصادي والنقدي وتحفيز النمو؛ والوصول المستدام إلى الخدمات الأساسية؛ وتعزيز الحوكمة وسيادة القانون؛ وتعزيز الصمود الاجتماعي لحماية سبل العيش؛ والحفاظ على شراكات تنموية دولية فاعلة.

تؤكد الحكومة أن خطتها الجديدة قابلة للتنفيذ، وأنها ستنقل البلاد من الوعود الفضفاضة إلى تدابير سياسية ملموسة بحلول نهاية العام، غير أن الخطة في حقيقتها لا تعدو كونها تكراراً لجهود الإصلاح السابقة، فالنهج المُفرط في الطموح يُغفل وقائعَ معقدة وراسخة على الأرض، وفجواتٍ مؤسسية كبيرة لطالما عرقلت عملية التنفيذ.

يكشف التحليل الدقيق لتوقعات الموازنة المُتضخّمة عن سطحية مالية: إجمالي الإيرادات يُقدَّر بـ3.96 تريليون ريال يمني، منها 41.5 في المائة من الضرائب و35 في المائة من دخل الممتلكات ومبيعات السلع والخدمات، وتُقدَّر المنح المتجددة والرأسمالية، التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الدعم السعودي، بـ858.7 مليار ريال يمني (22 في المائة من الإيرادات). تُعادل هذه الأرقام نحو ضعف الإيرادات الفعلية المحصّلة عام 2024، والبالغة 2.07 تريليون ريال يمني، وكان 61 في المائة منها يتألف من منح خارجية، وفقاً لآخر تقرير سنوي صادر عن البنك المركزي اليمني بعدن.

على مستوى النفقات، قُدِّرت الموازنة بـ4.8 تريليون ريال يمني، بزيادة قدرها 180 في المائة عن النفقات الفعلية لعام 2024، والبالغة 2.7 تريليون ريال يمني، وحُدِّد الإنفاق المتوقّع على الرواتب والسلع والخدمات بـ1.35 تريليون ريال يمني لكل منها، وهو أعلى بكثير من الأرقام التاريخية.

مع أن فاتورة الأجور المُتضخّمة تعكس دمج وحدات عسكرية وأمنية مختلفة في موازنة الدولة، فإن قدرة الحكومة على الوفاء بهذه الالتزامات الضخمة تظلّ التحدي الأبرز أمامها. على سبيل المثال، تقترح الخطة زيادة موازنة السلع والخدمات بنسبة 355 في المائة (من 298 مليار ريال يمني في عام 2024 إلى 1.35 تريليون ريال يمني) لمعالجة الانهيار في الخدمات الأساسية — وهو هدف يُمثّل اختباراً صارماً للقدرة المالية الفعلية للحكومة، وبدون معالجة الوقائع الراسخة والفجوات المؤسسية القائمة، يخاطر برنامج العام 2026، بتكرار إخفاقات المحاولات السابقة للإصلاح المالي والمؤسسي.

الريال يحافظ على استقراره

ارتفع سعر الريال الجديد بأكثر من 3 في المائة قرب نهاية فبراير (من 1630 إلى 1573 ريالاً يمنياً للدولار الأمريكي الواحد في المتوسط)، ثم حافظ على هذا السعر حتى نهاية الفترة المشمولة بالتقرير.

جاء هذا التعافي عقب سلسلة من التوجهات التي حسّنت مؤقتاً وضع الحكومة النقدي والاقتصادي. وكان المحدّد الرئيسي هو المنح المالية السعودية، ومن المتوقّع أن يحتفظ الريال بقيمته الحالية في ضوء الدعم المستمر.

ظلّ الريال مستقراً منذ منتصف العام الماضي، عقب تنفيذ الحكومة إصلاحات واسعة لمأسسة تمويل الواردات، وكبح المضاربة المُزعزِعة، وفرض استخدام الريال في جميع المعاملات الداخلية. مطلع فبراير، أعلنت اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات أنها وافقت على 600 مليون دولار أمريكي خلال يناير لتمويل استيراد السلع الأساسية، وبذلك بلغ تمويل اللجنة للواردات منذ بدء عملها في أغسطس من العام الماضي أكثر من 3 مليارات دولار أمريكي، كما حافظ البنك المركزي اليمني بعدن على رقابة صارمة على القطاعين المالي والمصرفي، إذ أجرى تفتيشات ميدانية منتظمة على منافذ الصرافة، وحدّد وألغى تراخيص عشرات الجهات المتورطة في المضاربة بالعملة.

ظلّ سعر الريالات القديمة المتداولة في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين (أنصار الله) ثابتاً نسبياً، إذ تم تداوله بين 531 و536 ريالاً يمنياً للدولار الأمريكي الواحد خلال الربع الأول من العام 2026.

الوضع الإنساني في اليمن يبقى كارثياً

لا تزال اليمن تواجه أزمة شديدة في الأمن الغذائي، ومع أسوأ فجوة تمويلية منذ عقد كامل وتصاعد لافت في المخاطر التشغيلية، تواجه اليمن واحدة من أشدّ الأزمات الإنسانية خطورة في العالم، إذ يحتاج أكثر من 22 مليون شخص إلى المساعدة.

يرسم آخر تقرير صادر عن برنامج الأغذية العالمي بشأن الأمن الغذائي صورة معقدة للمشهد الإنساني حتى فبراير 2026، فبينما أبرز التقرير تحسناً موسمياً مؤقتاً في استهلاك الغذاء، ظلّت المكاسب هشّة وقائمة على أرضية من الحرمان المنهجي الحاد وتقلّص في الحضور الإنساني. على مستوى البلاد، تحسّن استهلاك الغذاء بنسبة 9 في المائة على أساس شهري، فانخفض معدل انتشار الاستهلاك غير الكافي إلى 57 في المائة في فبراير، وكان وراء هذا التحوّل، إلى حدّ بعيد، الظروفُ الاقتصادية والاجتماعية الفريدة المرتبطة بشهر رمضان، فقد وفّرت الصدقات الدينية المتزايدة وارتفاع تدفقات التحويلات المالية شريانَ حياةٍ حيوي لكثير من الأسر، وأتاح ارتفاع قيمة الريال في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة وصرف رواتب جزئية لموظفي القطاع العام لحظةً وجيزة من الاستقرار المالي.

بحلول نهاية الشهر، بلغ الاستهلاك الغذائي غير الكافي 61 في المائة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة و55 في المائة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، غير أن برنامج الأغذية العالمي حذّر من أن هذه التحسّنات الهامشية تُخفي واقعاً أكثر قسوة، فرغم الانتعاش الموسمي، لا يزال الحرمان الغذائي الشديد يُلاحق ما يُقارب أسرة واحدة من كل ثلاث أسر في عموم البلاد، ونظراً لنقص حاد في التمويل، بدأ برنامج الأغذية العالمي مطلع فبراير تنفيذ برنامجه الجديد للمساعدة الغذائية الطارئة المُوجَّهة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، فقلّص عدد المستفيدين من 3.4 مليون إلى 1.7 مليون في 53 مديرية، وبحلول منتصف مارس، تمّت مساعدة نحو 1.1 مليون شخص في إطار الدورة الأولى من البرنامج.

في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ظلّت جميع عمليات برنامج الأغذية العالمي معلّقة منذ سبتمبر 2025، بسبب تضييق الحيّز التشغيلي واعتقال واحتجاز العاملين في المجال الإنساني، حيث قرّر البرنامج تعليق توزيع المساعدات الغذائية في المناطق الشمالية بسبب المخاطر الأمنية والنقص الحاد في التمويل. في إطار هذا التقليص التشغيلي، أبلغ برنامج الأغذية العالمي 365 موظفاً في هذه المناطق بأن عقودهم ستُنهى بحلول نهاية مارس، بينما زادت السلطات الحوثية إعاقتها لجهود الإغاثة عبر الاستيلاء على معدات الأمم المتحدة ومصادرة المركبات ومنع خدمة الأمم المتحدة للنقل الجوي للمساعدة الإنسانية من التحليق إلى صنعاء، وقد حثّت الحكومة المعترف بها دولياً المنظمات على الانتقال إلى عدن، وذلك قد يقطع شريان حياة عن المرتفعات الشمالية الكثيفة السكان.

قد شهدت خطة الاستجابة الإنسانية لليمن للعام 2026، التي طلبت 2.16 مليار دولار أمريكي لمساعدة 12 مليون شخص، نقصاً حاداً في التمويل، وحتى أواخر مارس 2026، أظهرت بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن نحو 10 في المائة فقط من الأموال المطلوبة قد تأمّنت. تعود الأزمة الراهنة إلى النقص المالي غير المسبوق لعام 2025: فقد أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن خطة المعونة لعام 2025 لم تتلقَّ سوى 687.9 مليون دولار أمريكي، وهو ما يعادل نحو 28 في المائة من المبلغ المطلوب البالغ 2.48 مليار دولار أمريكي. يُمثّل ذلك أدنى مستوى تمويلي خلال عشر سنوات، وعلى الرغم من تصاعد الاحتياجات، أجبر هذا النقص الحاد في التمويل جميع المجموعات القطاعية على تقليص الخدمات الحيوية.

مع الاستجابة الفاترة من المانحين الأجانب الرئيسيين لليمن، يُتوقّع أن يستمرّ النقص الحاد في التمويل، وسيُجبر هذا الأمر وكالات الإغاثة على إجراء مزيد من التقليصات في الخدمات الحيوية، على الرغم من أن اليمن لا تزال تواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع تصاعد الجوع والأمراض.

حضرموت تتحمّل الكلفة الاقتصادية للتصعيد العسكري

كان للتصعيد العسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في حضرموت مطلع يناير، عواقب اقتصادية بعيدة المدى، إذ أدى إلى تعطّل مؤسسات الدولة، ونهب الأصول الاقتصادية، وتعطّل الخدمات العامة الأساسية.

في 5 يناير، تعرّض مطارا سيئون والريّان لعمليات نهب واسعة على يد أشخاص استغلّوا حالة الفوضى، ونتيجة لذلك، خرج المطاران عن الخدمة، فمنع آلاف الركاب من الوصول إلى وجهاتهم النهائية، وقد أعلنت الحكومة عن استئناف عمليات الطيران بعد توقّف وجيز.

علاوة على ذلك، شهدت حضرموت تراجعاً في تقديم الخدمات، بما في ذلك الكهرباء، فمنذ أواخر العام الماضي، عانت حضرموت من انقطاعات حادة في التيار الكهربائي بسبب نقص وقود محطات الكهرباء، وعقب الاشتباكات العسكرية في المناطق المحيطة بحقولها النفطية، تراجعت إمدادات الديزل من شركة بترومسيلة الحكومية بشكل أكبر، مما تسبّب في انقطاعات هائلة للكهرباء وتراجعت القدرة التوليدية لشبكة الكهرباء في معظم منطقة وادي حضرموت، أكثر من 85 في المائة.

رداً على الوضع المتدهور في المحافظة، هدّد عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت المعيّن حديثاً سالم الخنبشي، في 28 مارس، باتخاذ إجراءات تصعيدية ضد الحكومة المركزية، وحذّر من أن المحافظة قد توقف صادرات النفط وتحجب تحويلات الإيرادات إذا ظلّت مطالبها المالية دون استجابة. يعود جوهر هذا النزاع إلى قرار جمهوري صدر عام 2017، كان يهدف إلى لامركزة الثروة النفطية في اليمن، فقد قضى القرار بإعادة 20 في المائة من العائدات النفطية المُولّدة في المحافظات المنتجة للنفط — تحديداً حضرموت وشبوة ومأرب — مباشرةً إلى الإدارات المحلية لتمويل الموازنات الإقليمية والبنية التحتية، ورأى الخنبشي أن الحكومة المركزية أخلّت بهذا الالتزام، تاركةً حضرموت تواجه ما وصفه بالظلم الممنهج.

أزمتا الكهرباء والغاز تتفاقمان رغم انفراج مؤقت

أطلقت الحكومة سلسلة من التدخلات لمعالجة أزمتَي انقطاع التيار الكهربائي وشُحّ الغاز المنزلي المتلازمتين، اللتين أثّرتا تأثيراً بالغاً على المواطنين في عدن والمحافظات المجاورة. من خلال مزيج من المنح الطارئة من الوقود، والتخصيصات الاستراتيجية للإمدادات، ووعود بتعزيز الرقابة التنظيمية، سعت الحكومة إلى استعادة الخدمات الأساسية وسط تحديات سياسية وأمنية معقدة.

أطلق البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن أواخر يناير، منحة من المشتقات النفطية لتشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. تشمل المنحة ما مجموعه 339 مليون لتر من الديزل والمازوت، بقيمة 81.2 مليون دولار أمريكي، ومنتصف يناير، أعلنت المملكة العربية السعودية أيضاً عن 1.9 مليار ريال سعودي لدعم البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك قطاع الطاقة.

بناءً على ذلك، وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ووزارة الكهرباء اتفاقية لتنظيم تقديم منحة الوقود، تتضمن شراء المشتقات النفطية من شركة بترومسيلة، التي بدأت في 25 يناير نقل الإمدادات إلى محطات الكهرباء، وكان الأثر فورياً: فبحلول منتصف فبراير، ارتفع توفير الكهرباء في عدن إلى ما يزيد على 20 ساعة يومياً، وهو تحسّن لافت مقارنةً بانقطاعات يومية بمعدل 15 ساعة كانت تنخر المدينة طوال عام 2025.

حدث هذا التثبيت خلال فترة اضطرابات في قطاع الطاقة المتجددة، ففي منتصف يناير، أفادت وزارة الكهرباء بأن شركة غلوبال ساوث يوتيليتيز الإماراتية أوقفت فجأةً وعن بُعد محطات الطاقة الشمسية في عدن وشبوة، دون أي تنسيق مسبق مع الوزارة أو السلطات المحلية المعنية. رداً على ذلك، أكدت الشركة أن إجراءها كان جزءاً من ترتيبات لانسحاب كامل من اليمن، وأوضحت أنه إثر طلب الحكومة اليمنية بخروج جميع الشركات الإماراتية، ستُجلي جميع موظفي الصيانة والتشغيل من محطة عدن البالغة 120 ميغاواط ومحطة شبوة البالغة 53 ميغاواط، وتُسلّم التشغيل إلى المؤسسة العامة للكهرباء الحكومية. تُعدّ محطات الطاقة الشمسية في هاتين المدينتين من أبرز مشاريع الطاقة المتجددة التي دخلت الخدمة خلال العامين الماضيين، وقد ساعدت على الحدّ من الاعتماد شبه الكامل على الوقود الأحفوري المكلف، وتقليل انقطاعات الكهرباء طويلة الأمد، لا سيما خلال أشهر الصيف. كانت الشركة الإماراتية تتولى تشغيل محطات الكهرباء وتقديم خدمات الصيانة لها، إلا أن دورها أصبح مثاراً للجدل وسط شكاوى بشأن إجراءاتها التشغيلية وتنسيقها مع الجهات الحكومية، وفقاً لمصادر في قطاع الكهرباء.

في الوقت نفسه عانت عدن من أزمة شُحّ حاد في الغاز المنزلي خلال الأشهر الثلاثة الماضية. منتصف يناير، أعلنت وزارة النفط والمعادن عن اتفاقية لتخصيص مليوني لتر من غاز البترول المسال لتلبية الطلب في أسواق محافظات عدن ولحج وتعز، وكان القصد من هذا التدخل العاجل تخفيف نقص الإمدادات الناجم عن تعطّل عمليات تسليم الناقلات.

يعود تعطّل الإمدادات إلى تضافر إغلاقات محلية تشلّ خطوط التوريد، وعدم الاستقرار السياسي الأوسع، فقد وقعت اشتباكات قبلية متكررة في مأرب منعت الشحنات من التحرك من القطاع 18 في مأرب، الذي تُشغّله شركة صافر للنفط والغاز. حتى بعد الإفراج عن هذه الشحنات، تعرّض تقدّمها نحو عدن لمزيد من العرقلة بسبب حواجز طرق في أبين، وقد هيّأ الوضع المُجزّأ للأنظمة الأمنية والإدارية بيئة مواتية لخلق نقص مفتعل، إذ يسعى موزّعو الغاز، في ظل ضعف الرقابة عليهم، إلى تعظيم أرباحهم بفرض أسعار مبالغ فيها في السوق السوداء.

انتشرت اتهامات بالابتزاز والممارسات الاحتكارية، فقد شوهدت عشرات صهاريج الغاز تنتظر ساعات في نقطة العَلَم عند مدخل عدن، حيث فُرضت عليها رسوم غير قانونية، وعند مغادرة نقطة التفتيش، لم تُوجَّه إلى محطات التوزيع، بل أُحيلت بحسب التقارير إلى مستودعات تجار من القطاع الخاص، ضمن جهود لخلق نقص مفتعل ورفع الأسعار وتحقيق أرباح غير مشروعة، ففي منتصف يناير، بلغ سعر أسطوانة الغاز سعة 20 لتراً، 14 ألف ريال يمني، بزيادة قدرها 64 في المائة عن السعر الرسمي البالغ 8500 ريال يمني.

تُشير نية الحكومة المعلنة بفرض سيادة القانون، كما يتجلّى في توجيهات صادرة عن كلٍّ من رئيس الوزراء ووزير الداخلية، إلى إدراك أن الاستقرار طويل الأمد سيتطلّب أكثر من مجرّد استيراد الوقود، وعلى الرغم من الإجراءات الطارئة، يظلّ قطاعا الطاقة والغاز في اليمن في حالة هشاشة بالغة، فقد قوّضت انقطاعات الكهرباء المزمنة وشُحّ الإمدادات الثقة العامة، وأطلقت موجات من الاضطراب الشعبي، وفي حين توفّر منحة الوقود السعودية فسحة زمنية للحكومة، يبقى الاستقرار طويل الأمد بعيد المنال، ولا تزال البنية التحتية المتقادمة وشبكات التوزيع غير الكفؤة والاختلالات المؤسسية الراسخة تُهدّد ما يُحرز من تقدّم.

المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة تعاني شُحّاً في السيولة

لا تزال المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة تعاني من أزمة سيولة غير مسبوقة، فقد شكّل شُحّ الريالات تحدياً أمام جهود البنك المركزي اليمني بعدن للحفاظ على التوازن في سوق العملة والاستقرار النقدي، كما أثّر في قدرة الدولة على تلبية متطلبات الإنفاق الحيوي، وأعاق التجارة والمعاملات المالية في عموم المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.

بحلول نهاية فبراير، كان الريال اليمني قد اختفى إلى حدّ كبير من سوق الصرف، حيث اضطر حاملو العملات الصعبة للوقوف في طوابير طويلة في البنوك وشركات الصرافة، وأدى ذلك إلى امتناع شركات الصرافة عن تحويل العملات الأجنبية بالكامل، فيما حدّد آخرون سقفاً يبلغ 100 ريال سعودي أو 50 دولاراً أمريكياً للشخص الواحد في اليوم، وفي التحويلات النقدية الإلكترونية، باتت البنوك تسمح لأصحاب الحسابات بتحويل 200 ريال سعودي أو 50 دولاراً أمريكياً فقط إلى الريال اليمني يومياً، وقد جرى تداول الريال السعودي على نطاق واسع في سوق العملة عقب زيادة الدعم السعودي للحكومة اليمنية لمعالجة العجز الضخم في الموازنة.

نجم شُحّ العملة الراهن عن عدة عوامل، إلا أن أبرزها تفكّك الوظائف النقدية والمالية التقليدية للدولة، ففي اقتصاد سليم، تعمل الدورة النقدية كحلقة مستمرة: يُصدر البنك المركزي العملة إلى السوق، فتدخل القطاع الخاص لتيسير التجارة والاستثمار، قبل أن تستردّها الحكومة عبر التحصيل الضريبي ثم تُعيد ضخّها عبر الإنفاق العام، غير أن هذه العملية بأكملها مختلّة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، فبينما تبلغ القاعدة النقدية في هذه المناطق نحو 4.4 تريليون ريال يمني حتى ديسمبر 2025 — وهو ما يكفي نظرياً لتلبية احتياجات السوق — فقد فشل البنك المركزي اليمني بعدن في السيطرة عليها بفعالية.

يعتمد اقتصاد اليمن بشكل كبير على النقد، مع شمول مالي منخفض للغاية، وهو وضع يدفعه الصراع وانقسام النظام المصرفي وانخفاض مستويات الثقة، وقد خلق تراجع الثقة العامة بالخدمات المالية الرسمية تحوّلاً واسعاً للتدفقات المالية خارج الجهاز المصرفي. تبلغ كمية النقود المتداولة خارج النظام المصرفي الآن 3.3 تريليون ريال يمني، مما يحدّ من قدرة البنك المركزي اليمني في عدن على التأثير في العرض من خلال التدخلات النقدية الأولية والثانوية، وباتت القاعدة النقدية تهيمن عليها شبكة أقلّ تنظيماً من التجار ومنافذ الصرافة التي تعمل بمنأى عن رقابة الدولة والبنك المركزي، وقد استثمر هؤلاء الفاعلون القاعدة النقدية الكبيرة للتأثير في الأوضاع النقدية وحركة سعر الصرف، فحين ترتفع تدفقات العملة الصعبة، يميل هؤلاء التجار وشركات الصرافة إلى احتجاز العملة المحلية تحسّباً لارتفاع قيمتها، ثم طرحها لاحقاً بأسعار صرف أفضل لتحقيق أقصى المكاسب من المراجحة.

لمعالجة شُحّ العملة اليمنية، اعتمد البنك المركزي بعدن سلسلة من الإجراءات، من بينها أمر البنوك اليمنية بشراء العملات الأجنبية من المواطنين بسقف يومي قدره 10 آلاف ريال سعودي، كما اختار البنك اعتماد سياسة سعر صرف ثابت، إذ حدّد سعر الريال السعودي الواحد بـ410 ريال يمني بعد أن كان 420، وحُدّد سعر الدولار الأمريكي الواحد بـ1558 ريالاً بعد أن كان 1617. مع أن هذه السياسة تهدف إلى كبح المضاربة الخارجية، وقد نجح البنك المركزي اليمني بعدن إلى حدّ كبير في الحفاظ على استقرار الريال، فإنه واجه صعوبة في إدارة السيولة الداخلية، عاجزاً عن إعادة الريالات المُحتجزة إلى الاقتصاد الرسمي.

تتفاقم الأزمة بفعل العجز المالي الهائل، الذي زادته سوءاً هجمات الحوثيين بالطائرات المسيّرة على المنشآت النفطية عام 2022، فقد أوقفت تلك الهجمات صادرات النفط، ما حرم الحكومة من مصدرها الرئيسي للإيرادات وتسبّب في انكماش هائل في تحصيل الإيرادات. بحلول أواخر العام 2025، بلغت النفقات العامة 2.8 تريليون ريال يمني، مقابل إيرادات بقيمة 1.43 تريليون ريال يمني، يخلق ذلك مفارقة مالية خطيرة: تواصل الحكومة ضخّ السيولة في السوق لتغطية الرواتب العامة والخدمات الأساسية، إلا أنها تفتقر إلى «الفراغ» المالي على شكل الضرائب وعائدات الصادرات اللازمة لاسترداد تلك العملة. يُعزّز هذا التدفق أحادي الاتجاه للنقد نفوذ شركات الصرافة غير الرسمية التي تستحوذ على السيولة المضخوخة، فيُعمّق اعتماد الدولة على المساعدات الخارجية لسدّ الفجوة.

الولايات المتحدة توسّع العقوبات على شبكات الحوثيين

صعّد مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية حملته لعزل الحوثيين مالياً في 16 يناير، فصنّف 21 فرداً وكياناً وسفينة واحدة ممن شاركوا في نقل المنتجات النفطية، أو شراء الأسلحة والمعدات مزدوجة الاستخدام، أو تقديم خدمات مالية للحوثيين.

بناءً على إجراءات سابقة لوزارة الخزانة، استهدفت العقوبات الجديدة القنوات المالية بين الحكومة الإيرانية والحوثيين، بهدف تقييد استخدام النظام الإيراني لثروته النفطية لتمويل الوكلاء الإرهابيين الإقليميين. شملت الشبكات المُستهدفة شركات واجهة رئيسية وميسّرين وعملاء يقعون في اليمن وعُمان والإمارات، وقد اتُّهمت هذه الشبكات بتمكين الجماعة من الإبقاء على قدرتها على القيام بأنشطة إقليمية مزعزعة للاستقرار وهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر.

استهدفت العقوبات أربع فئات من شبكات التهريب وتوليد الإيرادات غير المشروعة لدى الحوثيين: تركّز الفئة الأولى على شركات النفط والميسّرين الماليين الذين مكّنوا الحوثيين من تحصيل 2 مليار دولار أمريكي سنوياً من مبيعات النفط غير المشروعة، رغم ضغوط العقوبات الدولية. وتتلقى هذه الشركات دعماً مالياً من الحكومة الإيرانية ولها صلات بمواطنين إيرانيين؛

استهدفت الفئة الثانية من العقوبات وكلاء المشتريات الحوثيين الذين يعتمدون على شبكة مترامية من شركات الواجهة وشركات الخدمات اللوجستية وميسّري الشحن لنقل الأسلحة وغيرها من المواد ذات المواصفات العسكرية إلى اليمن. ومن أبرزها شركة وادي كبير للخدمات اللوجستية، التي تتولى تيسير الشحن، ومقرّها في صنعاء ولها فرع في عُمان، ويُدّعى أنها نفّذت عمليات تهريب أسلحة لصالح الحوثيين؛

الفئة الثالثة من العقوبات استهدفت شركات الطيران وشبكات المشتريات الحوثية، حيث أشار مكتب مراقبة الأصول الأجنبية إلى أن عملاء المشتريات والعملاء الماليين للحوثيين حاولوا توظيف الشبكات الدولية للجماعة لشراء طائرات لاستخدامها في مخططات التهريب وتوليد الإيرادات. تعاونت الجماعة مع رجل الأعمال اليمني الموالي للحوثيين والمُصنَّف أمريكياً محمد السنيدار لتأسيس شركتي طيران جديدتين مقرّهما صنعاء: شركة بارَش للطيران وطيران سما. وقد ساعدت شركة بارَش للطيران، وهي شركة شحن جوي، الحوثيين في جهودهم لشراء طائرة تجارية كانوا يعتزمون استخدامها لنقل بضائع غير مشروعة عبر مطار صنعاء. مطلع العام 2025، حاولت شركة بارَش للطيران وطيران سما الشراكة مع تاجر الأسلحة المُصنَّف أمريكياً والمُدان فيكتور أناتوليفيتش بوت لشراء طائرات تجارية ملائمة؛

استهدفت الفئة الأخيرة من العقوبات السفن، إلى جانب مالكيها ومُشغّليها، التي انتهكت العقوبات الأمريكية بتفريغ مشتقات نفطية في ميناء رأس عيسى بعد المهلة النهائية في 4 أبريل. صُنّفت شركة البراق للشحن ومديرها إبراهيم أحمد عبدالله المطري لتيسيرهما تسليم منتجات نفطية إلى رأس عيسى عبر السفينة (البراق ز)، إلى جانب قبطان السفينة أحمد إسماعيل، كما صنّف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية قباطنة أربع سفن سبق تصنيفها سلّمت منتجات بترولية إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين في الحديدة بين أبريل ويونيو من العام الماضي.

تُعدّ العقوبات الجديدة جزءاً من حملة أمريكية مكثّفة لخنق الجماعة مالياً، غير أن أنشطة السوق السوداء المعتادة للحوثيين وتجارتهم مع كيانات أخرى مُصنَّفة تجعل من غير المرجح أن تستنزف العقوبات مصادر تمويلهم بالكامل.

الكتاب
وضاح العولقي

كبير الاقتصاديين

يشغل وضاح العولقي منصب كبير الاقتصاديين في مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية منذ عام 2019. ويتمتع بخبرة تزيد عن عقد من الزمن في مجال البحوث الاقتصادية والتحليل وتطوير السياسات المتعلقة باليمن. وقد شغل عدة مناصب رئيسية في البنك المركزي اليمني، أشرف… اقرأ المزيد.

إصدارات ذات صلة