عَلَم يمني فوق ركام مدرسة الشيخ إبراهيم عقيل في مديرية المظفر بتعز، 10 أكتوبر 2024 // بعدسة: البراء منصور

الحوثيون يؤسسون لسابقة خطيرة

أعلنت جماعة الحوثيين (أنصار الله) في 20 يوليو، فرض حصار بحري على السعودية، وبعد أيام فقط، قالت إنها استهدفت ناقلتي النفط «إنسيليا» و«ليلى» بالصواريخ والطائرات المسيرة، وقد أفادت السلطات السعودية بأن حريقا اندلع في إحدى السفينتين. بناء على ذلك، سارعت الأسواق وشركات الشحن إلى التفاعل؛ فتضاعفت تكاليف التأمين على الرحلات العابرة للجزء الجنوبي من البحر الأحمر، وغيرت ناقلات مساراتها، وبدأت شركة أرامكو السعودية بإتاحة كميات إضافية من النفط الخام عبر ميناء سيدي كرير المصري على البحر المتوسط. تصاعد الأمر ليشمل ضربات سعودية ذات طابع دفاعي بعد عملية حوثية إضافية في البحر الأحمر، وتصعيدا حوثيا استهدف العمق السعودي شمل كلا من ميناء ينبع ومنشآت نفطية في جيزان، لتزداد خطورة المرور على امتداد البحر الأحمر، وذلك على الرغم من الهدوء المؤقت بين واشنطن وطهران.

بالتأكيد وبعد هذه التطورات، فإن إعلان الحصار ليس مجرد دعاية حوثية، ولا تهديدا روتينيا ضمن مواجهة الجماعة مع الرياض؛ فما جرى خلال الأيام القليلة الماضية يشكل تحولا واضحا في مسار التصعيد الحوثي. الأخطر من ذلك أنه يمثل محاولة لفرض معادلة سياسية وأمنية جديدة في المنطقة: جماعة مسلحة تسيطر على جزء من بلد أنهكته الحرب ومزقته، باتت تعتقد أن بإمكانها تحديد من يُسمح له بالعبور عبر واحد من أهم الممرات المائية في العالم، وإجبار دول المنطقة والمجتمع الدولي على القبول بشروطها لضمان المرور الآمن.

أتقن الحوثيون فن الحرب اللامتناظرة، فالجماعة لا تحتاج إلى إغلاق باب المندب بالكامل، وقد لا تمتلك القدرة على إبقائه مغلقا لفترة طويلة، بل يكفيها أن تثير حالة من عدم اليقين حتى تعيد شركات التأمين تقدير المخاطر، وتغير ناقلات النفط مساراتها، وترتفع تكاليف الوقود والشحن، ويضطر العالم إلى نشر سفن حربية ومنظومات دفاع جوي باهظة الكلفة. من خلال التهديد باستخدام العنف، يستطيع فاعل مسلح من غير الدول، يتسم بالخطورة والتهور، أن يفرض تكاليف هائلة على الاقتصاد العالمي ومنظومة الأمن الإقليمي، بكلفة زهيدة للغاية بالنسبة إليه.

ولا يعود ذلك إلى قدرات الحوثيين وحدها، بل هو أيضا نتاج سنوات من التردد وسوء التقدير على المستوى الدولي؛ فمنذ معركة الحديدة عام 2018، أرسل المجتمع الدولي مرارا إشارات إلى الحوثيين مفادها أن التهديد باستخدام القوة أكثر فاعلية من خفض التصعيد والحوار، وجرى التعامل مع سيطرتهم على جزء كبير من الساحل الغربي لليمن كأمر يمكن احتواؤه، والتعامل مع توسع ترسانتهم الصاروخية باعتباره جزءا من توازن القوى في الحرب اليمنية، ومع هجماتهم على السفن التجارية باعتبارها مرتبطة زمنيا بالحرب في غزة وستتوقف بمجرد تغير الظروف السياسية. لم يكن أي من هذه التقديرات صائبا.

لم ينظر الحوثيون يوما إلى البحر الأحمر بوصفه ساحة مؤقتة للنشاط العسكري، بل استخدموا هذا الممر المائي الاستراتيجي مختبرا لقدرتهم على إجبار العالم على التفاوض معهم، والتحول من جماعة محلية إلى فاعل إقليمي. نتيجة لذلك، بدأ الحوثيون يبالغون في تقدير قوتهم، وهي ذهنية عززتها استجابة دولية تعاملت مع كل حالة تصعيد بوصفها قضية منفصلة، بدلا من مواجهة المصدر الأساسي للتهديد.

قد تدمر الضربات الجوية مواقع إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة، لكنها لم تمنع الحوثيين من إعادة تنظيم قدراتهم، فقد أثبتت سنوات من الضربات الجوية السعودية، التي أعقبتها جولات متتالية من الضربات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية، أن القوة الجوية وحدها لا تستطيع القضاء على تهديد متحرك ومتناثر، يتمركز في تضاريس وعرة، وتدعمه شبكات تهريب واسعة وخبرات عسكرية أجنبية. وقد أقر المسؤولون الأمريكيون بأن أية مواجهة أخرى في البحر الأحمر ستستنزف موارد عسكرية كبيرة، في وقت تنشغل فيه واشنطن بملفات أخرى في المنطقة.

تكشف التقارير الأخيرة التي أفادت بأن إيران طلبت من الحوثيين إغلاق باب المندب ونشر صواريخ وطائرات مسيرة في المرتفعات المطلة على الحديدة وخليج عدن، عن استمرار القيمة التي يمثلها الحوثيون بالنسبة إلى طهران؛ فقدرات الجماعة العسكرية هي ثمرة استثمار استراتيجي طويل الأمد، يمكن من خلالها تهديد خصوم إيران والممرات البحرية، مع إتاحة المجال أمام طهران لإنكار مسؤوليتها المباشرة.

لهذا السبب، لا يمكن فصل أمن البحر الأحمر عن السياسة المتبعة تجاه إيران، فلا جدوى من دخول المجتمع الدولي في مفاوضات مع طهران بشأن أمن الخليج أو منشآتها النووية، بينما تظل قدرتها على إغلاق باب المندب خارج نطاق التفاوض. كما لا يجوز أن يتحول أمن الملاحة البحرية إلى ورقة مساومة يمكن للحوثيين، أو إيران من خلفهم، استخدامها مرارا لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، فالسماح بذلك يؤسس لسابقة خطيرة: كل جماعة قادرة على تهديد ممر بحري حيوي أو تعطيل التجارة الدولية ستسعى إلى انتزاع تنازلات سياسية، ولن يقتصر ذلك على اليمن، بل سيشجع جماعات مسلحة أخرى، في المنطقة وخارجها، على استهداف طرق التجارة والبنية التحتية المدنية لفرض مطالبها.

ما يحتاج إليه المجتمع الدولي الآن ليس مجرد تحالف بحري آخر أو جولة جديدة من الضربات المنفصلة، بل استراتيجية شاملة تربط حماية الملاحة البحرية بمصدر التهديد على البر. هذا يعني اعتراض تدفق الصواريخ ومكوناتها والتكنولوجيا العسكرية إلى الحوثيين، وملاحقة شبكات التمويل والتهريب، وتعزيز قدرات خفر السواحل اليمني ومؤسسات الدولة، ودعم قوى محلية قادرة على حماية الساحل ضمن إطار الدولة، بدلا من ترتيبات عسكرية مؤقتة أو متنافسة.

يعني ذلك أيضا إعادة بناء العملية السياسية اليمنية على أساس واضح: ينبغي ألا تحجب فترة الهدوء النسبي الأخيرة داخل اليمن حقيقة أن طرفا واحدا ما زال يكدس الأسلحة، ويستولي على موارد الدولة، ويستخدم الأراضي اليمنية للمشاركة في صراعات إقليمية، فالهدنة التي لا تقود إلى انتقال سياسي وإعادة توحيد مؤسسات الدولة لا تنهي الحرب، بل تعلقها إلى أن يقرر الطرف الأقوى استئناف القتال في التوقيت الذي يختاره.

لم يعد بوسع اليمنيين الاستمرار في دفع ثمن الصراع، فحماية المدنيين، والحفاظ على تدفق المساعدات الإنسانية، وفتح الطرق والموانئ ضرورات لا يجوز استخدامها لتبرير التساهل مع اقتصاد الحرب الحوثي. يجب أن يكون المجتمع الدولي قادرا على التمييز بين حماية السكان، وبين تمكين سلطة مسلحة تستولي على الموارد وتتخذ من الاحتياجات الإنسانية غطاء سياسيا.

ما يزال من الممكن منع الابتزاز الحوثي من التحول إلى منظومة راسخة في البحر الأحمر، لكن ذلك يتطلب من المجتمع الدولي تجاوز نهج التعامل مع كل أزمة بوصفها حادثة منفصلة، ففي كل مرة تكافأ فيها تهديدات الحوثيين، تزداد قناعة واحدة رسوخا لديهم: أن العالم لا يتحرك إلا عندما تصبح مصالحه عرضة للخطر، وأن أسرع وسيلة للحصول على ما يريدونه هي إطلاق صاروخ في البحر الأحمر.

العودة للأعلى
مشاركة:
الكتاب
ماجد المذحجي

مؤسس مشارك ورئيس المركز

ماجد المذحجي هو مؤسس مشارك ورئيس مركز صنعاء، شغل سابقًا منصب المدير التنفيذي منذ عام 2014 حتى 2022. نُشرت أبحاثه ومساهماته حول اليمن في منصات أكاديمية وإعلامية مختلفة، وهو معلّق دائم عن الشؤون اليمنية في وسائل الإعلام العربية.

الإصدارات الأكثر قراءة

وجهات نظر وتحليلات 17 يوليو، 2026 14:30 دقيقة الهجوم على مطار صنعاء: قراءة خبراء مركز صنعاء ياسمين الإرياني، ميساء شجاع الدين، عبدالغني الإرياني، صلاح علي صلاح، ونيد والي تقارير اليمن 4 يونيو، 2026 15:48 دقيقة التطورات الاقتصادية — تقرير اليمن، الفصلي: يناير إلى مارس 2026 وضاح العولقي ترجمات 3 يوليو، 2026 26:48 دقيقة هل أصبح باب المندب ورقة إيران الأخطر إلى جانب هرمز؟ أحمد الديب أوراق بحثية وتقارير 31 يناير، 2022 89:03 دقيقة القبائل والدولة في اليمن ريم مجاهد أوراق بحثية وتقارير 28 ديسمبر، 2025 25:24 دقيقة تاريخ التحالفات السياسية في اليمن ودروس المستقبل ميساء شجاع الدين وتوفيق الجند تقارير اليمن 4 يونيو، 2026 15:51 دقيقة التطورات العسكرية والأمنية — تقرير اليمن، الفصلي: يناير إلى مارس 2026 وليام كلوف أوراق بحثية وتقارير 19 فبراير، 2022 22:05 دقيقة قبائل شمال اليمن بين حقبة صالح وعهد الحوثيين: دراسة مقارنة عادل دشيلة أوراق بحثية وتقارير 12 مايو، 2021 20:22 دقيقة المجالس الرئاسية في اليمن: استكشاف المحاولات السابقة لتقاسم السلطة والإمكانيات من أجل المستقبل ميساء شجاع الدين