إصدارات تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

الحوثيون يضربون إسرائيل ويدخلون المعترك الإقليمي

Read this in English Read this in English

في الـ28 من مارس، وبعد شهر بالتمام من انطلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على إيران، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجومين بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفا إسرائيل، وقد راجت التكهنات منذ بداية الحرب بأن الحوثيين سينضمون في نهاية المطاف إلى المعارك إلى جانب حليفتهم إيران، غير أن السؤال يبقى: لماذا قررت الجماعة التدخل الآن؟

ثمة تفسير أول لتريّث الحوثيين أربعة أسابيع، مفاده أنهم كانوا في حالة استعداد ورصد، يحسبون التوقيت المناسب للدخول في الحرب بما يُعظّم تأثيرهم. ثمة قراءة ثانية للأحداث، لا تتعارض مع الأولى، وهي أن الحوثيين أبدوا قدراً من الحذر، فقد خلّفت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على المناطق الخاضعة لسيطرتهم في اليمن عام 2025، أضراراً جسيمة، تفوق بكثير ما شهدته عمليات العام 2024، المحدودة. كشفت تلك الضربات عن اختراق استخباراتي أمريكي إسرائيلي أعمق بكثير، إذ طالت منصات الإطلاق الصاروخية المتنقلة ومستودعات الأسلحة ومواقع تصنيعها، وأودت بحياة قيادات عسكرية ومدنية حوثية.

في هذا السياق، ما يستحق الإشارة في قرار الحوثيين الانضمام أخيراً إلى الحرب، هو ما أحجموا عنه لا ما أقدموا عليه، فرغم أنهم هددوا بتعطيل الملاحة البحرية في البحر الأحمر من جديد، إلا أنهم امتنعوا عن ذلك حتى الآن. يُمثّل استئناف العمليات العسكرية ضد حركة الشحن أبرز أوراق ضغط الجماعة: ففي عامَي 2024 و2025، نجحت الهجمات الحوثية في إجبار غالبية السفن على تجنّب باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وأحد أهم المضايق البحرية في الاقتصاد العالمي، واللجوء بدلاً من ذلك إلى الطريق الأطول والأكثر كلفةً عبر جنوب أفريقيا.

إن الاقتصار على إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل لا يتيح للهجمات الحوثية أن تُحدث أثراً حاسماً في موازين القوى على الجبهات، وإن كانت هذه الهجمات تُسهم في الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى استنزاف مخزونات صواريخ الاعتراض الإسرائيلية، فإن إسرائيل قادرة في الوقت الراهن على اعتراض الغالبية العظمى من الصواريخ والمسيّرات الحوثية، ولن تتجاوز الأضرار المادية في إسرائيل، في أحسن الأحوال، حدوداً ضيّقة.

يبدو مرجّحاً في الوقت الراهن أن الحوثيين يتجنبون تجديد مساعيهم لإغلاق باب المندب والبحر الأحمر، ويُرجَّح أنهم يُقدّرون، وبصواب، أن الإقدام على ذلك سيُعرّضهم لردود عسكرية أمريكية إسرائيلية متجددة. من المستبعد جداً أن يكون الردع قد أثّر في الحوثيين على نحو دائم، بيد أن الأضرار التي ألحقتها بهم الولايات المتحدة وإسرائيل وطالت أصولهم العسكرية، يبدو أنها أعادت رسم موازنتهم بين الكلفة والمكسب، وأفضت إلى قدر من الحذر؛ فالحوثيون هم القوة العسكرية الأقوى داخل اليمن، وليس هناك حالياً طرف واحد أو تحالف من الفاعلين اليمنيين قادر على هزيمتهم، غير أنهم يظلون عُرضةً للاستهداف، لا سيما على الصعيد الاقتصادي، وقرار الانخراط الكامل في الحرب عبر الاعتداء على الشحن في البحر الأحمر سيكشفهم أمام ردود عسكرية واسعة النطاق.

في المراحل الأولى من الحرب الراهنة، افترض كثير من المحللين أن الحوثيين سيكونون أكثر ميلاً إلى الانضمام إلى المعترك إذا غدا سقوط الجمهورية الإسلامية أمراً وارداً، غير أن هذا السيناريو لا يبدو وارداً في الوقت الراهن؛ فالجمهورية الإسلامية منهَكة لكنها لم تُهزم، وانهيارها لا يلوح في الأفق. وربما يُجري الحوثيون الآن حسابات مغايرة: فقد يكون انخراطهم في الحرب، بصورة محدودة، هدفه المساهمة في تعزيز أوراق الضغط الإيرانية في المفاوضات مع الولايات المتحدة لوقف النزاع.

وإن كانت ضربات الحوثيين على إسرائيل لا تُغيّر قواعد اللعبة في الصراع الأشمل، فإنها تُرسل رسالة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل وسواهما بأن الجماعة لا تزال تمتلك أوراق ضغط وقدرة على توسيع نطاق الصراع، وستُفاقم أي هجمات على الشحن في البحر الأحمر الأثرَ بالغ الخطورة الذي يُلقيه الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز على الاقتصاد العالمي أصلاً، ولما كان للحوثيين مصلحة استراتيجية في دعم مساعي إيران لصياغة الترتيبات التي ستنبثق عن مرحلة ما بعد الحرب، فإن هذا التهديد يُعزز أوراق طهران عبر مضاعفة الضغط على إدارة ترامب.

على الأرجح تتشكّل حسابات الحوثيين أيضاً في ضوء حرصهم على إدارة علاقتهم بالمملكة العربية السعودية؛ فرغم أنهم في حالة حرب مع المملكة منذ عام 2015، فإن وتيرة العنف خفتت إلى حد بعيد منذ مطلع العشرينيات من هذا القرن، وبات الطرفان منخرطَين في مسار دبلوماسي متقطّع يسعى إلى التفاوض على ترتيب يمني جديد لمرحلة ما بعد الحرب، وإذا جدّد الحوثيون هجماتهم في البحر الأحمر، فسينعكس ذلك حتماً على صادرات ميناء ينبع السعودي، الذي أعادت المملكة عبره توجيه بعض تدفقاتها النفطية تفادياً لمضيق هرمز. هكذا تُتيح الضربات المحدودة على إسرائيل للحوثيين تجنّب تصعيد كبير محتمل مع جارتهم السعودية، مع تذكير الرياض في الوقت ذاته بما يمتلكه الحوثيون من قوة.

يُضاف إلى ذلك أن من الأهداف المتكررة للحوثيين تحقيق مكاسب دعائية عبر تصوير أنفسهم مدافعين عن القضية الفلسطينية، فبضرب إسرائيل، يُجدّدون ادعاءهم بأنهم الفاعل العربي الوحيد المتصدي للأعمال الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، ولا شك أن العمليات الإعلامية للجماعة ستوظّف هذه الرواية كما فعلت في السابق.

أخيراً، وفي سياق فهم قرار الحوثيين مهاجمة إسرائيل، تجدر الإشارة إلى أنهم ليسوا وكيلاً إيرانياً بالمعنى الحرفي للكلمة، أي ليسوا أداةً في يد طهران أو ذراعاً من أذرع سياستها الخارجية، وبينما يفتقر المحللون إلى فهم دقيق لآليات التنسيق الحوثي الإيراني المشترك، فإنه لا يوجد ما يدل على أن إيران تُصدر الأوامر للحوثيين فيمتثلون. صحيح أن الحوثيين يحظون بدعم إيراني واسع، وأن الطرفين يتشاركان كثيراً من الأهداف الأيديولوجية والإقليمية، بيد أن الحوثيين قوميون متشددون يذودون بشراسة عن استقلاليتهم، وقرارهم بمهاجمة إسرائيل اتُّخذ على الأرجح بالتنسيق الوثيق مع إيران — غير أنه في نهاية المطاف قرارهم هم.


يندرج هذا التحليل ضمن سلسلة إصدارات يُصدرها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بتمويل من وزارة الخارجية النرويجية، في إطار برنامج إعادة تصوّر السلام في اليمن في المشهد الإقليمي.

مشاركة