إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

افتتاحية مركز صنعاء

أحد الجوانب الأقل بروزاً في اتفاق الرياض الموقع في 5 نوفمبر / تشرين الثاني بين الحكومة اليمنية المعترفة بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي، شمل الالتزام بمحاربة الفساد- ويضاهي في أهميته البنود الأخرى -. وينتقد الكثيرون في عدن وعلى امتداد الجنوب غياب الخدمات العامة وانقطاع الكهرباء المتواصل على الممارسات الحكومية غير المستقيمة. وقد صعدت مظاهر الفساد الغضب تجاه هذه الممارسات وبالتالي الدعم الشعبي للمجلس الانتقالي الجنوبي ضد الحكومة اليمنية، وساعد في تغذية التطلعات الجنوبية للانفصال عن بقية اليمن.

ينص اتفاق الرياض – الذي تم بوساطة سعودية لدمج المجلس الانتقالي الجنوبي في الحكومة اليمنية وفي قواتها العسكرية والأمنية – صراحة على أنه ينبغي إخضاع الإنفاق العام لإشراف البرلمان ونص كذلك على إصلاح وإعادة تمكين الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والمجلس الاقتصادي الأعلى وتعيين موظفين جدد. وفي غياب هذه الكيانات خلال النزاع، كانت قضايا الفساد تذهب مباشرةً إلى مكتب الرئيس – وهذا كرس المشكلة بدلاً من تخفيفها. ومؤخراً يقوم رئيس الوزراء اليمني معين عبد الملك سعيد باستعمال هذا التفويض بمكافحة الفساد للتصويب تحديدا على الكسب غير المشروع المتعلق بواردات الوقود في جنوب اليمن – إحدى أكبر النفقات في دفاتر الحكومة- ومن المرجح أن نتيجة جهوده هذه ستشكل مؤشراً لنجاح أو فشل جهود الإصلاح الأخرى.

حالياً، تعتبر واردات الوقود في جنوب اليمن، من اختصاص رجل واحد وهو أحمد العيسي، رجل الأعمال والمليونير المقرب من الرئيس عبدربه منصور هادي، وعلى الأرجح هو الشخص المفسد لخطط عبد الملك. ربط العيسي نفسه بهادي منذ كان الأخير وزيرا للدفاع منتصف التسعينات. وحين استلم هادي الرئاسة في 2012، أصبح العيسي واحدا من مستشاريه الاقتصاديين. وفي فبراير / شباط 2015، حين فر هادي من الحوثيين من صنعاء إلى عدن البعيدة عن قبضتهم، وفر العيسي له “وسادة مالية” إذ كان يعاني من ضائقة مالية.

في أبريل / نيسان 2016، حين أزاح هادي المهندس خالد بحاح من منصبه كرئيس للوزراء، قامت الرياض، التي غضبت من قرار هادي، بوقف المساعدات المالية لهادي، فقام العيسي – مجدداً- بتوفير المال له لإبقائه واقفا على قدميه. وحالياً العيسي هو رسمياً نائب مدير مكتب رئاسة الجمهورية للشؤون الاقتصادية.

مملكة أعمال العيسي ضخمة وغامضة، ويواجه الرجل اتهامات بتهريب النفط في شرق أفريقيا منذ أواخر التسعينات، وخلال الأزمة اليمنية الراهنة، قام بإدارة الأمور اللوجستية للقوات المدعومة من التحالف في اليمن وعمل بالشراكة مع نجل الرئيس، جلال هادي، لإنشاء خطوط طيران الملكة بلقيس. وهو أيضاً رئيس الاتحاد اليمني لكرة القدم. ولكن لعل الأهم من هذا كله أن العيسي هو مالك ورئيس مجلس إدارة مجموعة أحمد العيسي والتي تشمل ﺷﺮﻛﺔ ﻋﺒﺮ ﺍﻟﺒﺤﺎﺭ ﻟﻠﻤﻼﺣﺔ ﻭﺍﻟﺸﺤﻦ ﻭﺍﻟﺘﻔﺮﻳﻎ والتي تتخصص في النقل البحري للوقود والمشتقات النفطية.

في 2015، حين عانت الحكومة اليمنية لتؤمن واردات الوقود لجنوب اليمن، فرتب العيسي عمليات توصيل الوقود – بالآجل – لشركة مصافي عدن، الجهة الوحيدة المخولة باستيراد الوقود في عدن. وحتى يومنا هذا، تبلغ قيمة الديون المستحقة للعيسي حوالي 200 مليون دولار أمريكي. ويبدو أن العيسي يسيطر أيضاً على شخصيات في شركة مصافي عدن مما ساعده على الهيمنة على استيراد الوقود إلى جنوب اليمن. ومثال على ذلك ما حدث في أغسطس / اب من هذا العام حين قامت شركة مصافي عدن بإصدار قرار بإجراء مناقصة لاستيراد الوقود – لم يتم الإعلان عن قرار المناقصة رسمياً، ورغم تقدم ثلاث شركات للمنافسة، فإن جميع تلك الشركات كانت ملكا للعيسي. وبحسب مسؤولين كبار في الحكومة تحدثوا مع مركز صنعاء، فإن احتكار العيسي هذا سمح له بوضع أسعار أعلى من معدلات السوق.

ومؤخراً، لمح رئيس الحكومة إلى أنه ينوي جعل المناقصات المستقبلية لاستيراد الوقود عامة، وبالتالي السماح بمنافسة حقيقية. ستشكل هذه الخطوة تهديداً مباشراً لمدخول العيسي وقد هدد الأخير بالرد، بحسب مسؤولين كبار في الحكومة تحدثوا إلى مركز صنعاء، وهدد أيضاً بتعطيل واردات الوقود لجنوب اليمن لتشجيع الاحتجاجات الشعبية ضد الحكومة.

إن ارتباط العيسي الوثيق بهادي وبدائرته الرئاسية الضيقة تضعه أيضاً في مركز قوي للضغط الهيمنة على رئيس الوزراء حين تتفق الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي على حكومة جديدة. وما لا يصب في مصلحة عبد الملك هو أنه من شريحة التكنوقراط، ولا يملك سوى القليل من الدعم السياسي لحماية مركزه. إن بقاء عبد الملك في مركزه كرئيس وزراء في الحكومة المقبلة من عدمه قد يشير إلى أن الحكومة تفتح صفحة جديدة من الشفافية أو ستستمر في مواصلة الأعمال القذرة كالمعتاد.

 


ظهرت هذه الافتتاحية في التقرير الشهري “التفاوض والتهدئة” تقرير اليمن، نوفمبر / تشرين الثاني 2019

 

افتتاحيات مركز صنعاء السابقة:

مشاركة