جدول المحتويات
رجل مشرد يجلس تحت مجسمات طائرات مسيّرة وصواريخ معروضة في ميدان التحرير بالعاصمة اليمنية صنعاء بتاريخ 21 يناير 2025. // الصورة لمركز صنعاء

مدينة تتآكل في صمت: البقاء والتكيف في صنعاء

قد تبدو صنعاء للوهلة الأولى مدينة تقاوم الانهيار؛ فأسواقها القديمة والحديثة تعج بالمارة، وحركة المرور لا تهدأ، والمتاجر تظل مفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل، غير أن هذا المظهر الخارجي يخفي تحولاً بنيوياً عميقاً في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمدينة؛ فالزحام الذي يملأ شوارعها لا يعكس تعافياً اقتصادياً أو نمواً في القدرة الشرائية بقدر ما يجسد سعياً متواصلاً لتأمين الاحتياجات الأساسية في ظل تفاقم انعدام الأمان المالي وتآكل الاستقرار المؤسسي.

بعد أكثر من عقد على اندلاع الصراع، تجاوزت أزمة اليمن بكثير نطاق الدمار المادي، وأعادت تشكيل تفاصيل الحياة الحضرية، ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين (أنصار الله). لقد أدى الانقسام المالي والنقدي بين مراكز السلطة المتنافسة، إلى جانب تعطل وظائف البنك المركزي وتوقف صرف رواتب مئات الآلاف من موظفي القطاع العام، إلى التحول من اقتصاد مؤسسي إلى اقتصاد قائم على الأسر. ومع تراجع دور المؤسسات العامة، اضطرت المجتمعات المحلية إلى ابتكار آليات بديلة للبقاء، بالاعتماد على شبكات التكافل المحلية ومدخرات الأسر. وتتجلى الأزمة البنيوية والتراجع الاقتصادي بوضوح في التحولات التي طرأت على الحياة اليومية للسكان. استناداً إلى ملاحظات الكاتبة الشخصية بصفتها من سكان صنعاء، وإلى ما خلصت إليه مقابلاتها مع سكان محليين، تتناول هذه المادة كيفية تغيير الصراع الممتد للنسيج الاقتصادي والاجتماعي للمدينة، وكيف تقوض استراتيجيات البقاء الحالية أسس مستقبل اقتصادي تراكمي.

اقتصاد آخذ في الانكماش

تشير تقديرات البنك الدولي إلى استمرار انكماش الاقتصاد اليمني، حيث توقع انكماشه بنسبة 1.5% عام 2025.[1] وانخفض نصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 58% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، [2] ليهبط بالقيمة الاسمية إلى نحو 384 دولاراً أمريكياً وفقاً لصندوق النقد الدولي، [3] ما يضع دخل الفرد بين الأدنى عالمياً. تشكل هذه التحولات في مؤشرات الاقتصاد الكلي المحرك البنيوي المباشر لانزلاق أكثر من 18 مليون يمني إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد، واتساع دائرة الاحتياج الإنساني الشامل لتضم حالياً نحو 22 مليون شخص، [4] في وقت يشهد فيه التمويل الدولي تراجعاً حاداً.

كان تعليق رواتب موظفي الدولة من بين أكثر تداعيات الحرب تأثيراً؛ فعلى مدى عقود، شكلت الرواتب الشهرية لموظفي الدولة ركيزة لاستقرار الطبقة الوسطى وعنصراً منظماً للدورة الاقتصادية الحضرية. اعتمدت الأسر على هذا الدخل المنتظم لوضع خطط طويلة الأجل للتعليم والرعاية الصحية والسكن، كما اعتمد عليه التجار في اتخاذ قرارات الاستثمار والتوريد استناداً إلى طلب محلي مستقر ومستدام.

أدى تعليق الرواتب في صنعاء، وما تلاه من الاعتماد على نصف راتب يصرف على فترات غير منتظمة، والتراجع العام في القدرة الشرائية، إلى انهيار هذه المنظومة.[5] أفضت التداعيات إلى تحول كامل في أنماط الاستهلاك العامة، فانتقلت الأسر من التخطيط المالي الشهري إلى إدارة ما يتوفر لديها من سيولة يوماً بيوم، وتحولت العادات الاستهلاكية من الشراء بالجملة أو تخزين المواد الغذائية إلى ما يُعرف محلياً بنظام «الحبة»، حيث تشتري الأسر كميات محدودة من السلع الأساسية، مثل الزيت والسكر والأرز، لتغطية احتياجات يوم واحد، اعتماداً على الدخل اليومي أو الشراء بالدين قصير الأجل.[6]

سرعان ما انعكس ذلك على أصول الأسر ومدخراتها المتراكمة، فاضطرت أسر كثيرة إلى بيع ما تملكه من ذهب وعقارات، ثم مقتنيات شخصية وأثاث منزلي، وأصبحت الضائقة المالية واضحة في أسواق البيع المحلية عبر الإنترنت؛ إذ تُظهر صفحات البيع والشراء على فيسبوك ومجموعات الأعمال التي تديرها نساء على واتساب زيادة ملحوظة في عدد الأسر التي تعرض مقتنياتها الشخصية للبيع، وغالباً بذريعة احتمال الانتقال إلى مكان آخر. في الواقع، اضطرت أسر كثيرة إلى بيع أصولها المنزلية لتسديد الإيجار أو تغطية تكاليف طبية طارئة أو رسوم جديدة ترتبت على فقدان التعليم العام المجاني.[7]

نمو القطاع غير الرسمي

أدى استمرار الخلل المؤسسي إلى زيادة الضغوط على سكان صنعاء لتنويع استراتيجيات كسب الدخل، وبينما اعتاد بعضهم منذ فترة طويلة استكمال دخلهم من الوظائف الرسمية بمصادر دخل إضافية أو أعمال مؤقتة، حولت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة ما كان في السابق استراتيجية بديلة لكسب العيش إلى وسيلة ضرورية للبقاء.

أصبح من الشائع بصورة متزايدة أن يعمل المعلمون والإداريون في وظائف إضافية بعد انتهاء ساعات عملهم الرسمية. يجسد الروتين اليومي لخالد، [8] وهو مدرس تاريخ في الخمسينيات من عمره، هذا التحول، [9] فبعد مغادرة مدرسته الحكومية في قلب صنعاء، يتجه مباشرة إلى بسطة صغيرة للخضروات يديرها في السوق القريب، وهي الوسيلة الوحيدة التي يستطيع من خلالها إعالة أسرته. تعكس حالة خالد أوضاع آلاف المعلمين وموظفي الخدمة المدنية، الذين اتجه كثير منهم إلى قيادة الدراجات النارية أو سيارات الأجرة. يحتاج السكان إلى سيولة فورية لتغطية تكاليف المعيشة، ونتيجة لذلك، أصبحت وظائف القطاع العام عنصراً ثانوياً في استراتيجيات كسب العيش العامة، التي باتت تركز في المقام الأول على الاستجابة للأزمات، إذ فقد العمل الرسمي دوره التاريخي في تحديد الاستقرار المالي أو المكانة الاجتماعية.

برزت استراتيجيات التكيف بصورة خاصة بين النساء؛ فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في مساهمة النساء الاقتصادية من داخل المنزل، متجاوزة الأنماط التقليدية، إذ تحولت المنازل إلى وحدات إنتاج صغيرة متخصصة في إعداد الأطعمة والحلويات والخياطة والحرف اليدوية.[10] كما أتاحت المنصات الرقمية وتطبيقات المراسلة، مثل تيليغرام وواتساب، مساحة تسويقية بديلة منخفضة التكلفة تتجاوز الإجراءات البيروقراطية والالتزامات المالية المرتبطة بالأسواق التقليدية.[11]

تولد الأنشطة التجارية المنزلية دخلاً مباشراً يدعم ميزانيات الأسر، لكن العاملين فيها يفتقرون إلى الحماية القانونية والتنظيمية وإمكانية الحصول على التمويل، ما يحصرهم في أعمال منخفضة الإنتاجية ويجعلهم شديدي التأثر بالتقلبات المحلية.

بالنسبة إلى لطيفة، وهي شابة من صنعاء، بدأت ريادة الأعمال بهاتف ذكي لا بمتجر، فقد بدأت بيع ملابس النساء والأطفال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكانت تشتري كميات صغيرة فقط. تمكنت من إطلاق المشروع بسبب عدم الحاجة لدفع إيجار محل، لكن محدودية المخزون أوجدت مشكلات خاصة بها: إذ كان رأس مالها العامل محدوداً ولم يكن لديها احتياطي مالي ولا وسيلة موثوقة لامتصاص أي تراجع مفاجئ في الطلب أو ارتفاع في أسعار الجملة.

تعمل تجارة لطيفة وفق دورة بسيطة: تشتري كمية صغيرة، ثم تبيعها، وتستخدم العائد لشراء الدفعة التالية. لذلك، فإن أسبوعاً ضعيف المبيعات لا يؤثر في أرباحها فحسب، بل قد يوقف الدورة بأكملها، وقد فكرت في توسيع مخزونها وإضافة منتجات منزلية، لكن ذلك يتطلب رأس مال لا تستطيع الحصول عليه بسهولة عبر النظام المالي الرسمي.[12]

تعكس تجربة لطيفة نمطاً أوسع موثقاً بين رائدات الأعمال اليمنيات، فالمشروعات المنزلية والرقمية يمكن أن توفر مصدراً مهماً لدخل الأسرة، لكنها تظل مقيدة بمحدودية الوصول إلى رأس المال والأسواق ودعم تطوير الأعمال. تعمل رائدات الأعمال اليمنيات في ظل حالة من عدم اليقين في السوق ومحدودية الوصول إلى رأس المال، وتبدأ نساء كثيرات بمهارات وأفكار، لكنهن يواجهن صعوبة في تحويلها إلى مشروعات مستدامة من دون دعم مالي وفني.[13]

يواجه الشباب ضغوطاً مماثلة: يمثل محمود، وهو فني شاب لإصلاح الهواتف المحمولة في صنعاء، جانباً آخر من الاقتصاد غير الرسمي ذاته، فهو يمتلك المهارات الفنية اللازمة لإصلاح الهواتف، لكن مشروعه يعمل برأس مال عامل محدود للغاية، وبدلاً من الاحتفاظ بمخزون من قطع الغيار، غالباً ما يشتري المكونات بعد أن يحضر أحد العملاء جهازاً يحتاج إلى الإصلاح.

التكاليف الأولية لهذا النموذج الأولية تظل منخفضة، لكنها تمنعه أيضاً من الاستفادة من الطلبات الأكبر أو توسيع خدماته، وإذا تأخر عدد من العملاء في السداد، يصبح جزء من رأس ماله المحدود معطلاً، وعندما ينخفض الطلب، قد يتراجع دخله سريعاً إلى ما دون المبلغ اللازم لتغطية الإيجار والمواصلات ونفقات الأسرة.[14]

لذلك، لا يتمثل العائق أمام نمو مشروع محمود بالضرورة في نقص العملاء أو القدرات الفنية، بل في غياب احتياطي مالي يتيح له شراء المعدات والاحتفاظ بالمخزون والصمود خلال فترات ضعف الطلب. تعكس حالة محمود هشاشة كثير من المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة في اليمن، حيث يمكن لمحدودية الوصول إلى التمويل الميسور وعدم اليقين في السوق والصدمات الاقتصادية المتكررة أن تبقي المشروعات عالقة عند نطاق صغير. وثق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي كيف يمكن لإتاحة التدريب والمعدات ودعم بدء المشروعات أن تحدد قدرة الشباب اليمنيين على تحويل مهاراتهم الفنية إلى مشروعات مستدامة.[15]

وصفت أم محمد، وهي أم لأربعة أطفال تبيع المخبوزات بصنعاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واقع هذا العمل: «نعمل فقط لتغطية تكاليف الطعام اليومية وتأمين الوجبات الأساسية، وأي ارتفاع في أسعار الدقيق أو غاز الطهي يهدد بتوقف عملنا بالكامل، إذ لا نملك مدخرات تحمينا إذا مرضنا أو تدعم عملنا وتجنبنا الخسائر».[16]

يزداد هذا الوضع هشاشة مع تراجع التمويل الدولي للاستجابة الإنسانية في اليمن إلى 28% فقط من الاحتياجات المسجلة.[17] يمثل هذا العجز الحاد في التمويل أدنى مستوى للدعم الدولي الذي واجهته عمليات الإغاثة في المنطقة خلال عقد، ما أدى إلى تقليص واسع للبرامج في مجالات الأمن الغذائي والصحة والمياه النظيفة.

العلاقات الاجتماعية كشبكة أمان بديلة

أدى تراجع الخدمات والوظائف الاقتصادية للمؤسسات الرسمية إلى ظهور آليات بديلة للحماية الاجتماعية ترتكز على العلاقات الأسرية.[18] أصبح رأس المال الاجتماعي، القائم على روابط القرابة والسمعة وعلاقات الجوار، العامل الحاسم في قدرة الأسرة على إدارة أزمات سبل العيش وامتصاص الصدمات الاقتصادية المتعاقبة.[19]

في ظل توقف صادرات النفط وتراجع الإنتاجية، تمد تحويلات المغتربين، ولا سيما من دول مجلس التعاون الخليجي المجاورة، الاقتصاد المحلي بالعملة الأجنبية وتؤمّن مستويات أساسية من استهلاك الأسر. قُدرت تحويلات المغتربين اليمنيين بنحو 7.4 مليار دولار أمريكي خلال العام 2024، بما يمثل أكثر من 38% من الناتج المحلي الإجمالي لليمن، [20] وتؤدي دوراً مهماً في الحيلولة دون مزيد من التدهور الاقتصادي والإنساني. يعكس هذا الاعتماد المتزايد تحولاً بات فيه الدخل يُولد إلى حد كبير خارج حدود البلاد، ما يربط قدرة الاقتصاد المحلي على الصمود مباشرة بسياسات العمل في الدول المضيفة بدلاً من مؤشرات الإنتاج المحلي.

على المستوى المحلي، أصبح ما يُعرف بـ«دفتر الديون»[21] في متاجر البقالة بأحياء صنعاء بديلاً فعلياً عن البنوك، إذ يعمل كشبكة تمويل يومية توفر للسكان الغذاء والاحتياجات الأساسية من دون تعقيدات المعاملات الورقية، معتمداً بالكامل على الثقة الشخصية والسمعة ومكانة الأسرة داخل الحي، لكن هذه المرونة تضع عبئاً ثقيلاً على صغار أصحاب المتاجر، الذين يواجهون خطر الإفلاس مع تعثر العملاء في سداد ديونهم. وصف أبو سمير، وهو صاحب بقالة في صنعاء، هذه المعضلة قائلاً: «أصبح الدفتر أثقل من البقالة نفسها. الديون تتراكم من جيراني ومن موظفي الدولة المتضررين من خفض الرواتب، ولا أستطيع الضغط عليهم للسداد. في الوقت نفسه، اضطررت إلى البدء برفض البيع بالدين للأسر النازحة حديثاً لأنني لا أعرفهم». أضاف: «إذا استمر الوضع على هذا النحو […] فسأضطر إلى إغلاق متجري قريباً».[22]

أفرز هذا الوضع انقساماً اجتماعياً حاداً داخل المدينة. وأصبح رأس المال الاجتماعي، القائم على روابط القرابة والسمعة وعلاقات الجوار، العامل الحاسم في قدرة الأسرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية المتعاقبة.[23] بالمقابل، تظل الأسر المعزولة والأسر النازحة التي تفتقر إلى هذه الروابط الاجتماعية والشبكات المحلية الأكثر تضرراً والأشد جوعاً؛ فالتهجير القسري يجرد الأسر من الجدارة الائتمانية التي بنتها في أسواقها المحلية السابقة، في حين يُؤمَّن الغذاء في الأسواق الجديدة تقليدياً عبر خطوط ائتمان غير رسمية تقوم على سمعة أسرية راسخة. مع انقطاعها عن شبكات التكافل المجتمعي ومواجهتها احتكاكات اجتماعية في البيئات المضيفة، تُستبعد هذه الفئات المهمشة بصورة منهجية من تقاسم موارد الحي، مثل تقاسم تكلفة صهاريج المياه أو شبكات الكهرباء بالطاقة الشمسية. نتيجة لذلك، يواجه النازحون داخلياً والمجتمعات المعزولة جغرافياً مستويات متراكمة من الهشاشة تسرع انزلاقهم إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد.[24]

ثمن الصمود: جيل ضائع

يدفع مجتمع صنعاء ثمناً باهظاً لتجنب الجوع، ويأتي التعليم في مقدمة الضحايا. تظهر أحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن أكثر من 4.5 مليون طفل في اليمن أصبحوا خارج المدارس بسبب تراكم آثار الفقر وتعليق رواتب المعلمين على مدى عقد.[25] إضافة إلى ذلك، تآكلت الأسس البنيوية للتعليم، إذ تعرض أكثر من 3,400 مدرسة في أنحاء البلاد لأضرار جزئية أو كاملة، أو جرى تحويلها إلى استخدامات غير تعليمية.[26] أدى ذلك إلى نزوح قسري من الفصول الدراسية ودفع جيل كامل من الشباب بصورة منهجية إلى سوق العمل غير الرسمي، في مقايضة للتنمية البشرية طويلة الأجل بالبقاء الفوري للأسر.

في قلب صنعاء، تكشف الملاحظات الميدانية التجريبية أن هذا الانهيار المؤسسي أجبر أسراً كثيرة على سحب أطفالها من المدارس، ودفعهم في سن مبكرة إلى سوق عمل غير رسمي قاسٍ وغير منظم تهيمن عليه أعمال إصلاح المركبات والبيع في الشوارع وإعادة تدوير الخردة. تضحي هذه المقايضة القسرية بمحو الأمية والتعليم للأجيال على المدى الطويل من أجل تلبية احتياجات البقاء اليومية والفورية.

يصف سلطان، وهو موظف حكومي خُفض راتبه واضطر ابنه البالغ من العمر 14 عاماً إلى ترك المدرسة للعمل في ورشة ميكانيكا، هذا الخيار الصعب قائلاً: «مدرسة ابني مغلقة عملياً بسبب نقص المعلمين، وأسرتنا بلا دخل. لم يكن أمامي خيار سوى أن أسمح له بترك دراسته وتعلم مهنة تساعدنا على دفع الإيجار ووضع الدقيق والزيت على المائدة، حتى لو كان ذلك يعني التضحية بمستقبله».[27] يمتد هذا التراجع إلى ما هو أبعد بكثير من الأطفال في سن الدراسة، ليطال الشباب الذين كان يُفترض أن يلتحقوا بالجامعات لكنهم فقدوا الأمل في بناء مسار مهني في اقتصاد المدينة المنكمش، كما تحولت الهجرة من طموح شخصي إلى واجب أسري إلزامي، هدفه تأمين تحويلات مالية لدعم الأسر في الوطن.

يستنزف هذا الوضع تدريجياً الكفاءات المؤهلة والقوى العاملة الشابة في صنعاء، تاركاً الأجيال المقبلة أقل مهارة وتعليماً، ومضعفاً آفاق التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار على المدى الطويل، وجاعلاً مستقبل المدينة معتمداً بالكامل على التطورات والمساعدات الخارجية.

فخ البقاء ومتطلبات التعافي

على خلاف عدن أو تعز اللتين شهدتا حرباً حضرية واسعة النطاق، لا تزال البنية التحتية المادية لصنعاء سليمة إلى حد كبير، كما لا تزال مدينتها القديمة المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي محفوظة بصورة لافتة، مع بقاء عمارتها المميزة ونسيجها الحضري التقليدي ظاهرين، غير أن هذا الطابع التاريخي تعرض لضغوط متزايدة على مدى سنوات الصراع. أسهمت الغارات الجوية المتكررة على صنعاء والمنطقة الحضرية الأوسع، بما في ذلك تلك التي نُفذت خلال تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية، إلى جانب الضربات الإسرائيلية الأحدث، في تدهور أوسع للبيئة الحضرية، فيما حدت اضطرابات الحرب من جهود الصيانة والحفاظ. مع مرور الوقت، أصبحت الآثار المجتمعة للأضرار المادية والإهمال وعدم كفاية أعمال الترميم أكثر وضوحاً في حالة المباني التاريخية والمنشآت المحيطة بها.[28]

تظل الأزمة الحالية بالنسبة إلى السكان مؤسسية واقتصادية في المقام الأول؛ فقد أوجدت آليات التكيف المحلية، مثل الاعتماد على العمل غير الرسمي وشبكات الائتمان المجتمعي، استقراراً مؤقتاً عند أدنى مستويات الدخل، ومع أن هذه الآليات حالت دون توقف عمليات البيع والشراء تماماً، وحافظت على حد أدنى من السيولة النقدية في السوق، فإنها عاجزة عن توليد نمو اقتصادي أو توفير وظائف مستقرة.[29]

تترسخ ممارسات الطوارئ لتتحول إلى أنماط اقتصادية دائمة كلما طال أمد الأزمة، وهذا يدفع نحو نمو الأنشطة التجارية الصغيرة محدودة العائد على حساب القطاعات الأكثر إنتاجية، واتسعت الفجوة بين الاقتصاد غير الرسمي غير المنظم والاقتصاد الرسمي المنظم، وتآكلت بصورة أكبر القدرة الشرائية للطبقة الوسطى وموظفي القطاع العام الذين فقدوا دخولهم.

لا تعكس حركة المرور والنشاط التجاري في أسواق صنعاء تحسناً في المؤشرات الاقتصادية، بل هي نتاج الجهود اليومية التي يبذلها السكان لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية، والتي يضحون من أجلها بفرص التعليم وتنمية مهارات المستقبل، ومن ثم، يتمثل التحدي أمام سلطات الأمر الواقع في صنعاء في تصميم وتنفيذ حلول تنهي الاعتماد على هذه الأنشطة الهشة، وتعيد تفعيل المؤسسات المالية الرسمية، وتنقل الاقتصاد نحو نموذج منظم قادر على توفير وظائف مستدامة وتحقيق الاستقرار المالي للمواطنين.

لا تنهار صنعاء بالمعنى التقليدي، كما أنها لا تتعافى اقتصادياً: إنها مدينة أعادت صياغة آليات بقائها، لكن على حساب مستقبلها. آليات التكيف فيها أصبحت استنزافية في جوهرها، وتعتمد على التصفية المنهجية لأصول المدينة طويلة الأجل لتلبية الاحتياجات الأساسية الفورية، وبإخراج ملايين الأطفال من الفصول الدراسية ودفعهم إلى سوق العمل غير الرسمي، تستنزف المدينة رأسمالها البشري الثمين. مع اضطرار الأسر إلى بيع ثرواتها المتوارثة عبر الأجيال، مثل الأراضي والمجوهرات والأصول الرأسمالية، يؤدي الغياب الكامل للاستثمار المؤسسي إلى تدهور البنية التحتية الحضرية الحيوية.

عملياً، تلتهم صنعاء مستقبلها لتمويل كلفة بقائها على قيد الحياة، وفي نهاية المطاف، فإن أخطر ما أفرزه الصراع هو ترسيخ اقتصاد حرب شديد القدرة على التكيف مع الأزمات الحادة، لكنه عاجز بنيوياً عن تحقيق تنمية بشرية مستدامة.

الهوامش
  1. ياسمين عثمان ومحمد العكاوي، «مرصد الاقتصاد اليمني: التعامل مع التجزؤ الاقتصادي»، مجموعة البنك الدولي، 1 ديسمبر 2025، https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/099603311122530091
  2. «نظرة عامة على اليمن: صحيفة حقائق»، مجموعة البنك الدولي، تاريخ الاطلاع: 10 أغسطس 2026، https://www.worldbank.org/ext/en/country/yemen
  3. «قاعدة بيانات آفاق الاقتصاد العالمي: الملف القطري لليمن»، صندوق النقد الدولي، أبريل 2026، https://www.imf.org/external/datamapper/profile/YEM
  4. «خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن 2026 (مارس 2026)»، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، 18 مارس 2026، https://www.unocha.org/publications/report/yemen/yemen-humanitarian-needs-and-response-plan-2026-march-2026
  5. هيئة تحرير مركز صنعاء، «حصار الحوثيين في البحر الأحمر لا يمكنه إخفاء أزمة الحكم والجوع»، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 31 يوليو 2026، https://sanaacenter.org/the-yemen-review/april-june-2026/28059
  6. مقابلات ميدانية أجرتها الكاتبة مع سكان وأصحاب متاجر محليين في صنعاء، اليمن، حضورياً، 2025–2026.
  7. استناداً إلى رصد الكاتبة لمبيعات السلع المستعملة عبر صفحات فيسبوك المتخصصة في البيع والشراء ومجموعات التاجرات على واتساب في صنعاء، اليمن (2025–2026). للاطلاع على أمثلة من هذه المنشورات، انظر: وردة الجوري، فيسبوك، 23 يونيو 2026، https://www.facebook.com/share/p/1EMtoqnZLY/ و https://www.facebook.com/share/p/1Pj6SMyvFK/
  8. استُخدمت أسماء مستعارة لجميع الأشخاص المذكورين في هذا المقال لأسباب أمنية.
  9. مقابلة مع خالد، صنعاء، يونيو 2026.
  10. «اليمن: التمكين الاقتصادي للمرأة في السياق اليمني»، ACAPS، 6 يونيو 2023، https://www.acaps.org/fileadmin/Data_Product/Main_media/20230606_acaps_thematic_report_yemen_womens_economic_empowerment_in_the_yemeni_context.pdf
  11. «كل يوم يجلب مصدر رزق جديداً: التمكين الاقتصادي للمرأة في اليمن»، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 31 يوليو 2024، https://sanaacenter.org/publications/policy-research/23122
  12. مقابلة مع لطيفة، صنعاء، يوليو 2026.
  13. «كل يوم يجلب مصدر رزق جديداً: التمكين الاقتصادي للمرأة في اليمن»، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 31 يوليو 2024، https://sanaacenter.org/publications/policy-research/23122
  14. مقابلة مع محمود، صنعاء، يوليو 2026.
  15. «صُنع في اليمن: شباب يبتكرون حلولاً محلية مصممة للاستمرار»، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 12 أغسطس 2025، https://www.undp.org/arab-states/stories/made-yemen-youth-innovate-local-solutions-built-last
  16. مقابلة مع أم محمد، صنعاء، يونيو 2026.
  17. «الأمم المتحدة: خطة الاستجابة الإنسانية لليمن تواجه أسوأ فجوة تمويلية خلال عقد»، يمن أونلاين، 1 يناير 2026، https://www.yemenonline.info/special-reports/11266
  18. «اليمن: الحياة مستمرة في اليمن: حوارات مع أسر يمنية مع اقتراب الحرب من عامها الثامن»، ACAPS، 22 مايو 2022، https://reliefweb.int/report/yemen/acaps-thematic-report-yemen-life-goes-yemen-conversations-yemeni-families-war-nears-its-eighth-year-22-may-2022
  19. المرجع نفسه.
  20. «التحويلات المالية في اليمن: التقديرات والأثر»، ائتلاف النقد في اليمن، 25 نوفمبر 2025، https://reliefweb.int/report/yemen/remittances-yemen-estimates-and-impact
  21. دفتر الديون هو سجل يستخدمه التجار لتدوين ديون الزبائن والأفراد الذين يشترون منهم بالدين. ويستخدمه معظم التجار، إن لم يكن جميعهم، في الأحياء السكنية في صنعاء والعديد من المحافظات اليمنية.
  22. مقابلة مع أبو سمير، صنعاء، يونيو 2026.
  23. «اليمن: الحياة مستمرة في اليمن: حوارات مع أسر يمنية مع اقتراب الحرب من عامها الثامن»، ACAPS، 22 مايو 2022، https://reliefweb.int/report/yemen/acaps-thematic-report-yemen-life-goes-yemen-conversations-yemeni-families-war-nears-its-eighth-year-22-may-2022
  24. المرجع نفسه.
  25. «نداء اليمن: العمل الإنساني من أجل الأطفال»، منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، 2026، https://www.unicef.org/appeals/yemen
  26. «التعلّم للجميع: مزيد من الأطفال، مزيد من الفصول الدراسية»، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، 5 فبراير 2025، https://reliefweb.int/report/yemen/learning-all-more-children-more-classrooms
  27. مقابلة مع سلطان، صنعاء، يونيو 2026.
  28. «الملف التعريفي لمدينة صنعاء»، برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل الأمم المتحدة)، 2020، https://unhabitat.org/sanaa-city-profile
  29. «اليمن: الحياة مستمرة في اليمن: حوارات مع أسر يمنية مع اقتراب الحرب من عامها الثامن»، ACAPS، 22 مايو 2022، https://reliefweb.int/report/yemen/acaps-thematic-report-yemen-life-goes-yemen-conversations-yemeni-families-war-nears-its-eighth-year-22-may-2022.
العودة للأعلى
مشاركة:
الكتاب
سبأ الشاهد، اسم مستعار لكاتبة يمنية مقيمة في صنعاء.
الإصدارات

‫وجهات نظر وتحليلات ذات صلة

الإصدارات الأكثر قراءة

وجهات نظر وتحليلات 21 سبتمبر، 2026 07:09 دقيقة الحوثيون يستولون على الساحل الغربي في اليمن: آراء خبراء محمد القاضي، أ.د إلهام مانع، د. عزيز الغشيان، وماجد المذحجي وجهات نظر وتحليلات 22 سبتمبر، 2026 05:00 دقيقة البحث عن كبش فداء لن يعالج سوء إدارة الحرب في اليمن ميساء شجاع الدين أوراق بحثية وتقارير 10 يونيو، 2024 35:04 دقيقة الخطاب الدعائي للحوثيين في الإعلام: دراسة في الحرب الأيديولوجية والفكرية برهان أحمد ترجمات 24 أغسطس، 2023 19:03 دقيقة مستقبل اليمن: سيناريو التقسيم أو نموذج حزب الله أو سيطرة طالبان أحمد الديب أوراق بحثية وتقارير 31 يناير، 2022 89:03 دقيقة القبائل والدولة في اليمن ريم مجاهد وجهات نظر وتحليلات 1 سبتمبر، 2026 10:54 دقيقة عودة الحرب في اليمن: المعطيات والمآلات – قراءة خبراء مركز صنعاء حسام ردمان، عبدالغني الإرياني، ميساء شجاع الدين، ولارا اولينهاوت وجهات نظر وتحليلات 10 سبتمبر، 2026 07:18 دقيقة من سيشكّل النظام الجديد في البحر الأحمر؟ ماجد المذحجي أوراق بحثية وتقارير 17 يناير، 2022 27:08 دقيقة دور السعودية في جنوب اليمن حسام ردمان