جدول المحتويات
موكب لقوات ألوية العمالقة يعبر منطقة صحراوية في محافظة أبين، أغسطس 2026 // صورة لمركز صنعاء

إعادة بناء المؤسّسة العسكرية اليمنية: التجارب التاريخية ومسارات الإصلاح

شكّل استيلاء جماعة الحوثي (أنصار الله) على المخا في العاشر من سبتمبر، وما رافقه من انهيار سريع في صفوف القوات الحكومية، مؤشراً صارخاً على حجم التحديات التي تواجه المؤسسة العسكرية اليمنية، وهي تحديات لا تنفصل عن الأزمة السياسية الأوسع التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عقد. يُعدّ ما تعانيه القوات المسلحة من تشرذم وانقسام انعكاساً مباشراً، في جوهره، لأزمة الدولة اليمنية نفسها، بما يطبعها من تآكل مؤسّسي وتنازع على الشرعية، وصعود مراكز قوى متنافسة تتقاطع مصالحها وتتصادم.

كشف فقدان الساحل الغربي وتقدّم الحوثيين في أرياف تعز عن العواقب الوخيمة لهذا الانقسام؛ فقد أخفقت القوات الحكومية، ومزّقتها الولاءات المحليّة المتنافسة والأجندات السياسية المتعارضة، مراراً في العمل تحت قيادة وطنية موحّدة. يبدو أنّ إعلان الحكومة في الرابع من أكتوبر عن عملية “فجر اليمن”، وهي هجوم مضادّ واسع تدعمه السعودية، يؤذِن بدخول الحرب اليمنية الممتدّة مرحلةً جديدة بالغة الدمويّة، ويؤكّد الحاجة الملحّة إلى أن تلتزم الحكومة وشركاؤها الإقليميون والدوليون بإعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية.

لتفكيك أسباب تشرذم المؤسسة العسكرية نحتاج إلى ما هو أبعد من تحليل ديناميكيات الصراع الدائر؛ فالانقسامات داخل الجيش اليمني تعود جذورها إلى عقودٍ من الصراع السياسي ومحاولات قاصرة ومشوهة لبناء الدولة، التي تعود إلى ثورة عام 1962، مروراً بمرحلة استقلال الجنوب، وصولاً إلى الوحدة اليمنية. يُسهم تتبّع كيفية تشكّل هذه الانقسامات عبر الزمن في تفسير الصعوبة البالغة التي اكتنفت إصلاح المؤسسة العسكرية في اليمن، كما قد يُرشد إلى سُبل ممكنة لإعادة هيكلتها على أسس مهنية وشاملة ووطنية، بما يخدم مشروعاً سياسياً موحّداً.

الجذور التاريخية للأزمة

نشأة الجيشَين في الشمال والجنوب

ظلّت المؤسسة العسكرية اليمنية من أعقد التحديات المرتبطة ببناء الدولة في البلاد، منذ ثورة 26 سبتمبر 1962، التي أطاحت بإمامة المملكة المتوكلية وأعلنت قيام الجمهورية العربية اليمنية في شمال اليمن. تشكّل جيش الجمهورية العربية اليمنية حينها من معسكَرين متقابلَين: بقايا المؤسسة العسكرية الموروثة عن المملكة المتوكلية، وكان جُلّ أفرادها من قبائل الشمال؛ وجموع المتطوعين الذين انضووا تحت لواء الثورة، وقد فُتحت لهم معسكرات للاستقبال والتدريب في معظم محافظات الشمال. لعبت مصر دوراً محورياً في تشكيل جيش الجمهورية الحديثة، من خلال برامج التدريب الميداني والتأهيل واستضافة الضباط والأفراد اليمنيين، وقد تألّفت النواة الأولى من أربعة ألوية مشاة: لواء الثورة، لواء العروبة، لواء النصر، ولواء الوحدة، غير أنّ ديناميكيات الحرب التي تشكّلت في ظلّ تشابكات إقليمية معقّدة وهدفت إلى ترسيخ النظام الجمهوري الفتيّ في شمال اليمن، هيمنت على مسار تطوّر المؤسسة العسكرية، وحالت دون نشوء مؤسسة عسكرية وطنية مهنية؛ إذ جرى تأطير تلك الحرب بوصفها جزءاً من صراع إقليمي أوسع بين نظام جمال عبد الناصر الجمهوري، الذي دعم حركات التحرر الوطني، والممالك التي خشيت امتداد المدّ الناصري، وقد زاد هذا البعد الإقليمي من حدّة الصراع بين الجمهوريين والملكيين، وأبقى الدولة أسيرة دوّامة من التأهّب الحربي، فلم تُتَح للجمهورية فرصة تُذكر لإنشاء مؤسسات مستقرّة أو لترسيخ بنيان قواتها المسلحة.

اتّخذ عبدالله السلال، قائد القوات الثورية التي أطاحت بالإمامة، وأول رئيس للجمهورية العربية اليمنية، خطوات لإنشاء هياكل قيادية وتنظيمية أكثر رسوخاً، خلال العام 1966، وذلك عبر استحداث أربع هيئات: هيئة العمليات الحربية، وهيئة إدارة الجيش، وهيئة الإمداد والتموين، وهيئة التسليح العسكري العام، وقد احتلّت هيئة العمليات الحربية المرتبة الثانية في التسلسل القيادي، مباشرةً بعد القائد الأعلى للقوات المسلحة المشير السلال.[1]

شهِدت المؤسسات العسكرية في الشمال، من منتصف ستينيات القرن الماضي حتى منتصف سبعينياته، إصلاحات هيكلية وتنظيمية متعاقبة، لكن لم يبلغ أيّ منها حدّ صياغة عقيدة عسكرية وطنية أو بناء جيش وطني مهني ومؤسسي، إذ ظلّت تلك الإصلاحات مقيّدة بالتسويات والتوازنات السياسية السائدة.

بعد عام من انقلابه على السلطة المدنية للرئيس الإرياني، أجرى الرئيس إبراهيم الحمدي عام 1975، هيكلة شاملة للقوات المسلحة، في إطار مشروعه الرامي إلى تحديث الدولة وترسيخ سلطته؛ فأقال عدداً من كبار القادة وأحلّ محلّهم قادةً موالين للتوجّه الثوري الجديد، ودمج الوحدات العسكرية في أربع قوى رئيسية: قوات العمالقة، قوات الاحتياط، قوات المظلات، وقوات الشرطة العسكرية. بعد اغتيال الحمدي عام 1977، أجرى الرئيسان التاليان (أحمد الغشمي ثم علي عبدالله صالح) تغييرات هيكلية وتنظيمية، زادت من حجم الجيش وقوامه البشري، غير أنّ هذا التوسّع الكمّي لم يواكبه تقدّم موازٍ في بناء مؤسسات القيادة والسيطرة على أسس وطنية ومهنية، فقد ظلّت إعادة توزيع المناصب العليا وتشكيل الوحدات العسكرية مرتهنةً، بدرجات متفاوتة، بالحسابات السياسية لأصحاب السلطة، وبشبكات الولاء الشخصي والمناطقي والأسَري.

في عهد الرئيس صالح تحديداً، أقام النظام شبكة من مراكز القوة داخل المنظومة العسكرية والأمنية، عبر إسناد مواقع القيادة إلى شخصيات ترتبط به برابطة القرابة أو القبيلة أو المنطقة، الأمر الذي عزّز قبضة الرئاسة على مفاصل القوة العسكرية الرئيسية، ولم تقتصر هذه الممارسة على التعيينات العليا، بل امتدّت إلى استحداث وحدات وتشكيلات مهمّة ارتبط قادتها وقواعد نفوذها ارتباطاً وثيقاً بالدائرة الحاكمة.

الأهمّ من ذلك أنّ هذا النمط من التطوير العسكري أضعف سلسلة القيادة المؤسسية، فقد باتت مراكز قوى كثيرة داخل الجيش تستمدّ نفوذها من قُربها من الرئيس وشبكات الولاء المحيطة به، لا من موقعها الرسمي داخل القوات المسلحة وحده، وهكذا تحوّلت المؤسسة العسكرية تدريجياً من مؤسسة يُفترض أنّ وظيفتها الأساسية حماية الدولة والنظام الجمهوري، إلى إحدى الأدوات الرئيسية التي مارس عبرها النظام سلطته وضَمَن بها بقاءه.

تركت هذه المسيرة أثراً بالغاً في تطوّر المؤسسة العسكرية اليمنية، إذ رسّخت تعدّد مراكز القوى داخلها، وأضعفت قدرتها على العمل بوصفها قوة وطنية متماسكة، وجعلت التغيير السياسي اللاحق رهناً مباشراً بمصير مراكز القوة العسكرية التي نشأت في تلك المرحلة.

في جنوب اليمن (قبل 1990)، تشكّلت نواة جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل استقلال الجنوب (1967) من عناصر متعدّدة، من بينها أفراد المقاومة المنظّمة ضدّ الاحتلال البريطاني المنتسبون إلى الجبهة القومية وجبهة التحرير، وبقايا جيش اتحاد الجنوب العربي الذي أنشأه البريطانيون، ووحدات السلطنات اليمنية المختلفة التي احتفظت ببنى عسكرية شبه رسمية إبّان الحقبة الاستعمارية، ورغم المحاولات اللاحقة لتوحيد عقيدة الجيش وبناء هياكله المؤسسية، فإنّ طبيعة الدولة وحدّة التنافس الداخلي داخل الحزب الاشتراكي الحاكم حالت دون قيام مؤسسة عسكرية مهنية ومستقلة، الأمر الذي حوّل الجيش إلى سلاح في الصراعات الداخلية على السلطة بدلاً من أن يكون حامياً للدولة.

الجدير بالذكر أنّ الجيشين الشمالي والجنوبي لم يتشكّلا عبر مسار تدريجي مستقرّ لبناء المؤسسات، يهدف إلى إقامة جيش وطني موحّد يخضع لسلطة الدولة وقيادة مركزية واحدة، بل تشكّل كل منهما في ظروف ثورية وسياسية مضطربة، عبر دمج تشكيلات عسكرية ومجموعات مقاومة شعبية تباينت خلفياتها القبَلية والمناطقية والسياسية.

لم يكن توحيد اليمن عام 1990، والاتفاق على دمج القوات المسلحة إلّا مدخلاً إلى مرحلة جديدة من الإخفاق. فقد انتهى الأمر بالجيشين اللذين اتحدا اسمياً بموجب اتفاق سياسي، إلى الاقتتال في حرب صيف 1994، وكانت حصيلة ذلك الصراع تسريح معظم القوات التي كان يتألف منها جيش جنوب اليمن السابق، وتركّز السلطة في يد نظام الرئيس علي عبدالله صالح وأسرته، الذين تعاملوا مع المحافظات الجنوبية بوصفها أرضاً مهزومة أكثر منها جزءاً أصيلاً من الوطن.

انقسام المؤسسات العسكرية بعد عام 2011

على خلفية انتفاضة العام 2011، ضدّ الرئيس علي عبدالله صالح، أدّت الانقسامات داخل القوات المسلحة إلى تفكّك المؤسسة العسكرية على أُسُس سياسية وقيادية متنافسة، ما أفضى عملياً إلى نشوء معسكرَين عسكريين متوازيين: الأول موالٍ لصالح، وشكّل الحرس الجمهوري عموده الفقري؛ والثاني موالٍ للّواء علي محسن الأحمر، وتمحور حول الفرقة الأولى مدرّع. وقد أعلن الأحمر تأييده للانتفاضة الشبابية، فاستقطب عدداً من قادة المناطق العسكرية والألوية الذين انضموا إليه، وانشقّ الجيش اليمني، في مشهد عكس إخفاق عقود من تطوير المؤسسة العسكرية في إحلال الولاء المؤسسي الوطني المشترك محلّ الولاءات الشخصية والأسَرية والمناطقية.

خلال المرحلة الانتقالية التي أرستها المبادرة الخليجية، وفي ظلّ انتقال الرئاسة إلى عبد ربه منصور هادي، نائب صالح وضابط الجيش الجنوبي السابق، شرعت الدولة في الإعداد لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وتفكيك مراكز القوى التقليدية فيها، غير أنّ هذه العملية لم تكتمل قطّ، حيث افتقرت السلطة الانتقالية إلى القدرة على فرض قراراتها على مراكز النفوذ العسكرية والقبلية المختلفة، وظلّ التوافق السياسي حول مستقبل المؤسسة العسكرية هشّاً ومحدوداً، في خضمّ الصراع المحتدم بين القوى التقليدية على النفوذ داخل الدولة.

شهدت القوات المسلحة، على امتداد السنوات الخمس عشرة الماضية، سلسلة من التحوّلات والأزمات البنيوية التي قوّضت تماسكها المؤسسي، وأضعفت منظومات القيادة والسيطرة فيها، وأفقدتها القدرة على العمل بوصفها مؤسسة وطنية جامِعة، وقد رافق هذا الانهيار ظهور تشكيلات عسكرية وأمنية جديدة متعدّدة، تتباين توجّهاتها السياسية ومصادر تمويلها وهياكلها التنظيمية وعقائدها القتالية، الأمر الذي أفضى إلى تفتّت المشهد العسكري.

قد ترسّخ هذا التفتّت مع سيطرة القوات الحوثية على صنعاء في سبتمبر 2014، ولأن هياكل القيادة التابعة للقوات المسلحة اليمنية القائمة آنذاك ظلت متمركزة بصنعاء، فقد تحوّل المعسكر المناهض للحوثيين إلى كيانات مسلّحة شبه رسمية تنتظم وفق خطوط سياسية أو مناطقية أو أيديولوجية، ورغم إدماج بعض الوحدات اسميّاً ضمن ما تبقّى من جيش الدولة، فإنّ هذه القوات المستحدثة أو المُعاد تشكيلها مثّلت قطيعة جوهرية مع المؤسسة العسكرية الوطنية التاريخية في اليمن، لا امتداداً لها.

أفضت الحرب الطويلة التي تلت ذلك إلى بروز عدد متزايد من التشكيلات العسكرية والأمنية المرتبطة بأطراف سياسية إقليمية، فقد استثمرت إيران استثماراً كبيراً في الحوثيين، بينما دعمت السعودية جيش الحكومة المعترف بها دولياً، ثم أنشأت لاحقاً قوات درع الوطن. بدورها، دعمت الإمارات القوات الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي جرى حلّه، وألوية العمالقة، وقوات المقاومة الوطنية، وقد أدّى هذا التعقيد، إلى جانب استمرار الصراع، إلى إرجاء النقاشات الجادّة بشأن إصلاح قطاعيّ الدفاع والأمن في اليمن.

أدى ذلك بدوره إلى مفارقة لافتة في مسار تطوّر الفاعلين العسكريين في اليمن؛ ففي حين مضى الحوثيون نحو مأسسة ميليشياتهم، وتحويلها تدريجياً إلى بنية عسكرية شبه نظامية تتّسم بقيادة وسيطرة أكثر تماسكاً ووحدة، سارت القوى المناهضة لهم في الاتجاه المعاكس، نحو مزيد من التشرذم والتفكّك، وقد تجلى ذلك في ميادين القتال على مرّ السنين؛ حيث نجح الحوثيون مراراً في عزل الجبهات التي تتولّاها قوى متفرّقة ومواجهتها الواحدة تلو الأخرى، بينما ظلّت مكوّنات الحكومة المعترف بها دولياً تواجه صعوبات مستمرّة في تحقيق جاهزية عسكرية موحّدة أو اتّخاذ قرارات عملياتية، لدرجة أن كلّ معركة تخوضها فصائل أو جبهات موالية للحكومة عُدّت اختباراً قائماً بذاته لمدى التزام ذلك الطرف بالمعسكر الحكومي، الذي افتقر إلى رؤية سياسية موحّدة وقيادة عملياتية واحدة.

رغم المبادرات الكثيرة الرامية إلى إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وتوحيدها، وفي مقدمتها تشكيل اللجنة العسكرية والأمنية المشتركة المنبثقة عن اتفاق الرياض لعام 2019، وهو اتفاق لتقاسم السلطة هدَفَ إلى إنهاء الاشتباكات العسكرية بين المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الحكومية، فإنّ هذه الجهود أخفقت في إحداث أي تحوّل ذي شأن؛ حيث ظلّ التشرذم والانقسام والتنافس بين مراكز القوى المحلية والإقليمية سمات سائدة، ممّا زاد من تعقيد الأزمة اليمنية على المستويين السياسي والعسكري.

معركة شاقّة من أجل إصلاح حقيقي

الصراع الإقليمي الذي اندلع أواخر العام 2023، وفشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي السيطرة على شرق اليمن نهاية 2026، شكّلا منعطفَين مهمّين دفَعا الأطراف المحلية والإقليمية والدولية إلى إعادة تقييم مقاربتها للشأن اليمني، لا من أجل إنهاء الحرب والتوصّل إلى تسوية سياسية فحسب، بل كذلك من أجل إعادة بناء مؤسسات الدولة، وفي مقدّمتها المؤسستان العسكرية والأمنية. تُظهر هذه التطورات أنّ استمرار تعدّد مراكز القوة المسلحة وغياب قيادة عسكرية وطنية موحّدة لا يُعدّان مجرد نتيجتين للحرب، بل أصبحا عاملين يهدّدان استدامة أي تسوية سياسية، ويقيّدان قدرة الدولة على بسط سلطتها واحتكار استخدام القوة.

أثبت هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023، واندلاع الحرب الإقليمية، وبدء الحوثيين حَملتهم على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، أنّ هشاشة وتفكك المؤسسة العسكرية اليمنية لم تعد مشكلة داخلية بحتة، بل تهديدا مباشرا للأمن الإقليمي والدولي؛ فقد عجزت القوات العسكرية التابعة للحكومة اليمنية عن السيطرة على الممرّات المائية اليمنية أو ردع الحوثيين.

جاء التغيّر الثاني مع تحوّل المعسكر المناهض للحوثيين، إثر محاولة القوات المسلحة المدعومة إماراتياً والتابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي السيطرةَ على حضرموت والمهرة. أثبت ذلك أنّ تعدّد مراكز القوة وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات الرسمية والتشكيلات العسكرية والأمنية التابعة لأطراف سياسية ومناطقية مختلفة، لا يزال عقبة كبرى أمام إرساء ترتيبات سياسية وأمنية مستقرّة، وقد أدّى الحسم السعودي للمعركة في شرقي اليمن ضدّ القوات الموالية للمجلس الانتقالي إلى انتهاء التواجد العسكري الإماراتي في اليمن، وأصبحت الرياض الطرفَ الرئيسي المُشرف على المؤسسة العسكرية اليمنية.

بادرت السعودية فوراً إلى إيلاء الأولوية للتغييرات التنظيمية في القوات الحكومية، عبر تشكيل اللجنة العسكرية العليا، التي أُوكلت إليها مَهمّة إعادة هيكلة مختلف الوحدات العسكرية والأمنية وتنظيمها. عُيّن الفريق الركن فهد السلمان، وهو قائد عسكري سعودي، رئيساً للّجنة، ومن خلالها أحكمت الرياض سيطرتها الإدارية والمالية والعملياتية على مختلف القوات العسكرية في صفّ الحكومة. شملت هذه القوات التشكيلات التي كانت مدعومة سابقاً من الإمارات، ومنها ألوية العمالقة، وألوية الدعم والإسناد، وألوية الصاعقة، وقوات النخبة الحضرمية، وقوات دفاع شبوة، وقوات المقاومة الوطنية التي تضمّ عدّة ألوية على الساحل الغربي، بينما شملت القوات الأخرى الجيش الوطني الذي يضمّ هياكل عسكرية نظامية يرتبط كثير منها بحزب الإصلاح الإسلامي، وقوات خفر السواحل، وقوات درع الوطن، وقوات الطوارئ، وهي ألوية ذات توجّه سلَفي أنشئت ودربت بدعم من السعودية.[2]

أحرزت اللجنة العسكرية العليا، على الورق، بعض التقدّم الأولي عقب تشكيلها؛ إذ أرست في المرحلة الأولى إطاراً لتوحيد هياكل القيادة والعمليات تحت سلطة مركزية، وسَعَت إلى تحديد الصلاحيات والمسؤوليات، وأنشأت نظاماً للتسجيل البيومتري للحدّ من ظاهرة العناصر الوهمية في كشوفات القوات العسكرية. مثّل ذلك خطوة مهمّة نحو تحسين حوكمة القطاع العسكري والحدّ من الاختلالات المالية والإدارية التي رافقت الحرب، وفي مقدّمتها ظاهرتا الجنود الوهميين والازدواج الوظيفي، اللتان أسهمتا في نشوء اقتصاد حرب داخل بعض مؤسسات الدولة والتشكيلات العسكرية، غير أنّ هذه الإصلاحات أخفقت في إرساء هياكل مؤسسية وقيادية موحّدة أو آلية متماسكة لاتخاذ القرار العملياتي، وهي أوجه قصور انكشفت بجلاء في معارك سبتمبر التي استولت فيها القوات الحوثية على المخا ومناطق أخرى على امتداد الساحل الجنوبي الغربي لليمن، بل أسفرَت، بالمقابل، عن نشوء مقاربَتين متنافستَين داخل المعسكر الحكومي، تسعى كلٌّ منهما إلى التأثير في موقف الرياض من مستقبل المؤسسة العسكرية اليمنية:

رأى المعسكر الأول أنّ الإجراءات التي نفّذتها اللجنة العسكرية العليا تمثّل صيغة ملائمة لإدارة التنافسات القائمة، وفضّل إبقاء البنية الراهنة على حالها، مع اضطلاع السعودية بدور الضامن الرئيسي لتنسيق المنظومة العسكرية وإدارتها. رأى أنصار هذه المقاربة أنّ التعجيل بإعادة هيكلة شاملة قد يزعزع التوازن الهشّ والمشاريع السياسية التي تشكّلت وترسّخت في السنوات الأخيرة؛[3]

بالمقابل، رأى المعسكر الثاني أنّ جميع الفصائل العسكرية ينبغي أن تنضوي تحت مظلّة وزارة الدفاع، مُعتبراً ذلك المسار الطبيعي نحو استعادة الدولة التي تحتكر استخدام القوة المسلحة. رأى هذا المعسكر أنّ من شأن ترتيب كهذا أن يعزّز كذلك الثقل السياسي للدولة، بالنظر إلى القوة العسكرية وحجم القوات الخاضعة لسلطتها، غير أنّ هذه الرؤية واجهت مقاومة واسعة في أوساط القوى العسكرية التي خشيت أن يرجّح الدمج الكامل كفّة حزب الإصلاح، فيُعيد بذلك إنتاج اختلالات القوة القائمة بدلاً من حلّها.[4]

ينطوي كِلا النّهجين على أوجه قصور واضحة، الأمر الذي يؤكد الحاجة الملحّة إلى اتّباع مسار أكثر واقعية وتدرّجاً، يراعي مخاوف الأطراف المتبادلة ويضع في الحسبان التعقيدات السياسية والاجتماعية والإقليمية التي تحكم البلاد. تُشير تجربة بناء الجيش في شمال اليمن وجنوبه، ودمج الجيشين عام 1990، وحالة التشرذم الراهنة، كلّها إلى أنّ الدمج السريع والشامل تحت مظلة وزارة الدفاع قد يُفسَّر على أنّه إعادة توزيع لمراكز النفوذ أكثر من كونه مشروعاً وطنياً لإعادة بناء المؤسسة العسكرية. هناك أيضا احتمال بأن تنظر القوات الجنوبية إلى دمج القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي وألوية العمالقة ضمن الهياكل القائمة باعتباره محاولة لتقليص تمثيلها السياسي والعسكري، أو التفافاً على المطالب المتصلة بالقضية الجنوبية.

تجاوز الحلول الجزئية

لا تزال الإجراءات التنظيمية والفنية المتّخذة حتى الآن لتوحيد المؤسسة العسكرية اليمنية، على أهميتها، محدودة النطاق، ولا ترقى إلى مستوى الإصلاحات الهيكلية اللازمة لإعادة بناء المؤسسة العسكرية فعلياً وتعزيز مؤسسات الدولة اليمنية. ينبغي أن يقوم نهجٌ أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ على مبدأ توحيد القيادات قبل توحيد التشكيلات. ولا يهدف هذا النهج إلى إنشاء هياكل عسكرية موازية على نحو دائم، أو تجاوُز وزارة الدفاع بوصفها المؤسسة القانونية الناظمة للقوات المسلحة، بل ينطلق من افتراض مفاده أنّ الانتقال المباشر نحو دمج شامل في الظروف الراهنة قد يُفضي إلى نتائج عكسية. بناء عليه، فإنّ الترتيبات المقترحة تشكّل مرحلة انتقالية تهيّئ وزارة الدفاع لأداء دورها بوصفها المؤسسة الوحيدة المسؤولة عن تنظيم القوات المسلحة اليمنية.

في إطار الصيغة المقترحة، يبدأ توحيد القيادة العسكرية عبر مسارين متوازيَين: يقوم المسار الأول على إنشاء قيادة عمليات مشتركة تضمّ ممثّلين عن مختلف القوى العسكرية في المعسكر الحكومي، وتعمل تحت السلطة المباشرة لمجلس القيادة الرئاسي، وتتولّى تنسيق العمليات العسكرية، وإدارة خطوط الجبهات، وتوحيد القيادة والسيطرة؛ أمّا المسار الثاني فيقوم على إنشاء قيادة للتحوّل المؤسسي العسكري، تتولّى التخطيط الاستراتيجي والإشراف على التدريب والتأهيل والتطوير البنيوي، تمهيداً لعملية دمج أشمل وأكثر استدامة في المستقبل. بالتوازي مع ذلك، يُطلق المعسكر المناهض للحوثيين حواراً سياسياً عسكرياً للتوافق على أسس عقيدة عسكرية وسياسية وطنية جامِعة، وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة في ظلّ غياب التوافق حول دور المؤسسة العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب.

يتطلّب تحقيق السيطرة العسكرية الفعّالة تسلسلاً واضحاً للقيادة يربط مجلس القيادة الرئاسي بالوحدات العسكرية عبر قيادة العمليات المشتركة، وينبغي أن يستند هذا الإطار إلى منظومات اتصال موحّدة، ورقابة مؤسسية على التعيينات والموارد، وآليات للمساءلة عن تنفيذ الأوامر. بالتوازي مع ذلك، ينبغي لقيادة العمليات المشتركة أن توحّد معايير التدريب والتطوير المهني وإعادة الهيكلة التنظيمية، مع ربط تقديم الدعم المالي واللوجستي بمدى الامتثال لهذه المعايير. يعتمد نجاح عملية توحيد القوات على توافق سياسي وعسكري بشأن خضوع جميع التشكيلات العسكرية لسلطة الدولة، على أن يُعزّز ذلك بآليات مستقلّة للرقابة وتسوية النزاعات.

في المحصّلة، لن يُقاس نجاح عملية إعادة البناء بعدد الوحدات التي جرى دمجها أو إعادة تنظيمها، بل بقدرة المؤسسة العسكرية الجديدة على إرساء إطار وطني جامِع يحتكر استخدام القوة المسلحة، مع بقائه خاضعاً للسلطات السياسية الشرعية. من هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى إصلاح المؤسسة العسكرية اليمنية وإعادة بنائها بوصفهما جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة ذاتها، فكما أسهم انهيار الدولة في تفكّك المؤسسة العسكرية، فإنّ استعادة الدولة واستقرارها يظلّان مرهونَين بوجود جيش وطني مهني، ومن دون معالجة هذه الاختلالات الهيكلية، ستظلّ أي عملية لإعادة الهيكلة عرضةً للاختلالات ذاتها التي أفضت إلى انهيار المؤسسة العسكرية.


هذا التحليل جزء من سلسلة إصدارات ينتجها مركز صنعاء بتمويل من حكومة مملكة هولندا. تتناول هذه السلسلة قضايا ضمن محاور اقتصادية وسياسية وبيئية، بهدف إثراء النقاش وصنع السياسات المتعلقة باليمن على نحو يعزّز السلام المستدام.

الهوامش
  1. مقابلة مع العميد يحيى علي الشبّان، أحد منتسبي لواء المظليين في سبعينيات القرن الماضي، 23 أبريل 2026.
  2. أثار تعيين الفريق الركن فهد السلمان رئيساً للّجنة تساؤلات بشأن مدى الدور السعودي في إدارة القوات الموالية للحكومة، وإسهامه في بناء قيادة عسكرية يمنية موحّدة، ولا سيما مع استمرار إنشاء تشكيلات جديدة، من بينها قوات درع الوطن وقوات الطوارئ ذات التوجّه السلفي المدعومة سعودياً. قد يعزّز هذا النهج قدرة الرياض على الموازنة بين القوى العسكرية المتنافسة، غير أنه لا يعالج بالضرورة مكامن الضعف الهيكلية في المؤسسة العسكرية، بل قد يُرسّخ تعدّد التشكيلات العسكرية ومراكز النفوذ ما لم تُدمج هذه القوات في بنية مؤسسية موحّدة تخضع لسلطة الدولة اليمنية.
  3. مقابلات مع جنود من ألوية العمالقة، 12 نيسان/أبريل 2026.
  4. المرجع نفسه.
العودة للأعلى
مشاركة:
الكتاب
ماهر أبو المجد هو صحفي يمني مُقيم في إسطنبول، متخصص في السياسة والعلاقات الدولية. نُشرت له مقالات مع مراكز أبحاث يمنية وإقليمية.

الإصدارات الأكثر قراءة

الإصدارات 15 أكتوبر، 2026 04:43 دقيقة كيف أصبح الحوثيون بهذه الخطورة؟ ماجد المذحجي أوراق بحثية وتقارير 10 يونيو، 2024 35:04 دقيقة الخطاب الدعائي للحوثيين في الإعلام: دراسة في الحرب الأيديولوجية والفكرية برهان أحمد وجهات نظر وتحليلات 1 مايو، 2025 04:45 دقيقة ماذا لو قُتل عبد الملك الحوثي؟ ميساء شجاع الدين الإصدارات 24 أكتوبر، 2026 06:27 دقيقة عودة اليمن إلى الحرب: التداعيات على أمن الخليج يسار القطارنة، خلدون عبدالله، وأحمد دهشان وجهات نظر وتحليلات 4 أكتوبر، 2026 09:33 دقيقة معركة تعز والصراع على اليمن عيسى عبدالجليل، توفيق الجند، ماجد المذحجي، وماهر أبو المجد أوراق بحثية وتقارير 19 فبراير، 2022 22:05 دقيقة قبائل شمال اليمن بين حقبة صالح وعهد الحوثيين: دراسة مقارنة عادل دشيلة أوراق بحثية وتقارير 31 مايو، 2016 12:33 دقيقة السياسة تصعد الطائفية في اليمن فارع المسلمي أوراق بحثية وتقارير 7 يونيو، 2022 15:16 دقيقة حلّ مشاكل الحدود اليمنية -السعودية: الوقت حان لإحياء اللجان المشتركة محسن رمضان وتوفيق الجند