أنصار الحوثيين بمسيرة في صنعاء بمناسبة "يوم الولاية" في 8 أغسطس / آب 2020 // الصورة لمركز صنعاء

كيف تشكلت صورة الحوثيين وما الذي حجبته؟

لفهم صعود الحوثيين (أنصار الله) في اليمن، لا بد من تتبع كيفية تطور التصورات عن الجماعة بالتوازي مع تطورها العسكري والسياسي، وكيف ساعدتها هذه التصورات على التوسع؛ ففي مراحل مختلفة، ظهر الحوثيون بوصفهم حركة تتعرض للقمع، ومشاركين في احتجاجات شعبية، وقوة تواجه تنظيم القاعدة، وطرفا يقاوم التدخل الخارجي، وصولا إلى قوة عسكرية إقليمية. عكست كل صورة جانبا من طبيعة الجماعة، لكنها ظلت تؤثر في النظرة إليها حتى بعد أن تغيرت تلك الطبيعة جذريا، وفي الفجوة بين التصورات وما يجري على الأرض، تمكن الحوثيون مرارا من توسيع سلطتهم قبل أن تنجح تقديرات المراقبين في فهم الواقع.

أجاد الحوثيون تشكيل صورتهم، مستفيدين من أخطاء خصومهم، والمخاوف الإنسانية، وحسابات الدبلوماسيين والقادة العسكريين الأجانب، والتغطية الإعلامية للحرب في اليمن، وتمثلت براعة الجماعة في معرفة أي التصورات تخدم مصالحها، ومخاطبة كل جمهور بلغة تراعي اهتماماته.

تعود المرحلة الأولى من تشكل هذه الصورة إلى حروب صعدة الست، التي دارت بين عامي 2004 و2010؛ فحينها وصفت حكومة الرئيس علي عبدالله صالح الحوثيين بـ«المتمردين»، فيما كان جانب كبير مما يصل إلى المراقبين في الخارج يتعلق بقرى تعرضت للقصف، وأسر نزحت من ديارها، وقيود على إيصال المساعدات. كانت تلك مظالم حقيقية وثقتها منظمات حقوقية دولية، ووثقت هيومن رايتس ووتش أيضا انتهاكات نسبت إلى الحوثيين خلال حروب صعدة، منها تجنيد الأطفال والقتل والنهب، لكن الصورة التي ترسخت في الصحافة العالمية كانت صورة القمع والعنف اللذين مارستهما الدولة.

جاء التحول السياسي الأهم عندما امتد التعاطف مع سكان صعدة إلى الجماعة التي ادعت التحدث باسمهم. شجع الحوثيون هذا التحول بتقديم أنفسهم ممثلين لأقلية مذهبية مهددة، وكان زعمهم تمثيل الزيدية دعائيا من أساسه، فالانتماء المذهبي في اليمن يتداخل مع الروابط القبلية والمناطقية وغيرها من شبكات النفوذ، ومن غير الدقيق الحديث عن الزيديين بوصفهم كتلة سياسية واحدة، فضلا عن القول إنهم فوضوا جماعة بعينها لتمثيلهم، غير أن اختزال الصراع في هذا البعد جعل حشد الحوثيين للمقاتلين ومراكمتهم السلاح يبدو، في نظر بعض المراقبين ولفترة طويلة، امتدادا لجهود مجتمع يدافع عن نفسه.

بحلول العام 2011، كان بالإمكان رؤية الحوثيين من زاويتين مختلفتين تماما: ففي ساحة التغيير بصنعاء، ظهروا مشاركين في حركة احتجاجية وطنية واسعة ضد صالح، وأقاموا علاقات مع ناشطين وقيادات في أحزاب اللقاء المشترك المعارضة، وتبنوا لغة سياسية يتقاسمونها مع سائر المحتجين؛ أما في صعدة، فكان المشهد مختلفا، إذ كانت الجماعة تفرض سيطرتها بقوة السلاح على المحافظة بأكملها، وبينما أكسبها حضورها في ساحات الاحتجاج قبولا سياسيا خارج معاقلها، لم يحظ استيلاؤها على صعدة بما يستحقه من تمحيص. كانت معظم القوى السياسية منشغلة بمصير صالح، فيما كان الحوثيون يقدمون في صعدة نموذجا مبكرا لطريقتهم في الحكم.

استفادت الجماعة أيضا من سمعة خصومها؛ فقد كان علي محسن الأحمر أحد أبرز القادة العسكريين المرتبطين بحروب صعدة، ولم يمح انضمامه إلى الاحتجاجات الصورة السلبية التي تكونت عنه لدى الجمهور بحكم موقعه في نظام صالح، كما أثار حضور بعض الشخصيات المنتمية لحزب الإصلاح الإسلامي، كعبدالمجيد الزنداني، مخاوف داخل اليمن وخارجها؛ إذ رأى بعض المراقبين أن مواجهات الحوثيين مع هذه القوى تنسجم مع مواقفهم منها. هكذا أدت معارضة لعلي محسن والإصلاح إلى التساهل مع الجماعة وتنامي قوتها، من دون كثير من التفكير في الشكل الذي قد تتخذه سلطتها يوما ما.

كان الاعتقاد بأن الحوثيين قد يشكلون ثقلا موازنا لأطراف أخرى عاملا مهما أيضا في تشكيل النظرة إليهم في الخارج؛ فقد استثمر الحوثيون بداية عداءهم لتنظيم القاعدة في اليمن لتقديم أنفسهم قوة محلية يمكن الاستفادة منها في جهود مكافحة الإرهاب، ومرة أخرى، جرى تقييم الجماعة من خلال عدائها لتنظيم آخر، بدلا من تقييم سلوكها هي. لاحقا، أورد فريق خبراء الأمم المتحدة معلومات عن التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب، فرع تنظيم القاعدة في الصومال، خصوصا في تهريب السلاح وتبادل الخبرات، ووثق التقرير نفسه تعاونا بين الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب في اليمن. أظهرت هذه العلاقات مجتمعة كيف استطاع الحوثيون التعاون مع جماعات متطرفة أخرى رغم الانقسامات المذهبية العميقة، حين تلاقت مصالحهم، وناقض هذا الواقع الافتراضات السابقة بأن عداء الحوثيين للجماعات الجهادية ثابت.

كان استيلاء الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، حدثا مفصليا وضعهم في قلب الاستقطاب الوطني وأثار عداء واسعا للجماعة في أنحاء البلاد؛ فقد أجج استيلاؤهم على العاصمة بالقوة التوترات السياسية والمذهبية والمناطقية في عموم اليمن، وكانت لذلك تبعات خطيرة، حيث قاومهم اليمنيون بطرق مختلفة، لكن التدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية في مارس/آذار 2015، سرعان ما غير النظرة إلى الحرب؛ فقد تصدرت الغارات الجوية والخسائر في صفوف المدنيين والدمار التغطية الدولية، التي أبرزت أيضا التفاوت الهائل في الموارد والتسليح بين اليمن ودولتي التحالف، السعودية والإمارات. هكذا اختزلت حرب معقدة في مشهد دول غنية تقصف بلدا فقيرا.

استفاد الحوثيون من هذه الرواية المبسطة وقدموا أنفسهم ممثلين لليمن في مواجهة قوى خارجية، لكن الحرب كشفت داخل البلاد عن واقع مختلف تماما؛ ففي مطلع العام 2016، وثقت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية منع الحوثيين نقل الأغذية والإمدادات الطبية إلى مدينة تعز، بما في ذلك أسطوانات الأكسجين ومستلزمات غسيل الكلى. كانت هذه المعلومات عن جرائم الحرب التي ارتكبها الحوثيون متاحة، لكن أثرها في تقييم الجماعة تأخر، فبينما ظهر الحوثيون أمام جمهور دولي بوصفهم الطرف الذي يتعرض للقصف، عرفهم سكان تعز بوصفهم القوة التي تحاصر مدينتهم.

مع هدنة أبريل/نيسان 2022، برزت صورة الحوثيين بوصفهم طرفا يمكن احتواؤه واسترضاؤه عبر التفاوض. أتاحت الهدنة فترة طويلة من الهدوء النسبي للقتال، فخففت المعاناة وقللت أعداد الضحايا، لكن تراجع الهجمات أوضح ما حدث خلال الهدنة، ولم يفسر دوافع الاتفاق عليها أو ينبئ بما سيحدث بعدها. كان السؤال الأهم هو ما إذا كانت رغبة الحوثيين في العودة إلى الحرب وقدرتهم على خوضها قد تراجعتا أيضا، وفي غياب إجابة عن هذا السؤال، فُهم ضبط النفس المؤقت الذي أبداه الحوثيون خطأ بوصفه تغيرا دائما في أهدافهم.

خلال الهدنة التي تجددت ضمنيا، رأى الحوثيون فرصة جديدة لإعادة تشكيل صورتهم لدى الجمهور؛ فمع اندلاع الحرب في غزة عقب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، سرعان ما بدأ الحوثيون مهاجمة السفن التجارية في البحر الأحمر. لم تكن تلك أول مرة تستخدم فيها الجماعة القوة خارج حدود اليمن، ولا أول تهديد للسفن قبالة سواحله، فقد كان الجديد أن استمرار الهجمات جعل الحوثيين عاملا مباشرا في حسابات شركات الشحن والحكومات، وبينما رأت هذه الأطراف فيهم تهديدا جديدا ومستديما لمصالحها، كسبت الجماعة تعاطف شرائح واسعة من الرأي العام الدولي، رأت في عملياتها تحركا عمليا لدعم الفلسطينيين.

توضح طريقة مخاطبة الحوثيين للجمهورين التركي والمصري اليوم مدى استمرار الجماعة في العمل على تشكيل صورتها وإعادة تشكيلها؛ ففي رسالة إلى الجمهور التركي في أكتوبر/تشرين الأول 2026، دعا علي العماد، عضو المكتب السياسي للحوثيين، الأتراك إلى التأثير في موقف حكومتهم من اليمن، وطرح الوساطة بديلا عن الانخراط في المواجهة، وصور القتال حول المخا وباب المندب باعتباره دفاعا عن الأراضي اليمنية في وجه السعودية ووكلائها. أغفل هذا التصوير أن الصراع يدور أيضا بين اليمنيين أنفسهم حول من يحكم البلاد وبأي حق، وحين يحذر العماد الجمهور التركي من مواجهة الشعب اليمني، فإنه يقدم جماعته بوصفها ممثلة لليمنيين جميعا. يستدعي هذا الخطاب أيضا ما تختزنه الذاكرة الوطنية والثقافية التركية عن اليمن منذ الحروب العثمانية، وما ارتبط بها من خسائر ومعاناة. لا يحتاج الحوثيون إلى كسب التأييد التركي لمشروعهم السياسي، إذ يكفي استحضار كلفة الصراعات القديمة وتقديم تجنب المواجهة سبيلا لمنع تكرارها.

أدلى المسؤول الحوثي محمد البخيتي بتصريحات مماثلة بشأن مصر، أشار فيها إلى تدخلها في اليمن في ستينيات القرن الماضي وما آل إليه من نتائج وخيمة، لكن الجماعة جمعت بين الاستمالة والتهديد؛ فخلال المقابلة نفسها، تحدث البخيتي عن عظمة مصر، فيما رحب العماد بدعوة شيخ الأزهر أحمد الطيب إلى تشكيل لجنة من شخصيات بارزة للوساطة وإنهاء الحروب في المنطقة. تتيح مكانة الأزهر للجماعة أن تظهر أمام الجمهور المصري متجاوبة مع دعوة دينية وأخلاقية للسلام، من دون أن تلتزم بأي مسار محدد على الأرض.

المناورة ممارسة دائمة لدى الحوثيين، فهم يستثمرون الغضب الحقيقي إزاء ما يجري في المنطقة، ويدّعون التحدث باسم من يشعرون بهذا الغضب، ثم يقدمون موقفهم كما لو أن كل من يشاركهم الغضب يتبنى أيضا رؤيتهم. الخطر هو أن يستخدم الحوثيون التصعيد نفسه للترويج للتسوية التي يريدونها، فهم يذكرون الآخرين بالكلفة التي يستطيعون تحميلهم إياها، ثم يطرحون الاتفاق بوصفه الخيار الأقل كلفة. أعتقد أن هذا الأسلوب بات واضحا للجميع، فإذا قرأ المتعاملون مع الحوثيين كل بادرة تهدئة بمعزل عما سبقها، ستظل هذه المناورة تنجح، والمشكلة أكبر مما نتخيل.


هذا التعليق جزء من سلسلة إصدارات ينتجها مركز صنعاء بتمويل من وزارة الخارجية النرويجية، ضمن برنامج «إعادة تصور السلام في اليمن ضمن السياق الإقليمي». تسعى السلسلة إلى دعم جهود بناء السلام في اليمن من خلال دراسة روابط البلاد الأمنية والاقتصادية بمحيطها الأوسع في الخليج والبحر الأحمر من منظور استراتيجي.

العودة للأعلى
مشاركة:
الكتاب
ماجد المذحجي

مؤسس مشارك ورئيس المركز

ماجد المذحجي هو مؤسس مشارك ورئيس مركز صنعاء، شغل سابقًا منصب المدير التنفيذي منذ عام 2014 حتى 2022. نُشرت أبحاثه ومساهماته حول اليمن في منصات أكاديمية وإعلامية مختلفة، وهو معلّق دائم عن الشؤون اليمنية في وسائل الإعلام العربية.

الإصدارات الأكثر قراءة

أوراق بحثية وتقارير 10 يونيو، 2024 35:04 دقيقة الخطاب الدعائي للحوثيين في الإعلام: دراسة في الحرب الأيديولوجية والفكرية برهان أحمد الإصدارات 15 أكتوبر، 2026 04:43 دقيقة كيف أصبح الحوثيون بهذه الخطورة؟ ماجد المذحجي أوراق بحثية وتقارير 31 مايو، 2016 12:33 دقيقة السياسة تصعد الطائفية في اليمن فارع المسلمي وجهات نظر وتحليلات 1 مايو، 2025 04:45 دقيقة ماذا لو قُتل عبد الملك الحوثي؟ ميساء شجاع الدين أوراق بحثية وتقارير 19 فبراير، 2022 22:05 دقيقة قبائل شمال اليمن بين حقبة صالح وعهد الحوثيين: دراسة مقارنة عادل دشيلة أوراق بحثية وتقارير 30 سبتمبر، 2018 32:41 دقيقة ضرورة بناء شرعية الدولة في اليمن أسامة الروحاني وإياد أحمد وجهات نظر وتحليلات 20 نوفمبر، 2020 07:00 دقيقة جماعة الحوثيين من منظور محلي: انبعاث الزيدية السياسية Mohammed Abdulla Mohammed وجهات نظر وتحليلات 4 أكتوبر، 2026 09:33 دقيقة معركة تعز والصراع على اليمن عيسى عبدالجليل، توفيق الجند، ماجد المذحجي، وماهر أبو المجد