افتتاحية مركز صنعاء
لحظة فاصلة تحدد مستقبل اليمن
تشهد اليمن تصعيدًا حادًا ومرحلة مختلفة ومصيرية لا تشبه ما سبقها، فما يجري اليوم ليس مجرد تطور هامشي في سياق إقليمي شديد الاضطراب، ولا جولة أخرى من الحرب، ولا محاولة جديدة لتغيير موازين القوى، بل إن مستقبل الدولة اليمنية على المحك اليوم، وشكل المجتمع الذي سيعيش فيه اليمنيون، ومن يمتلك الحق في تحديد هذا المستقبل.
على مدى أكثر من عقد من الحرب، حُرم اليمنيون من حق اختيار من يحكمهم، فهم لم يختاروا الحوثيين، الذين سعوا إلى إعادة تشكيل ثقافة ووعي المجتمع على أساس أن الحكم امتياز حصري لجماعة بعينها، وأن الانتماء السلالي أو العقائدي معيار لتحديد الحقوق والمكانة، ولكن على الرغم من سنوات القمع ومحاولات تلقين الأجيال الناشئة أيديولوجيا الجماعة الشمولية والطائفية، لا يزال اليمنيون متمسكين بفكرة الجمهورية التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون. يرفض اليمنيون أن يكونوا رعية لجماعة مسلحة تسعى إلى السيطرة على كل جوانب حياتهم.
تمثل هذه المرحلة اختبارًا لمدى صلابة المشروع الشمولي للحوثيين أمام إرادة اليمنيين؛ فمنذ البداية، سعت إلى إعادة هندسة المجتمع، مستثمرة موارد كبيرة في التعبئة الطائفية والفكرية، حتى بات الضخ الدعائي يكاد لا يترك مساحة للحياة اليومية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، فهو حاضر في الشوارع والمدارس، وفي الجنائز والأعراس، وفي المؤسسات العامة. مع ذلك، ظلت سياسات الجماعة لفرض الامتثال وزراعة الخوف عاجزة عن كسب قلوب الناس واحترامهم، ولا يزال السخط الداخلي أكبر تهديد مستدام يواجه الحوثيين.
أُجبرت أسر على تسليم أبنائها لتلبية حاجة الحوثيين التي لا تنتهي إلى المقاتلين، إذ يُدفع كثيرون، بينهم أطفال لم يتلقوا أي تدريب عسكري، إلى جبهات القتال في أنساق بشرية متتالية، يواجهون فيها موتًا شبه محتم، ويمهّدون بأجسادهم الطريق أمام مقاتلي الحوثيين، حيث تستغل الجماعة الفقر المدقع، لا سيما في القرى الريفية المحيطة بصنعاء وعمران وذمار وغيرها لحشد هؤلاء المقاتلين.
يواصل المدنيون دفع ثمن حرب لا يملكون قدرة على التأثير في مسارها؛ فقد تحولت البلاد إلى ساحة لصراعات تحركها قرارات تُتخذ في عواصم أخرى، واستُغلت جغرافيتها الاستراتيجية وديموغرافيتها ومظالمها المتراكمة في حروب تتعارض مع المصالح الوطنية اليمنية. يجد اليمنيون أنفسهم اليوم أمام مستقبل يناقض تطلعاتهم، ويدفعون ثمنه من أبنائهم.
ارتكب الحوثيون انتهاكات جسيمة بحق اليمنيين طوال سنوات الحرب، وقد تصاعدت هذه الانتهاكات خلال الأسابيع الأخيرة في الحجرية بريف تعز وعلى الساحل الغربي. يجب إخضاع الجماعة للمساءلة عن هذه الانتهاكات وعن تبعات المشروع الذي فرضته على اليمن، ولا ينبغي عزو قدرتها على مواصلة مشروعها طوال هذه السنوات إلى قوة الجماعة وحدها، فقد أسهم ضعف الحكومة، وانقسام القوى المناهضة للحوثيين، وإخفاق التحالف بقيادة السعودية في تحقيق أهدافه، وسوء إدارة الملف اليمني عمومًا، في تمكين الحوثيين من الحفاظ على قبضتهم على السلطة في مناطق سيطرتها.
لم يعد بوسع الحكومة وحلفائها مواصلة العمل بالطريقة نفسها أو التعويل على النهج الفاشل ذاته في إدارة الحرب، كما لم يعد بوسعهم إهدار مزيد من الوقت في خلافات داخلية أضعفت سلطة الدولة.
بعيدا عن التشكيلات العسكرية، يقاتل كثير من اليمنيين اليوم على خطوط المواجهة دفاعًا عن مدنهم وقراهم، وهذه المقاومة الأهلية تستحق الدعم الحقيقي، فقد باع بعضهم ما يملك، رغم قلته، لشراء السلاح والالتحاق بالمقاومة الشعبية، لكن كثيرين منهم وجدوا أنفسهم متروكين لمصيرهم، من دون إسناد حكومي كافٍ، أو جرت التضحية بهم في سياق التنافس الداخلي وتصفية الحسابات بين القيادات العسكرية الموالية للحكومة. لا يصح أن يُترك سكان هذه المناطق وحدهم في مواجهة الحوثيين، فيما تتعامل قياداتها السياسية والعسكرية مع المعركة باعتبارها جولة أخرى من جولات الحرب، من دون إدراك لخطورة اللحظة.
الحكومة هي الجهة المنوط بها صون النظام الدستوري، وحماية الحقوق المتساوية، والحفاظ على وحدة الجمهورية، ولا يجب أن تُختزل مسؤوليتها في إدارة المؤسسات أو توزيع المناصب السياسية؛ إذ يتعين عليها أن تحمي حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم بأنفسهم. يتطلب ذلك نهجًا مختلفًا جذريًا في إدارة الشأن اليمني، يبدأ باستراتيجية واضحة تضع مصلحة اليمنيين وحماية أمنهم واستقرارهم في صميم أولوياتها. وينبغي أن تحدد هذه الاستراتيجية أهدافًا واضحة وقابلة للتحقيق، تتناسب مع قدرات الحكومة الفعلية ومع الدور الذي يستطيع حلفاؤها الاضطلاع به بصورة واقعية. أما التصريحات والبيانات الكبيرة التي ترفع آمال الناس ومستويات توقعاتهم ثم تحبطها، فهي تقوض المعنويات ولا تخدم القضية التي يُفترض بالحكومة الدفاع عنها.
على المستوى الداخلي، تحتاج الحكومة إلى توحيد الجهود العسكرية والسياسية بين مكوناتها؛ فاستمرار التنافس على النفوذ والموارد يقوض أي جهد دفاعي منسق، ويضاعف كلفة التضحيات التي يقدمها المقاتلون على خطوط المواجهة، كما يتعين على الحكومة حشد المجتمع الدولي للاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة، لاسيما عقب موجة النزوح الأخيرة التي طالت أكثر من 200 ألف شخص، واتخاذ إجراءات ملموسة لإسناد المجتمعات في المناطق الخاضعة لسيطرتها. إن إدارة حرب وأزمة بهذا الحجم من خلال حكومة تضم اثنين وثلاثين وزيرًا أمر لا ينسجم مع واقع المرحلة، والظرف الراهن يستدعي حكومة أصغر وأكثر انضباطًا وتقشفًا، تتناسب مع مرحلة الطوارئ وتوجه مواردها نحو حماية المدنيين وتعزيز صمود المناطق التي لا تزال خارج سيطرة الحوثيين.
يجب أن يظل قرار الحرب والسلم في اليمن بيد اليمنيين، وعلى الحكومة أن تتعامل مع حلفائها كشركاء في دعم مسار تقوده الأطراف اليمنية، لا أوصياء يتخذون القرارات نيابة عنها. إن القوى الإقليمية والدولية المتأثرة بتحركات الحوثيين لديها دوافعها الخاصة لمواجهتهم، انطلاقًا من مصالحها الوطنية، ولا يجب الافتراض أن هذه المصالح تتطابق مع مصالح اليمنيين. لذا يقع على عاتق الحكومة واجب جعل المصلحة الوطنية اليمنية أساسًا لقراراتها وموجهًا لتحركاتها.
على السعودية تحديدا، أن تدرك أن استقرارها وأمنها لا ينفصلان عن استقرار اليمن وأمنه، وينبغي لها تجنب تكرار أخطاء الماضي، بما فيها الغارات الجوية التي طالت المدنيين سابقاً والتي أججت مشاعر الاستياء لدى اليمنيين، والأهم من ذلك، ألا تمنح الحوثيين شرعية أو اعترافًا ضمنيًا، بينما يسعون إلى فرض حكمهم على اليمنيين بالقمع والإكراه.
كما يجب على القوات الحكومية وحلفائها عدم الانجرار إلى ممارسات تنتهك قوانين الحرب أو القانون الدولي، فذلك ليس مجرد التزام أخلاقي وقانوني، بل إن أي انتهاكات من هذا النوع من شأنها أن تقوض مشروعية الحكومة وتضعف موقفها السياسي والعسكري، وتمنح خصومها مادة يستغلونها في الدعاية والتجنيد. لقد أظهرت سنوات الحرب كيف يمكن للضربات التي تطول المدنيين والعقاب الجماعي أن يتحولا إلى وقود للتجنيد وتعميق الانقسامات وإطالة أمد الصراع في نهاية المطاف.
بدأت الحرب قبل أكثر من اثني عشر عامًا كصراع داخلي ذي أبعاد إقليمية، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى حرب ذات طابع إقليمي شامل، لا تزال تتغذى على ديناميات الانقسام والتصدعات الداخلية. لا يمكن قياس الكلفة الكاملة للحرب بمجرد إحصاء القتلى والدمار والنازحين؛ فقد ألحقت أضرارًا عميقة بالنسيج الاجتماعي اليمني، وعمّقت الشروخ بين اليمنيين، وأضعفت روابط التضامن ومقومات الصمود التي لطالما ساعدتهم على تجاوز الأزمات والحفاظ على تماسكهم كشعب واحد. لقد تراجع دور اليمنيين كفاعل يمتلك القدرة على اتخاذ القرارات التي تحدد مسار الحرب ومآلاتها، وأصبحوا أكثر عرضة لواقع تفرضه حسابات إقليمية ودولية تتجاوز إرادتهم.
إن استعادة اليمنيين زمام المبادرة في قرارات الحرب والسلم تتطلب عملًا منسقًا بين الحكومة والقوى السياسية والمجتمع المدني لحماية مصالح اليمن، وضمان أن يظل مستقبل الدولة اليمنية قرارًا يمنيًا، وألا يُترك للآخرين كي يقرروا نيابة عن اليمنيين. لقد دفع اليمنيون ما يكفي من ثمن لهذه الحرب، ويجب أن تعكس نتائجها تطلعاتهم إلى مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، وشكل الدولة التي يريدونها، وطبيعة علاقتها بمحيطها الإقليمي.
كتّاب متعددون