عودة الحرب في اليمن: المعطيات والمآلات – قراءة خبراء مركز صنعاء
تقترب اليمن شيئاً فشيئاً من تجدد الحرب الشاملة بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دولياً، وفي ظل ارتفاع حصيلة القتلى المدنيين وتزايد الخسائر في صفوف العسكريين، حذّر المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن من أن البلاد تواجه «أكبر خطر للعودة إلى نزاع واسع النطاق منذ هدنة أبريل 2022، التي توسطت فيها الأمم المتحدة».
منذ مناورة الطائرة الإيرانية وقصف مطار صنعاء لمنع هبوطها في يوليو، اشتدت حدة القتال على الجبهات؛ فقد كثّف الحوثيون استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ ومعلومات استخباراتية تزداد تطوراً لضرب المواقع العسكرية وخطوط الإمداد والمناطق المدنية في مأرب وتعز والساحل الغربي لليمن، بما في ذلك الهجمات المتكررة على مدينة المخا الساحلية، كما جدّد الحوثيون هجماتهم المباشرة على السعودية، الداعم الرئيسي للحكومة، وسعوا إلى تصوير التصعيد الأخير في العنف على أنه نزاع مع الرياض بالدرجة الأولى. شمل ذلك عدة ضربات حوثية بطائرات مسيّرة على منشآت نفطية تابعة لشركة أرامكو السعودية، وأخرى ضد سفن بدعوى ارتباطها بالسعودية في البحر الأحمر.
رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، حذر الحوثيين من العواقب ما لم يخفضوا التصعيد، مؤكداً أن الحكومة باتت اليوم أكثر توحداً، وأن قواتها العسكرية والأمنية تعمل تحت قيادة واحدة. يضع التصعيد وحدة مختلف القوات الحكومية وانضباطها على المحك، وسط تحول ملحوظ في تكتيكات المعركة مدفوعا بتزايد استخدام ما توفره السعودية من طائرات مسيّرة ومعلومات استخباراتية.
لا تزال الأهداف السياسية الأوسع وراء هذا التصعيد غامضة، فهل يركز الحوثيون على انتزاع مزيد من الأراضي داخل اليمن؟ أم أنهم يستخدمون التصعيد لكسب أوراق ضغط في مواجهة السعودية قبيل استئناف محتمل للمفاوضات؟ أم أن التصعيد الأخير للجماعة أوثق صلة بدعم حليفتها إيران في نزاعها المستمر مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟
ثمة تساؤلات على الجانب الحكومي أيضاً: فهل تستعد الرياض والحكومة لمواجهة أكبر مع الحوثيين؟ أم أنهما تسعيان فحسب إلى تعزيز مستويات الردع فيما تعملان على بناء قوة قتالية أكثر توحداً واقتداراً؟
في هذه المجموعة من التحليلات، يبحث خبراء مركز صنعاء في دوافع عودة محتملة إلى حرب شاملة في اليمن وتداعياتها الأوسع.
حتى الآن، تبدو الحكومة وحليفتها السعودية راضيتين عن طريقة إدارتهما للتصعيد، بالجمع بين ضبط النفس والدفاع النشط والردع. ومن المرجح أن يستمر هذا النهج ما لم يتجاوز الحوثيون الخط الأحمر المتمثل في الشروع في عملية برية واسعة.
على مدى أغسطس، أدار الحوثيون تصعيدهم الداخلي بدقة محسوبة بحيث يوقعون الحكومة المعترف بها دولياً وحليفتها السعودية في مأزق استراتيجي: فإما تقويض مكانة الحكومة بإجبارها على تلقي ضربات لا تستطيع الرد عليها بالمثل، بما يبدد أي ثقة شعبية أو دولية في قدراتها؛ وإما استدراجها إلى المعركة قبل أن تبلغ الجاهزية القتالية التي تعمل على إعادة بنائها منذ يناير.
في كلتا الحالتين، سيواصل الحوثيون استثمار تفوقهم العسكري، دافعين اليمن إلى شفا حرب شاملة، فهم يسعون إلى انتزاع صفقة جديدة من السعودية تلبي شروطهم السياسية، وإلى ضمان إدراج شروطهم في أي تفاهم إيراني–أمريكي مقبل.
ألمح الرئيس رشاد العليمي إلى هذا المأزق بقوله إن «الدولة لن تسمح للمليشيات بعد اليوم بأن تحتكر قرار بدء المواجهة وتوقيتها ومكانها وحجمها […] وأن المليشيات يجب أن تدرك أن مرحلة الاعتداء بلا كلفة انتهت». بناء عليه، جاء رد الحكومة متناسباً مع ضربات الحوثيين، وشمل ذلك استعراضاً لقدرات الطائرات المسيّرة، وهو ما أدخل عنصراً جديداً إلى النزاع ومنح الحكومة القدرة على توجيه ضربات موجعة إلى القدرات العسكرية للحوثيين، عتاداً وأفراداً.
وضعت الحكومة جميع التشكيلات المسلحة في مأرب والساحل الغربي في حالة استنفار، تحسباً لمعركة برية استباقية، لتحرم الحوثيين من فرصة عزل جبهة على حساب أخرى، وحتى ألوية العمالقة الجنوبية، التي تجنّب الحوثيون استفزازها حتى الآن، أجرت مناورات عسكرية تأكيداً لجاهزيتها لدخول المعركة.
فيما يتعلق بالجاهزية القتالية للحكومة، يبدو أن الحوثيين أخطأوا الحساب، فقد باتت القوات الحكومية أكثر تكاملاً على المستوى العملياتي عقب تشكيل اللجنة العسكرية العليا في يناير من هذا العام، وتلقت دعماً تقنياً رفيع المستوى وأسلحة من الرياض على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، ووفقاً لمصادر خاصة، ضاعفت الرياض خلال الأسبوع الماضي، وعلى نحو غير مسبوق، دعمها التسليحي واللوجستي لحلفائها المحليين على امتداد الجبهات كافة. في آخر تصريح له، أشار قائد قوات المقاومة الوطنية وعضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، إلى أن مزيداً من الأسلحة ستدخل مسرح العمليات في الأيام المقبلة.
حتى الآن، تبدو الحكومة وحليفتها السعودية راضيتين عن طريقة إدارتهما للتصعيد، بالجمع بين ضبط النفس والدفاع النشط والردع، ومن المرجح أن يستمر هذا النهج ما لم يتجاوز الحوثيون الخط الأحمر المتمثل في الشروع في عملية برية واسعة، الذي من شأنه أن يدفع الحكومة والتحالف بقيادة السعودية إلى إعلان الحرب رداً على ذلك.
قد تحتاج عدن والرياض إلى الاستعداد لسيناريو ثالث يقع بين الحرب المفتوحة والتصعيد المحسوب، يستهدف فيه الحوثيون منشآت مدنية في مناطق الحكومة، كالموانئ والمطارات والوزارات، وعندها ستحتاج الحكومة إلى ما هو أكثر من الطائرات المسيّرة، وقد تجد نفسها مضطرة إلى اختبار مستويات جديدة من الردع.
مع أن الرواية السائدة تعزو التصعيد الأخير للحوثيين إلى امتثالهم للتهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق باب المندب، فالمرجح، إلى حد بعيد، أن الحوثيين يتصرفون بدافع مصلحتهم الذاتية سعياً إلى إبرام اتفاق مع السعودية على غرار خارطة الطريق التي نوقشت عام 2023.
تعاملت السعودية بمهارة مع التوترات السياسية التي أثارتها الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، إذ استشعرت المملكة أن المخططات الإسرائيلية والأمريكية تهدد بجر دول الخليج العربية إلى حرب متهورة مع طهران، فسعت إلى النأي بنفسها عن النزاع قدر الإمكان، مع إطلاق تحول جذري في الجغرافيا السياسية للمنطقة عبر اتفاق مكة، فعلى مدى عقود، اتخذت السعودية خطوات للحد من اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة، وقد أثمرت زيارات القادة السعوديين إلى بكين وموسكو بين 1998 و2019 اتفاقيات اقتصادية ثم، تدريجياً، عسكرية قلّصت الاعتماد السعودي على التعاون العسكري الأمريكي، ووفرت حرب إيران ذريعة للبناء على اتفاقية الدفاع المشترك المبرمة مع باكستان عام 2025، وصولاً إلى اتفاق مكة الأوسع مع باكستان وتركيا، وهو محور جديد يعالج الهواجس الأمنية لحلفاء الولايات المتحدة الثلاثة باستقلال عن واشنطن.
قد تكون السعودية اجتازت حرب إيران بنجاح، غير أن الحوثيين يجرونها مجدداً إلى نزاع آخر في اليمن، ومع أن الرواية السائدة تعزو التصعيد الأخير للحوثيين إلى امتثالهم للتهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق باب المندب، فالمرجح، إلى حد بعيد، أن الحوثيين يتصرفون بدافع مصلحتهم الذاتية سعياً إلى إبرام اتفاق مع السعودية على غرار خارطة الطريق التي نوقشت عام 2023، حيث كانت هذه التسوية ستتيح للحوثيين الاحتفاظ، في الحد الأدنى، بسيطرة منفردة على الأراضي الشمالية الخاضعة لهم حالياً.
كانت خارطة الطريق تناسب الحوثيين، فانسحاب السعودية المنصوص عليه من النزاع، واتفاق تقاسم السلطة بين الأطراف اليمنية، لم يكونا يتيحان للقوى المناهضة للحوثيين سوى أفق ضئيل للحفاظ على حصتها من السلطة في مواجهة مليشيا جيدة التسليح تسيطر على العاصمة ومؤسسات الدولة الوطنية. كان ذلك سيغدو تكراراً لاتفاق السلام عام 1970 الذي آذن بانتصار الجانب الجمهوري في الحرب الأهلية في شمال اليمن.
بعد إخفاق الحوثيين في إعادة السعودية إلى خارطة الطريق، لوّحوا أولاً بالتهديدات ثم أتبعوها بالأفعال، فاستهدفوا المصالح السعودية وأعلنوا حصاراً على الموانئ السعودية، معطّلين تدفق النفط من ينبع، التي باتت اليوم ممر أكثر من 60في المئة من صادرات النفط السعودية، غير أن هجماتهم كانت محسوبة بحيث لا تستفز الرياض إلى حرب شاملة. بدلاً من ذلك، صعّدوا حيث يكون التصعيد مأموناً: داخل اليمن. حافظت الرياض على رباطة جأشها طوال المساعي المحمومة للحوثيين، مدركةً أن الجماعة في أمسّ الحاجة إلى إنجاز صفقة قبل أن تقدم إيران تنازلات على حساب الجماعة في اتفاق سلام متوقع مع الولايات المتحدة، فاليمن بالنسبة لإيران ليس بأهمية العراق أو لبنان، والسعوديون سينتظرون إلى أن يرضخ الحوثيون.
يسعى الحوثيون وراء مصالحهم الداخلية الخاصة، ويدفعون في الوقت نفسه قدماً بأهداف تخدم استراتيجية إيران الإقليمية، غير أن تلاقي المصالح هذا قد لا يدوم.
صوّر الحوثيون تصعيدهم الأخير على أنه محاولة لرفع ما يسمونه «الحصار السعودي»، غير أن المواجهة اتسعت سريعاً عبر عدة جبهات يمنية، ما يثير تساؤلات حول دوافعهم الأوسع.
يبدو أن الاشتباكات المتجددة مدفوعة بحسابين متداخلين: أولهما رغبة الحوثيين في كسر حالة الجمود السائدة منذ هدنة أبريل/نيسان 2022، التي أخفقت في إنتاج تسوية تعالج مطالبهم المالية؛ وثانيهما أن توقيت التصعيد وطبيعته يبدوان وثيقي الارتباط بأهداف إيران والمواجهة الإقليمية الأوسع.
حتى الآن، أبقى الحوثيون تصعيدهم محسوباً. فقد استهدفت الجماعة جازان جنوبي السعودية، ونفذت عدداً محدوداً من الهجمات على سفن بدعوى ارتباطها بالسعودية، فيما اعتمدت عملياتها الداخلية إلى حد كبير على الصواريخ والطائرات المسيّرة بدلاً من هجوم بري متواصل. يوحي ذلك بأن الهدف، في الوقت الراهن على الأقل، يتصل بالضغط على السعودية وزيادة أوراق القوة أكثر مما يتصل بتغيير جذري في التوازن العسكري على الأرض.
تحتل البراغماتية القائمة على التنازلات الاقتصادية موقعاً محورياً في هذه الحسابات، فقد حمّل الخطاب الحوثي مراراً السعوديةَ والحكومةَ المعترف بها دولياً مسؤوليةَ الضائقة الاقتصادية في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، رابطاً حل مسألة الرواتب غير المدفوعة بمطالب الحصول على حصة من عائدات النفط والغاز اليمنية وغيرها من الموارد الوطنية.
ينسجم التصعيد الأخير للحوثيين مع شراكة الجماعة مع إيران وطموحاتها الإقليمية الخاصة على حد سواء؛ فطهران توفر الأسلحة والتدريب والمساعدة التقنية والخبرة العسكرية، وتكسب بالمقابل موطئ قدم مهم على الحدود الجنوبية للسعودية وشريكاً قادراً على تهديد الملاحة عبر مضيق باب المندب. لقد أثبت الحوثيون قدرتهم واستعدادهم للعمل ضمن استراتيجية إيران الإقليمية، كما تجلى خلال حرب غزة.
تكتسي العلاقة طابعاً أيديولوجياً أيضاً، فقد غدا الاصطفاف مع إيران، على نحو متزايد، جزءاً من الهوية السياسية والأيديولوجية للحوثيين، وبات متجذراً بعمق في عملية صنع القرار لديهم، وقد تبنّت الحركة عناصر أساسية من النموذج الثوري الإيراني، وهي ترى نفسها جزءاً من صراع أيديولوجي أوسع، لا مجرد فصيل سياسي يمني، ومن ثم فإن العلاقة مع إيران حيوية لطموح الحوثيين بترسيخ تحولهم من قوة محلية إلى لاعب إقليمي مهيمن.
في التصعيد الحالي، يبدو أن الحسابات البراغماتية والأيديولوجية تسير في الاتجاه نفسه، فمصالح الحوثيين الأيديولوجية والبراغماتية يعزز بعضها بعضاً، إذ إن بقاءهم جماعةً أيديولوجية وقوتهم داخل اليمن لا يتطلبان الدعم العسكري الإيراني فحسب، بل يتطلبان أيضاً أن تظل إيران قوية. هكذا يسعى الحوثيون وراء مصالحهم الداخلية الخاصة، ويدفعون في الوقت نفسه قدماً بأهداف تخدم استراتيجية إيران الإقليمية، غير أن تلاقي المصالح هذا قد لا يدوم، فإذا تصاعدت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، قد لا ترى طهران في اليمن مجرد ورقة مساومة، بل جبهة من جبهات عدة محتملة لممارسة الضغط، وقد وسّعت طهران رقعة النزاع الحالي إلى أراضٍ مجاورة، وتبدو اليوم مستعدة لمواجهة مطوّلة. وقد يتجلى النزاع بأشكال تتجاوز إطلاق الصواريخ، بما في ذلك زعزعة استقرار دول مجاورة مثل البحرين والكويت.
ثمة خطر مماثل على الجبهة الداخلية، فأي هجوم حوثي كبير داخل اليمن، لا سيما إذا اقترن بازدياد الهجمات على الأراضي السعودية أو المصالح السعودية، قد يولّد حوافز أقوى لمزيد من التدخل السعودي المباشر في اليمن، بما قد يتجاوز الضربات الجوية إلى اعتماد أكبر على القوات البرية اليمنية.
لم يعد من الممكن فهم اليمن بوصفه نزاعاً محلياً في المقام الأول يتأثر بفاعلين إقليميين، فقد باتت دينامياته الداخلية والمواجهة الإقليمية متشابكتين بعمق، وسواء أكان الحوثيون يسعون إلى تنازلات اقتصادية أم يتصرفون نيابة عن إيران، فإن ذلك يغدو في نهاية المطاف أقل أهمية — وفي كلتا الحالتين، تبقى العواقب فتاكة ويتعذر التنبؤ بها.
في السنوات الأخيرة، تبلدت مشاعرنا، لدرجة خطيرة، تجاه الأرقام التي تجسد المأساة الإنسانية، غير أن مؤشرات اليمن صادمة بهولها المجرد. فهناك 22 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، و18.3 مليوناً يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. على هذه الخلفية تتكشف احتمالات العودة إلى حرب شاملة في اليمن.»
اقترن اسم اليمن بالحرب حتى كادا يصبحان مترادفين، أما من لا يتابعون عن كثب التطورات في البلاد، فقد تبدو لهم أنباء «استئناف» محتمل للحرب في اليمن مثيرة للحيرة؛ فاليمنيون، في واقع الأمر، لم يعرفوا ما يشبه السلام منذ أكثر من عقد، ومع انشغال الاهتمام الدولي بالهواجس الأمنية في البحر الأحمر ومحيطه، غدت الأزمة الإنسانية في البلاد شأناً ثانوياً، وقد ولّى منذ زمن بعيد عهد حملات أوكسفام المدوية التي وضعت الكلفة الإنسانية لليمن في صدارة الوعي العام في العواصم الغربية، لكن معاناة السكان لم تخفّ حدتها — كل ما في الأمر أنها لم تعد تحظى بالاهتمام العالمي ذاته.
سلطت افتتاحية مركز صنعاء الشهر الماضي، الضوء مجدداً على أزمة الجوع، فاقتصاد الحرب الذي يخدم من هم في السلطة، وتشظي الحوكمة وسوء إدارتها، وانسحاب الأنشطة الإنسانية أو تحويل مسارها، وبرامج الإغاثة التي تعاني نقصاً حاداً في التمويل، كلها عوامل تدفع الأسر اليمنية أعمق في هوة العوز. خلال السنوات الأخيرة، تبلدت مشاعرنا، لدرجة خطيرة، تجاه الأرقام التي تجسد المأساة الإنسانية. غير أن مؤشرات اليمن صادمة بهولها المجرد. هناك 22 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، و18.3 مليوناً يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. على هذه الخلفية تتكشف احتمالات العودة إلى حرب شاملة في اليمن.
مع الجولة الأخيرة من التصعيد، وهي الأعنف منذ هدنة 2022، تتصاعد الخسائر البشرية، فقد بدأ هذا الشهر بهجوم شنّه الحوثيون على القوات الحكومية في حضرموت ومأرب أسفر عن حصيلة قتلى معلنة رسمياً بلغت نحو 45 قتيلاً، فيما أفادت التقارير بأن المستشفيات في أنحاء المنطقة استقبلت مئات القتلى والجرحى، كما أُبلغ عن أعداد كبيرة من الضحايا على جبهات الحديدة وتعز، وأقام الحوثيون تشييعات علنية لمئات المقاتلين، قُتل كثير منهم، وفق التقارير، في هجمات حكومية بالطائرات المسيّرة.
بات العنف المتصاعد يطال المدنيين اليمنيين، فكان عمال الموانئ والنازحون في المخيمات المؤقتة والأطفال من بين المتضررين من هجمات الحوثيين منذ 6 أغسطس، أما قتلى الجبهات من الجانبين — وكثير منهم دُفعوا إلى الحرب ليعيلوا أسرهم — فيتركون خلفهم عائلات فقدت أحباءها وربما مصدر دخلها الوحيد، وستكون التداعيات فورية، وإذا وقع هجوم بري، سترتفع الكلفة البشرية ارتفاعاً حاداً.
فيما تلوح الحرب المتجددة في أفق اليمن، أقدم البنتاغون هذا الشهر، في مفارقة مريرة، على خطوة غير معتادة بنشر مراجعة للعملية العسكرية الأمريكية في البلاد عام 2025، أقرّ فيها بأن الضربات الأمريكية قتلت 153 مدنياً يمنياً وجرحت نحو 250 آخرين. تنبع هذه الأرقام من ثلاث حوادث فقط من أصل أكثر من ألف ضربة مبلغ عنها، ولا شك في أن العدد الحقيقي للقتلى أعلى من ذلك. يبدو من المستبعد أن يكون أي من الأطراف المعنية اليوم — محلية كانت أم إقليمية أم دولية — يضع في مقدمة أولوياته سكان اليمن الذين تتزايد هشاشة أوضاعهم أو أزمته الإنسانية المهملة، فيما تقامر هذه الأطراف بالعودة إلى نزاع شامل، لكن عواقب هذا الإغفال قد تكون وخيمة، فاليمنيون في مختلف أنحاء البلاد أفقر وأشد جوعاً، وأشد غضباً مما كانوا عليه قبل أكثر من عقد عندما بدأت الحرب، ولغضبهم ما يبرره.
هذا التحليل جزء من سلسلة إصدارات ينتجها مركز صنعاء بتمويل من حكومة مملكة هولندا. تستكشف السلسلة قضايا ضمن محاور اقتصادية وسياسية وبيئية، بهدف إثراء النقاش وصنع السياسات المتعلقة باليمن بما يعزز السلام المستدام.
باحث أول
باحث أول
باحثة أولى
محررة وباحثة