مع سريان وقف إطلاق نار هش في غزة، تُطرح تساؤلات حول تأثيره المحتمل على مواجهة الحوثيين مع إسرائيل. يخوض هذان الخصمان، اللذان لم يكن يتوقع دخولهما في مواجهة، حرب استنزاف غير مسبوقة منذ قرابة عامين؛ صراعٌ بدأ بضربات رمزية ودعائية من جانب الحوثيين، لكنه ما لبث أن تصاعد ليتحول إلى اشتباك مستدام.
أقحم الحوثيون أنفسهم في حرب غزة بقوة متزايدة، وتصاعدت هجماتهم من أعمال تضامن مزعومة مع الفلسطينيين إلى هجمات تتسم بجسارة متنامية. رداً على ذلك، وسّعت إسرائيل نطاق انتقامها؛ فبعد أن كانت هجماتها تقتصر على البنية التحتية للطاقة والموانئ ومصانع الإسمنت في اليمن، انتقلت إلى اغتيال قادة الحوثيين وضرب أهداف إدارية وعسكرية وأمنية أكثر حساسية، مما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين.
ساهمت التطورات الإقليمية في تأجيج الصراع. فالمواجهة الإسرائيلية مع إيران، وما تلاها من عقوبات، والهجوم على الدوحة، فضلاً عن دور إدارة ترامب في التوصل إلى نهاية مبدئية لحرب غزة، كلها عوامل تؤثر في مسار التوتر المتصاعد بين إسرائيل والحوثيين، ورغم الغموض الذي يكتنف كيفية تأثير وقف إطلاق النار في غزة على سلوك الطرفين، فمن المرجح أن تظل قواعد الاشتباك عرضة للتغير. يستعرض هذا المقال التصعيد بين إسرائيل والحوثيين خلال العامين الماضيين، ويسلط الضوء على الديناميكيات الخفية التي تغذي هذا الصراع.
من الهجمات الرمزية إلى التأثير الفعلي
بعد أيام فقط من أحداث 7 أكتوبر 2023، انخرط الحوثيون في الصراع الدائر في غزة بشكل مباشر. في 19 أكتوبر، أطلقت الجماعة عدة طائرات مسيرة باتجاه إسرائيل، لكن البحرية الأمريكية قامت باعتراضها. في البداية، كانت هجمات الحوثيين رمزية وضعيفة، وكانت قدرتهم على ضرب إسرائيل محل شك، كما تركزت هجماتهم الأولى على ميناء إيلات الجنوبي، لكونه أقرب نقطة إلى اليمن، وجرى اعتراض غالبيتها قبل وصولها إلى الأراضي الإسرائيلية.
تصاعدت عمليات الحوثيين تدريجياً عبر خمس مراحل متوالية، طوروا خلالها أساليبهم لاستهداف إسرائيل والملاحة الدولية. تدخلت قوى عالمية، منها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بشن حملات عسكرية ضدهم، خاصة بعد تزايد الاهتمام الدولي إثر احتجازهم سفينة الشحن “جالاكسي ليدر” في 19 نوفمبر 2023، وتكثيف هجماتهم في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. شكل تاريخ 19 يوليو 2024، نقطة تحول بارزة، حين نجح الحوثيون في ضرب تل أبيب لأول مرة بطائرة مسيرة، مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة عشرة آخرين. عقب تلك العملية، أعلن عبد الملك الحوثي، بدء “المرحلة الخامسة” من التصعيد ضد إسرائيل، مؤكداً أنها ستشهد استخدام أسلحة وقدرات قتالية أكثر تطوراً.
لا شك أن قدرات الحوثيين قد تطورت كثيراً منذ بدء عملياتهم العسكرية ضد إسرائيل؛ فقد أظهرت هجماتهم بمرور الوقت مدى وتأثيراً متزايدين. يبدو أن الحوثيين أدخلوا أسلحة جديدة أكثر تطوراً من سابقاتها، معلنين عن استخدام صواريخ فرط صوتية وأخرى متعددة الرؤوس، وفي 7 سبتمبر 2025، نجحوا في هجومين متتاليين، فضربوا صالة القادمين في مطار رامون جنوبي إسرائيل، مما تسبب بإصابات طفيفة وتوقف مؤقت للرحلات، كما أصابوا هدفاً آخر في إيلات، مما أدى لجرح 22 شخصاً. تُظهر هذه الحوادث تحولاً جلياً، وتبرهن على اتساع مدى هجمات الحوثيين الأخيرة وتأثيرها مقارنةً ببداياتها الأولى، ولكن، بالتوازي مع احتفاء الحوثيين بكل هجوم ناجح، فإن الرد الانتقامي المتوقع واستمرار حالة الحرب يساهمان في مفاقمة العزلة الاقتصادية لليمن، وتعميق المعاناة الإنسانية لسكانه.
قوة غير متناسبة وتكاليف باهظة
بدأت إسرائيل عملياتها ضد اليمن في 20 يوليو 2024، رداً على هجوم الحوثيين المُميت على تل أبيب، باستهداف ميناء الحديدة. صرح وزير الدفاع الإسرائيلي (حينها) يواف غالانت، بالقول: “هاجمنا الحوثيون أكثر من 200 مرة. في المرة الأولى التي آذوا فيها مواطناً إسرائيلياً، ضربناهم، وسنفعل ذلك في أي مكان قد يتطلب الأمر”.
في البداية، تركزت الضربات على موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، ثم توسعت لتشمل أهدافاً أخرى. في ديسمبر 2024، ضُربت محطتا كهرباء حزيز وذهبان، واتسع نطاق الهجمات مجدداً في 29 ديسمبر، بقصف جزئي لمطار صنعاء الدولي أدى إلى تدمير برج المراقبة وصالة المغادرة. في مايو، وسعت إسرائيل نطاق أهدافها مرة أخرى، مستهدفةً مصنعي إسمنت باجل وعمران، اللذين استخدمهما الحوثيون لإنتاج مستلزمات بناء الأنفاق والبنية التحتية العسكرية، ثم عاودت إسرائيل استهداف مطار صنعاء، لكنها هذه المرة عطّلت معظم مرافقه، بالإضافة إلى تدمير ثلاث طائرات كان الحوثيون يشغلونها، وذلك في أعقاب سقوط صاروخ أطلقه الحوثيون على مطار بن غوريون.
لاحقاً، ركزت إسرائيل على الحفاظ على مكتسبات عملياتها، فعندما حاول الحوثيون إعادة تشغيل مطار صنعاء، ردت في 28 مايو، بتدمير آخر طائرة متبقية لديهم، كما نُفذت ضربات مماثلة ضد الموانئ ومحطات الطاقة والوقود، إثر محاولات لإعادة تشغيلها.
دفعت التكلفة الباهظة للعمليات الجوية الإسرائيلية ضد أهداف تبدو محدودة التأثير في اليمن، إلى التحول نحو تكتيكات أقل كلفة. بدأت إسرائيل بإصدار تحذيرات بضربات وشيكة على موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، في تكتيك مشابه لذلك المتبع في عملياتها على غزة وجنوب لبنان، فمن خلال التهديد المسبق، استطاعت إسرائيل إبقاء الموانئ تحت تهديد مستمر وعرقلة العمل فيها، دون تحمل نفقات الضربات المتكررة، كما أدخلت البحرية الإسرائيلية، كبديل أقل تكلفة من القوة الجوية، في الصراع لأول مرة في 10 يونيو 2025.
تمثل التحول الأبرز في نمط الاستهداف الإسرائيلي، في الانتقال من ضرب البنية التحتية إلى تنفيذ الاغتيالات. بدأ ذلك بمحاولة اغتيال محمد الغماري، رئيس أركان الحوثيين، في 14 يونيو 2025، وتلتها عملية أدت إلى مقتل رئيس وزراء حكومة صنعاء، أحمد الرهوي، وما لا يقل عن 11 من أعضاء الحكومة ومسؤولين آخرين في 28 أغسطس. كان الحوثيون قد نفوا في البداية مقتل الغماري، قبل أن يؤكدوا وفاته في 16 أكتوبر، وإن كان من غير الواضح ما إذا كان قد قضى متأثراً بجراح ضربة يونيو أم ضربة أغسطس.
منذ بدء عملياتها، نفذت إسرائيل نحو 20 ضربة مختلفة. تشير الزيادة الأخيرة في أعداد الضحايا اليمنيين إلى أن إسرائيل أصبحت أقل اكتراثاً بالأضرار الجانبية، ويبدو هذا جلياً في عمليات سبتمبر 2025، التي شملت استهداف مقر التوجيه المعنوي وشن غارات على مواقع جهاز الأمن والمخابرات، ورغم الزعم بأن تلك الضربات استهدفت مبانٍ إدارية فقط، إلا أن عدد الضحايا الذي أعلن عنه الحوثيون كان مرتفعاً، وقد نُفذت هذه الضربات في مناطق مكتظة بالسكان، منها صنعاء القديمة وحي التحرير.
مختبر لتجاذبات القوة الإقليمية
بعيداً عن حرب غزة، أثرت عوامل أخرى على المواجهة؛ فخلال حرب الـ 12 يوماً بين إيران وإسرائيل (13-25 يونيو)، غير الحوثيون سرديتهم، وأصبحوا أكثر انخراطاً في دعم المجهود الإيراني عبر تكتيكات الاستنزاف والتشتيت. يبدو أن طهران استفادت من هجمات الحوثيين في كشف ثغرات في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية، إذ يمنح موقع اليمن الجغرافي ميزة فريدة لاختبار أنظمة الأسلحة بعيدة المدى، مما يكشف نقاط ضعف لا يمكن اكتشافها بالمقذوفات التي تطلقها حماس أو حزب الله أو حتى الجماعات العراقية، كما استخدمت إيران الحوثيين لاختبار أسلحة جديدة. لقد تحولت الجبهة اليمنية إلى مختبر حقيقي للقدرات الإيرانية، مما زاد من دمج الحوثيين في معادلة طهران الإقليمية.
هناك أمثلة أخرى على تحول اليمن إلى ساحة حرب بالوكالة؛ في 10 سبتمبر 2025، شنت إسرائيل غارات جوية على صنعاء ومحافظة الجوف، بعد يوم واحد من استهداف قادة حماس في الدوحة. أشار الجيش الإسرائيلي إلى أن الضربة، التي تجاوز مداها 2350 كيلومتراً، كانت أطول طلعة جوية لسلاحه الجوي منذ بدء الصراع، وهدفت لإظهار قدرة إسرائيل على الوصول إلى أي مكان في المنطقة، وفي 16 سبتمبر، غداة القمة العربية التي عُقدت في قطر عقب استهداف قادة حماس في الدوحة، شنت إسرائيل غارات على ميناء الحديدة. لم تكن لهذه الضربات قيمة استراتيجية، بل كانت على الأرجح استعراضاً إضافياً للقوة من جانب إسرائيل في المنطقة.
لا أفق واضح للنهاية
مع تثبيت وقف إطلاق النار الهش في غزة، لا تزال ملامح الصراع بين الحوثيين وإسرائيل غامضة. فمن المستبعد أن يكون وقف الأعمال العدائية في غزة كافياً لإطفاء نيران هذه المواجهة، حيث أن الحوثيين، مدفوعين بحاجتهم الدائمة لتعزيز سرديتهم المقاومة لأمريكا وإسرائيل، والتهرب من التزاماتهم المحلية – سيجدون على الأرجح مبررات أخرى لمواصلة القتال. أما الإيرانيون، فسيسعون من جانبهم للحفاظ على حالة التوتر في اليمن؛ فهي بالنسبة لهم ساحة منخفضة التكلفة، تُموَّل من عائدات النفط المهرب —الذي للحوثيين حصة فيه— وتدعمها الأسلحة والخبرات الإيرانية.
من جانبها، ستسعى إسرائيل لتعزيز قدرتها على الردع وحماية حدودها، ونظراً لمحيطها المعادي، ووجود خصوم مستعدين لاستغلال أي ضعف متصور، سيكون لدى إسرائيل الدافع لمنع جماعات أخرى من تكرار تجربة الحوثيين في التوسع الهائل بقدراتهم العسكرية.
يزيد من تعقيد المشهد بُعدٌ دولي وتحركات أمريكية جديدة وواسعة النطاق في المنطقة. لا يُعرف ما إذا كانت هذه التحركات موجهة نحو مواجهة جديدة مع إيران، أم مع اليمن، أم كليهما. لقد تجاوز الحوثيون خطاً أحمر خطيراً بمهاجمتهم خطوط الملاحة الدولية، وهو تهديد لن يزول تماماً حتى مع انتهاء حرب غزة.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات فورية على نهاية للفوضى في اليمن والمنطقة الأوسع، فالأزمات متشابكة، والخطوط الفاصلة بين مختلف الجبهات باتت غير واضحة، وبدون حل سياسي يعالج الأسباب الجذرية للصراعات في اليمن والمنطقة، تظل هذه المعركة مفتوحة على احتمالات لا حصر لها، وبلا قواعد اشتباك ثابتة.
هذا التحليل جزء من سلسلة من المنشورات الصادرة عن مركز صنعاء، بتمويل من حكومة مملكة هولندا، وتستكشف هذه السلسلة قضايا متعددة في الاقتصاد والسياسة والبيئة، بهدف إثراء المناقشات وصياغة السياسات التي تعزز السلام المستدام في اليمن، ولا يجب أن تُفسر أية آراء معبر عنها في هذه المنشورات على أنها تمثل مركز صنعاء أو الحكومة الهولندية.