الإغاثة كاعتذار

16 مارس، 2019 04:10 دقيقة

افتتاحية مركز صنعاء

من بين الدول الأربعين والمنظمات الدولية التي تعهدت بتقديم أموال في اجتماع رفيع المستوى لإعلان التبرعات لمواجهة الأزمة الإنسانية باليمن الذي عقد الشهر الماضي، كانت السعودية والإمارات أكبر المانحين، وقد التزمتا بأكثر من نصف المبلغ الإجمالي البالغ 2.62 مليار دولار. تتحمل هاتان الدولتان، بالنظر إلى طريقة تدخلهما العسكري في اليمن منذ عام 2015، المسؤولية الأساسية والشراكة عن خلق وإدامة الأزمة الإنسانية في البلاد. أما المانح الأكبر الثاني فقد كان بريطانيا، والتي تقدم إلى جانب الولايات المتحدة دعماً سياسياً وعسكرياً حاسماً للتحالف العسكري الذي تقوده السعودية، كما استخدمت مقعدها الدائم في مجلس الأمن لتقويض محاولات مساءلة أطراف النزاع عن جرائم الحرب.

باستثناءات لا تتجاوز أصابع اليد، كانت معظم الدول المانحة في حدث إعلان التبرعات – سواء من خلال دعمها الدبلوماسي أو مبيعاتها من الأسلحة أو من خلال صمتها – متواطئة في الحرب الدائرة في اليمن والفظائع التي أحدثتها هذه الحرب. في العام 2016، هددت السعودية أيضاً بسحب مئات ملايين الدولارات من أموال مساعدات الأمم المتحدة، في عملية ابتزاز ناجحة للأمين العام للأمم المتحدة حينها بان كي مون، مما أجبر الأخير على إزالة المملكة من تقرير للأمم المتحدة نص على تورطها بقتل الأطفال في اليمن.

في ضوء ذلك، لا يمكن اعتبار معظم الحكومات التي تعهدت بتمويل الجهود الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن الشهر الماضي جهات خيريّة تستند أفعالها إلى قناعة أخلاقية. بدلاً من ذلك، أصبحت المساعدات الإنسانية – إلى جانب الأسلحة والعقوبات والمناورات الدبلوماسية – جزءاً لا يتجزأ من الأدوات التي توظفها الدول المنخرطة في النزاع حينما يلزم ذلك. وأياً تكن الأسباب، فإن جهود الإغاثة في اليمن هي محاولة لحفظ ماء وجه أولئك الذين ساعدوا في تيسير، وكثيراً ما استفادوا من، أكبر معاناة إنسانية في العصر الحديث، بالنسبة لهم يمثل تقديم المساعدات اعتذاراً عن عدم اتخاذهم إجراءات حقيقية لوقف هذه الفظاعة المستمرة.

لطالما جادل مسؤولون أمريكيون وبريطانيون في كثير من الأحيان أن دعمهم للتحالف العسكري الذي تقوده السعودية قد ساعد بالفعل في الحد من خسائر الحرب في صفوف المدنيين. والحجة هي أنه عبر دعمهما الدبلوماسي، حافظت الولايات المتحدة وبريطانيا على نافذة إلى صنّاع القرار السعوديين والإماراتيين استطاعت عبرها التأثير عليهم، وأنه من خلال توفير أشياء مثل الأسلحة الموجهة بدقة، تمكنت طائرات التحالف من تمييز الأهداف على الأرض وإصابتها بوضوح. لكن في الواقع فإن الدعم الدبلوماسي الثابت للرياض وأبو ظبي أدى ببساطة إلى تطبيع سلوك التحالف المتهور، وبدلاً من منع وقوع إصابات بين المدنيين، فإن استمرار توفير الأسلحة المتقدمة مكّن التحالف من ارتكاب جرائم حرب موجهة بدقة.

لقد دأبت وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في اليمن منذ سنوات على دعوة المجتمع الدولي – ولا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا ومجلس الأمن – إلى إدانة دول التحالف ومحاسبتها على أخطائها. لكن هذا يطرح سؤالاً مهما: هل تلتزم هذه المنظمات العاملة في المجال الإنساني باليمن بمبادئ أسمى من مبادئ الحكومات التي تنتقدها؟.

إن تمويل المساعدات الذي تم جمعه الشهر الماضي في اجتماع رفيع المستوى لإعلان التبرعات لمواجهة الأزمة الإنسانية باليمن هو، بالطبع، نصف المعادلة فقط، أما النصف الآخر فهو إجابة السؤال: ما مصير هذه الأموال الذاهبة إلى اليمن؟ وهو أمر آخذ بالتفاقم مع استمرار النزاع.

إن عمال الإغاثة الأجانب والمحليين، يقدمون بشكل منتظم تضحيات شخصية هائلة أثناء عملهم على تخفيف معاناة اليمنيين، وفي بعض الأحيان كلفهم ذلك حياتهم، ومع ذلك، في محادثات خاصة مع موظفين من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات المحلية والدولية العاملة في اليمن، قال عمال الإغاثة لمركز صنعاء بأنهم ومنظماتهم يدركون منذ زمن طويل أن جماعة الحوثيين المسلحة تتلاعب بـ/ وتسيء استخدام الجهود الإنسانية على أوسع نطاق، وقد شمل ذلك توجيهات مدبّرة ومنسّقة من قيادة الحوثيين المركزية، فضلاً عن الانتفاع الانتهازي من قبل القوات المحلية.

تشمل هذه الانتهاكات سرقة المساعدات وابتزاز عامليها بشكل مباشر وواسع النطاق؛ وتحويل شحنات المساعدات إلى مستفيدين مرتبطين بالحوثيين؛ والتلاعب بحركة وعمليات منظمات الإغاثة؛ وإجبار تلك المنظمات على توظيف موالين للحوثيين؛ ورفض منح التأشيرات وتصاريح السفر لعمال الإغاثة عقاباً على تجاوزات مفترضة؛ ومضايقة وتهديد وسجن عمال الإغاثة، بالإضافة إلى انتهاكات عديدة أخرى.

في مواجهة التدخل المتصاعد في شؤون موظفيها وعملياتها، ظلت منظمات الإغاثة صامتة حتى وقت قريب، وكانت حجتها أن من شأن مواجهة قوات الحوثيين في العلن سيجعلها تنتقم منها وتخاطر بحرمان هذه المنظمات من الوصول إلى السكان الضعفاء، إلا أن هذا الصمت أدى إلى تطبيع وتسهيل ضمني لسلوك قوات الحوثيين، وقد كشفت عن ذلك تحقيقات أخيرة أجرتها وسائل إعلام دولية – ولا سيما وكالة أسوشيتد برس – مما أجبر برنامج الأغذية العالمي أن يدين علناً إساءة استخدام الحوثيين لجهود الإغاثة. وقد أدى هذا كله إلى تعريض العمليات التشغيلية للبرنامج في أجزاء كثيرة من اليمن إلى الخطر، ولكنه نجح أيضاً في كسر الصمت.

بدون المساعدات الإنسانية الدولية، من الواضح أن الأزمة الإنسانية في اليمن ستكون أكثر خطورة، ومن الواضح أيضاً أن إخفاق منظمات الإغاثة في محاسبة قوات الحوثيين سمح لهذا الطرف المحارب، من عدة نواح، بالتحكم بالجهد الإنساني في المناطق التي يسيطر عليها بما يخدم مصالحه الخاصة، وعلى الصعيد الدولي، أدى التشديد على الإغاثة إلى تشويه نظرة الرأي العام للنزاع، إذ سمح لأعضاء المجتمع الدولي بالتنصل من مسؤوليتهم باتخاذ خطوات ملموسة لوقف الحرب.

حينما تظهر إرادة سياسية كافية في العواصم الغربية، وتتم ممارسة ضغط دبلوماسي دولي كافٍ على الأطراف المتحاربة، سينتهي هذا النزاع وسيتسنّى بسرعة مواجهة التهديد المباشر للمجاعة الجماعية في اليمن، وحتى ذلك الجين ، فلن يكفي أي قدر من الإغاثة لوقف الكارثة الإنسانية المتفاقمة.

هذه افتتاحية ظهرت في: الدبلوماسية تغرق في ميناء الحديدة – تقرير اليمن – فبراير / شباط 2019

العودة للأعلى
مشاركة:

الإصدارات الأكثر قراءة

وجهات نظر وتحليلات 1 سبتمبر، 2026 10:54 دقيقة عودة الحرب في اليمن: المعطيات والمآلات – قراءة خبراء مركز صنعاء حسام ردمان، عبدالغني الإرياني، ميساء شجاع الدين، ولارا اولينهاوت ترجمات 24 أغسطس، 2023 19:03 دقيقة مستقبل اليمن: سيناريو التقسيم أو نموذج حزب الله أو سيطرة طالبان أحمد الديب ترجمات 12 أغسطس، 2026 23:03 دقيقة من السعودية إلى باب المندب: كيف تقرأ إسرائيل التصعيد الحوثي؟ أحمد الديب أوراق بحثية وتقارير 10 يونيو، 2024 35:04 دقيقة الخطاب الدعائي للحوثيين في الإعلام: دراسة في الحرب الأيديولوجية والفكرية برهان أحمد أوراق بحثية وتقارير 24 مارس، 2024 09:16 دقيقة إشراك الضحايا في عملية صنع السلام والعدالة الانتقالية في اليمن مارتا مينديز ويزيد الجداوي تقارير اليمن 4 يونيو، 2026 15:48 دقيقة التطورات الاقتصادية — تقرير اليمن، الفصلي: يناير إلى مارس 2026 وضاح العولقي تقارير اليمن 11 نوفمبر، 2024 12:04 دقيقة التطورات العسكرية — تقرير اليمن، التقرير الفصلي من يوليو/ تموز إلى سبتمبر/ أيلول 2024 وليام كلوف وجهات نظر وتحليلات 18 مايو، 2021 07:42 دقيقة الرجل الأقوى في صنعاء – لمحة عن أحمد حامد غريغوري دي جونسن