البحث عن كبش فداء لن يعالج سوء إدارة الحرب في اليمن
يمثّل التقدم العسكري الحوثي السريع على امتداد الساحل الغربي تحولًا كبيرًا في مسار الصراع في اليمن، وقد يعكس، في ظل التصعيد الإقليمي المستمر، منعطفا إقليميا أوسع.
تشير التقارير عن إشراف وثيق من جانب عناصر في الحرس الثوري الإيراني على العملية العسكرية الحوثية، ووصول أكثر من 100 مستشار عسكري أمريكي إلى الرياض في اليوم التالي لسقوط المخا، إلى أن تداعيات هذه التطورات تتجاوز اليمن.
الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وباب المندب تعني أن أي تصعيد عسكري إضافي قد تترتب عليه تداعيات إقليمية ودولية أوسع، من بينها زيادة الضغوط على أسعار النفط العالمية؛ فبعد سنوات من ثبات خطوط الجبهة وهدوئها النسبي إلى حد كبير، يشير الاختراق الحوثي في المخا إلى عودة الحرب الشاملة في اليمن، وحدوث تحول جذري في الوضع القائم منذ العام 2022.
على الصعيد الداخلي، أدى سقوط مدينة المخا الساحلية بالفعل إلى انتقادات حادة لعضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، الذي كانت قواته تتولى الدفاع عن المنطقة، لكن التركيز على صالح يختزل إخفاقًا سياسيًا وعسكريًا أوسع في تصرفات طرف واحد، وهو اختزال مريح يصرف الانتباه عن مواطن الخلل البنيوي داخل المعسكر الحكومي الذي أتاح المجال للتقدم الحوثي.
كيف وصل اليمن إلى هنا
تعود جذور الصراع في اليمن إلى انتفاضة العام 2011، التي أطاحت بالرئيس علي عبدالله صالح بعد عقود في الحكم، لكنها أخفقت في إرساء عملية انتقال سياسي مستقرة. أشعلت الانقسامات العميقة حول مستقبل الدولة اليمنية حربًا أهلية، حين سيطرت جماعة الحوثيين (أنصار الله) على العاصمة عام 2014، ما دفع تحالفًا تقوده السعودية إلى التدخل عام 2015، حيث تحوّل ما بدأ في الأساس صراعًا سياسيًا وعسكريًا داخليًا إلى نزاع ذي طابع إقليمي عميق، إذ أسهم انخراط أطراف مثل السعودية والإمارات وإيران في تشكيل حسابات الأطراف اليمنية.
أُنشئ مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، ليحل محل الرئيس عبدربه منصور هادي ضمن صيغة قيادة جماعية، وكان التصور الأساسي أن يكون هيئة تمثيلية تركز على القضايا الاستراتيجية الكبرى، مثل الحرب والسلام، فيما تُترك شؤون الحكم اليومية لرئيس الوزراء والحكومة، لكنه أوجد بدلًا من ذلك ثمانية مراكز قوة متنافسة، ورئيسًا للمجلس محدود الصلاحيات السياسية، وفاقم ضعف قيادته هذا المأزق؛ فبدلًا من توحيد المعسكر المناهض للحوثيين، عمّق مجلس القيادة الرئاسي انقساماته الداخلية.
تمثلت المشكلة الرئيسية الثانية في تشكيل المجلس بغياب دور يمني حقيقي وفاعل؛ فقد دعت السعودية، على عجل، إلى عقد مؤتمر يمني في الرياض، لكن العملية عُدّت على نطاق واسع غطاءً لترتيب سياسي تقرر من الخارج، ورغم أن شرعية هادي لم تستند إلى الدستور، فإن المبادرة الخليجية وتأييد القوى السياسية اليمنية الرئيسية لانتخابه عام 2012، منحاه على الأقل قدرًا من الشرعية السياسية، بينما افتقر مجلس القيادة الرئاسي إلى هذه الشرعية منذ تأسيسه.
تكمن أهمية ما سبق في أن الفاعلية العسكرية تعتمد أيضًا على التماسك السياسي، والدور المتنامي للحوثيين في الصراع الإقليمي الأوسع لصعوبة فصل اليمن عن التطورات في بقية المنطقة وبشكل تزداد حدته ، فيما يمنح البحر الأحمر وباب المندب البلاد أهمية استراتيجية تتجاوز حدودها بكثير.
بعد أكثر من عقد من سيطرة الحوثيين على صنعاء، لم يتمكنوا من بناء تحالفات سياسية أو اجتماعية واسعة. اليوم. لدى أطراف يمنية مختلفة الدافع، وربما القدرة، على تحدي الحوثيين وتغيير ميزان القوى القائم، لكن التحدي يكمن في توحيد هذه المعارضة المتشظية وتحويلها إلى قوة سياسية وعسكرية متماسكة، وهو ما تعثّر المعسكر المناهض للحوثيين مرارًا في تحقيقه.
حسابات السعودية الخاطئة
تُعد السعودية الداعم الرئيسي للمعسكر المناهض للحوثيين، لكن علاقتها بحلفائها اليمنيين اتسمت بالغموض وغياب الوضوح الاستراتيجي. تميل السياسة السعودية إلى إعطاء الأولوية لإدارة الأطراف اليمنية بدلًا من بناء شراكات حقيقية، وفي حالات كثيرة، يختار السعوديون شخصيات يمنية ضعيفة يسهل تطويعها ومستعدة لتنفيذ أوامرهم، ولو اختاروا بدلًا من ذلك أطرافًا قوية وكفؤة قادرة على تنفيذ أجندة مشتركة، لنالوا أيضًا احترام شخصيات يمنية كفؤة أخرى.
يتناقض هذا النهج مع النموذجين الإيراني والإماراتي، اللذين منحا حلفاءهما المحليين عمومًا هامشًا أكبر للحركة، وبنيا علاقاتهما على أهداف محددة وتكليفات أوضح، أما السياسة السعودية فتقوم على ما لا تريد تحقيقه نهاية المطاف في اليمن، وقد لا تدرك ما تريد تحقيقه وكيفية الوصول إليه. يجسّد إنشاء مجلس القيادة الرئاسي عام 2022، أوجه القصور هذه على نحو مثالي.
يزيد إحجام السعودية عن الانخراط بعمق في حرب أخرى من تعقيد الوضع، فقد توقع مراقبون ردًا عسكريًا سعوديًا كبيرًا على المكاسب الحوثية في المخا، لكن شن هجوم عسكري واسع النطاق ستكون له كلفة اقتصادية وسياسية باهظة، وقد يقوض سياسة الرياض طويلة الأمد الرامية إلى احتواء الحوثيين، كما قد يضر بجهود السعودية لتقديم نفسها بوصفها قوة إقليمية مسالمة تركز على الاقتصاد، بعد الضرر الذي لحق بسمعتها جراء تدخلها العسكري السابق في اليمن.
اقترن هذا التردد على الدوام بسوء إدارة الملف اليمني. كانت أزمة ديسمبر/كانون الأول في جنوبي اليمن مثالًا حديثًا على ذلك؛ فبدلًا من أن تدفع إلى مراجعة شاملة للسياسة السعودية، أُلقي جزء كبير من المسؤولية على الإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي، وأدى ذلك إلى بقاء المشكلات البنيوية الأعمق إلى حد كبير دون معالجة، وفي مقدمتها التصميم المعيب لمجلس القيادة الرئاسي وغياب الشفافية بين السعودية وشركائها اليمنيين، بشكل يهدد الوضع الراهن بتكرار النمط نفسه، مع تحوّل طارق صالح إلى أحدث كبش فداء.
حان الوقت لمعالجة أوجه القصور في المعسكر المناهض للحوثيين
لا يُعد طارق صالح سياسيًا قويًا بوجه خاص، لكن الأمر نفسه ينطبق على بقية أعضاء مجلس القيادة الرئاسي. الواقع أن صالح كان العضو الوحيد في المجلس الذي أمضى وقتًا طويلًا على الأرض في اليمن مع قواته، وحاول توظيف الموارد المتاحة لتطوير البنية التحتية في المخا، وتحميله المسؤولية الشخصية عن انهيار قواته يتجاهل أوجه الخلل البنيوية الأوسع المحيطة به.
كان هناك عاملان جوهريان على وجه الخصوص: أولًا، أخفق مجلس القيادة الرئاسي، بقيادة رئيسه رشاد العليمي، في التنسيق الفاعل بين القوى العسكرية المتنافسة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، رغم وجود مؤشرات واضحة على استعدادات حوثية لشن هجوم؛ ثانيًا، ظلت السعودية مترددة في الانخراط عسكريًا، ولم توفر الدعم الجوي اللازم لحماية القوات الحكومية ومنع التقدم الحوثي.
لم تعد حرب اليمن، في نهاية المطاف، صراعًا محليًا، بل أصبحت ساحة مواجهة إقليمية قد تترتب عليها تداعيات دولية أوسع. من المستبعد أن يحقق الرد العسكري وحده نتائج مستدامة، إذ يجب أن تترافق أية حملة عسكرية متجددة مع مراجعة جادة للأخطاء السابقة، وإصلاح فعلي للحكومة اليمنية، وتعزيز التنسيق بين القوى المناهضة للحوثيين، وإقامة علاقة أكثر توازنًا بين الأطراف اليمنية وشركائها الإقليميين.
على الشركاء الإقليميين أن يدركوا أخيرًا أن الأمن في اليمن لا يمكن فرضه من الخارج، بل يجب بناؤه من الداخل، من خلال دور محلي حقيقي وفاعل.
هذه المقالة جزء من سلسلة إصدارات ينشرها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بتمويل من الحكومة الهولندية. تستكشف السلسلة قضايا ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وبيئية، بهدف إثراء النقاشات وصنع السياسات التي تعزز السلام المستدام في اليمن.
باحثة أولى