من سيشكّل النظام الجديد في البحر الأحمر؟
في الأول من أغسطس/آب، أصدر مركز تنسيق تديره جماعة الحوثيين (أنصار الله) في الحديدة بيانًا بشأن الملاحة في البحر الأحمر، نفت فيه الجماعة اعتزامها فرض رسوم على السفن، وقالت إن خدمة المرور الآمن التي تقدمها طوعية ومجانية. في الوقت نفسه، طلب الحوثيون من شركات الشحن عدم دفع أي رسوم لأي طرف آخر مقابل المرور، وعدم مشاركة معلومات سفنها مع أي جهات لم تصرّح بها الجماعة. تناولت الصحافة البيان باعتباره نفيًا لاعتزام الجماعة فرض رسوم، على غرار مقترحات طرحتها إيران وعُمان والولايات المتحدة بشأن مضيق هرمز، لكنه في حقيقة الأمر، قال شيئًا آخر؛ فقد كان إعلانًا واضحًا عن رغبة الحوثيين في احتكار التعامل مع السفن في المنطقة، وفرض أنفسهم بوصفهم الطرف الوحيد القادر على منح الإذن بالمرور الآمن، وهذه هي الزاوية الأقل تناولًا في أزمة البحر الأحمر.
على مدى السنوات الثلاث الماضية، انصبّ اهتمام وسائل الإعلام على هجمات الحوثيين، وعددها وأهدافها والأسلحة المستخدمة فيها، وما إذا كانت السفن الحربية قادرة على اعتراض صواريخ الجماعة وطائراتها المسيّرة، وجاء الرد في صورة سلسلة من التحالفات البحرية، وتصنيف الجماعة منظمة إرهابية، وضربات أمريكية وبريطانية وإسرائيلية متقطعة، وحملة جوية أمريكية مكثفة. مع ذلك، لا تزال حركة الملاحة عبر البحر الأحمر عند جزء يسير من مستواها قبل نوفمبر/تشرين الثاني 2023، لأن المشكلة لم تعد تقتصر على مهاجمة السفن، بل إن الحوثيين يؤسسون لنمط جديد يقررون فيه من يمر، ومن يتعرض للهجوم، ومن يحصل مسبقًا على ضمانات بالمرور.
لكي ينجح هذا النوع من السيطرة، يحتاج الحوثيون إلى ثلاثة أمور: القدرة على إلحاق الضرر؛ وسلطة تمنح الموافقة على المرور أو تحجبها؛ وأطراف دولية تتعامل مع هذا الوضع باعتباره واقعًا طبيعيًا جديدًا. في الواقع باتت العناصر الثلاثة متوفرة لديهم، فشركات التأمين تحسب المخاطر استنادًا إلى تصوراتها عن نوايا الحوثيين، وشركات الشحن تغيّر مساراتها أو تبحث عن ضمانات للمرور الآمن، فيما تدخل الدول نفسها مرارًا في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بشأن سلامة سفنها. لا يحتاج الحوثيون إلى إغلاق باب المندب بالكامل، والأرجح أنهم لا يستطيعون ذلك. يكفي أن يصبحوا الطرف الذي ينبغي طلب موافقته، أو أخذ تهديده في الحسبان، مع مرور كل سفينة.
لم تتغير طموحات الحوثيين في يوليو/تموز، حين استأنفوا هجماتهم البحرية، لكن قيمة الأرض التي يسيطرون عليها هي التي تغيرت، فمع تراجع تدفق النفط عبر مضيق هرمز بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ازدادت أهمية باب المندب بالنسبة للسعودية. في 20 يوليو/تموز، أعلن الحوثيون فرض حصار بحري على المملكة، ثم استهدفوا مصفاة جازان في 25 يوليو/تموز، وناقلة قبالة ينبع في 24 أغسطس/آب.
للمرة الأولى منذ بدء الحرب في اليمن، لم تعد قدرة الحوثيين على ممارسة ضغط متواصل على السعودية مقتصرة على استهداف المنشآت العسكرية ومنشآت الطاقة أو المدن الحدودية، فقد أصبح بإمكانهم الآن تهديد المسار الذي تمر عبره صادرات النفط والعائدات التي تعتمد عليها الدولة السعودية. يمثل ذلك تحولًا مهمًا في مسار الصراع.
جاء الرد السعودي في 30 يوليو/تموز، حين أعلنت 14 دولة تأسيس تحالف للدفاع البحري، بمقر مشترك ومركز للقيادة والعمليات على الأراضي السعودية، وفي 13 أغسطس/آب، بدأ التحالف عمله من جدة بقيادة ضابط سعودي، ويبدو أنه أخطر محاولة حتى الآن لبناء إطار أمني إقليمي في البحر الأحمر، بهيكل واضح للقيادة والعمليات، لكن ما قد يكون أكثر دلالة هو الأطراف التي لم تنضم إليه؛ فالولايات المتحدة ليست عضوًا فيه، وكذلك الإمارات وعُمان.
هناك اليوم تحالف جديد هدفه حماية حرية الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بينما تقف خارجه الولايات المتحدة، التي اضطلعت لعقود بالدور الرئيسي في توفير هذه الحماية. تواصل البحرية الأمريكية والأسطول الخامس وقوة المهام 153 عملياتها في المنطقة تحت قيادة منفصلة، ويمكن تفسير غياب واشنطن عن التحالف جزئيًا بانشغالها بمواجهة إيران في الخليج؛ ورغبتها في تقليص انخراطها في اليمن منذ الهدنة مع الحوثيين التي توسطت فيها عُمان في مايو/أيار 2025؛ وعزوفها الحالي عن الانخراط في التعاون الدولي، لكن هذه ليست سوى نصف الحقيقة؛ فنظام أمني جديد يتشكّل في البحر الأحمر من اتجاهين في آن واحد: الحوثيون يبنون منظومة للسيطرة القسرية، والسعودية تبني تحالفًا أمنيًا جديدًا، وحتى الآن، لم تتمكن الولايات المتحدة من التعامل مع الأولى، ولا ترغب في أن تكون جزءًا من الثاني.
ربما يكون الاختبار الأول لهذا النظام الجديد قد بدأ بالفعل، ففي مطلع سبتمبر/أيلول، شن الحوثيون هجومًا في غربي تعز وجنوبي الحديدة، وتقدموا باتجاه الطرق والمواقع المؤدية إلى المخا، ما زاد الضغط على المدينة الساحلية المطلة على البحر الأحمر وعلى القوات المنتشرة على امتداد الساحل الغربي. ردت القوات الحكومية بفتح جبهات في الجوف والبيضاء، بالتزامن مع اندلاع معارك عنيفة في الضالع، ووفقًا لتقارير ميدانية، تلقت بعض القوات الحكومية إسنادًا جويًا، ولم يعد التصعيد محصورًا في الساحل، بل أخذ يمتد عبر عدة جبهات مترابطة.
هنا سيكون الاختبار الحقيقي للتحالف البحري: ليس في البحر، بل على البر، فلا يمكن لأي استجابة جادة للتهديد الحوثي أن تقتصر على اعتراض الصواريخ. لقد جُرّبت القوة الجوية لسنوات: استخدمتها السعودية خلال المراحل الأولى من الحرب، والولايات المتحدة والمملكة المتحدة في عام 2024، ثم خلال الحملة الأمريكية المكثفة في عام 2025، فضلًا عن الضربات الإسرائيلية المتعددة. أضعفت هذه العمليات قدرات الحوثيين، لكن أيًا منها لم يكن حاسمًا، والسبب بسيط: منصات الإطلاق التي يستخدمها الحوثيون متحركة وموزعة على نطاق واسع، وتساعد جغرافيا اليمن على إخفائها، فيما استمرت شبكات تهريب المكونات والأسلحة والتكنولوجيا رغم محاولات اعتراضها.
توجد بالفعل قوات قادرة على الضغط على الحوثيين في الساحل الغربي، وهي ليست تشكيلات عسكرية تعمل خارج إطار الدولة، بل ترتبط بأعضاء في مجلس القيادة الرئاسي التابع للحكومة المعترف بها دوليًا، وتعمل ضمن إطار تنسيق مشترك. لذلك، لم يعد السؤال ما إذا كانت القوات البرية متوفرة، بل ما إذا كانت العمليات الحالية تعكس قرارًا سياسيًا باستخدامها ضمن استراتيجية شاملة ترمي إلى تغيير الوضع في البحر من خلال معركة على امتداد الساحل. تشير العمليات الجارية إلى أن هذا قد يكون الهدف النهائي للرياض، لكن لا يوجد حتى الآن دليل واضح على وجود استراتيجية موحدة أو التزام بخوض حملة طويلة الأمد.
لا شك أن خلافات وتنافسات سياسية قائمة بين هذه القوات اليمنية، لكن موازين القوى تغيرت خلال السنوات الأخيرة، فمنذ أن أنهت الإمارات انخراطها المباشر في اليمن مطلع العام، أصبحت السعودية الطرف الوحيد القادر على جمع هذه القوات وتمويلها وإدارة خلافاتها، فللمرة الأولى منذ العام 2015، أصبحت الرياض مركز صنع القرار داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
ينطوي التحالف الدولي الجديد الذي تقوده المملكة على تناقضاته الخاصة، فوجود اليمن والسودان ضمن إطار للأمن البحري، في وقت يشهد فيه البلدان حربًا أهلية، يثير أسئلة أساسية حول وظيفة التحالف وحدوده. لا يمكن القول بعد إن ما نشهده هو مستقبل الأمن والنظام في البحر الأحمر، فما لدينا هو إطار منظم ينتظر قرارًا سياسيًا يحدد ما يريد تحقيقه.
بالنسبة للولايات المتحدة، لم يعد الحديث عن حماية «النظام الدولي القائم على القواعد» كافيًا، فما يحدث في باب المندب يثبت أن جماعة مسلحة من غير الدول، تسيطر على شريط ساحلي قرب ممر بحري دولي بالغ الأهمية، يمكنها، إذا امتلكت الصواريخ والطائرات المسيّرة والإرادة السياسية، أن تفرض كلفة باهظة على التجارة العالمية، وهذا يرسي سابقة خطيرة لمستقبل النظام البحري الذي تقوده الولايات المتحدة.
سيكون الأخطر من ذلك أن يتمكن الحوثيون من فعل هذا كله والبقاء رغم الحملات العسكرية الدولية العديدة الرامية إلى وقفهم، فهم يثبتون أن السيطرة على شريط ساحلي صغير يمكن أن تمنح جماعة مسلحة نفوذًا عالميًا يفوق حجمها بكثير. لا شك أن أطرافًا أخرى، من الدول وغير الدول، في المنطقة والعالم، ستأخذ ذلك في الحسبان، بما يزيد التهديدات التي تواجه التجارة العالمية.
لم تكن هذه النتيجة حتمية، بل جاءت نتيجة سلسلة طويلة من التقديرات الخاطئة لطبيعة التهديد؛ فقد جرى التعامل مع سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي باعتبارها مشكلة يمكن احتواؤها، ومع صواريخ الجماعة وطائراتها المسيّرة باعتبارها جزءًا من توازن القوى داخل الحرب الأهلية اليمنية، ثم قيل لاحقًا إن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر مرتبطة بغزة وستنتهي مع وقف إطلاق النار. في كل مرة، كان يُنظر إلى التصعيد باعتباره مؤقتًا، بينما كان الحوثيون يضيفون قدرات جديدة ودائمة إلى مشروعهم العسكري والسياسي.
ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس تحالفًا بحريًا رابعًا يعمل إلى جانب التحالفات القائمة. في هذا الإطار هناك عدة أمور يجب أخذها في الاعتبار: أولا، وجود قيادة بحرية موحدة، أو على الأقل تنسيق جاد بين الأطراف الدولية العاملة في البحر الأحمر، وهذا يعني إما انضمام الولايات المتحدة إلى التحالف الجديد، أو بناء علاقة واضحة بينه وبين القوات الأمريكية الموجودة بالفعل في المنطقة.
ثانيًا، يتعين على السعودية توضيح غاية دعمها العسكري الحالي للقوات اليمنية: هل يقتصر على وقف تقدم الحوثيين وحماية الساحل الغربي، أم يهدف إلى إبعاد الجماعة عن البحر الأحمر وتقليص قدرتها على تهديد الملاحة؟ ستحدد الإجابة ما إذا كانت المواجهات الحالية ردًا دفاعيًا مؤقتًا أم بداية لتصعيد أوسع.
ثالثًا، ينبغي أن تنتقل الجهود العسكرية الدولية لمواجهة تهديد الحوثيين من ملاحقة منصات الإطلاق إلى تفكيك الشبكات التي تنقل المكونات والتكنولوجيا والخبرات التي تتيح إعادة بناء هذه القدرات مرارًا.
رابعًا، لا يمكن إبقاء القوات المناهضة للحوثيين في اليمن رهينة التمويل المؤقت والترتيبات الظرفية التي تُبرم خارج مؤسسات الدولة. إذا كان الهدف بناء قوة مستقرة وقادرة، فلا بد من دمج هذه القوات في مؤسسات الدولة وإدراجها ضمن الموازنات العامة للدولة.
يظل هناك بُعد أخير يصعب الحديث عنه، فالمدنيون اليمنيون ليسوا مستفيدين من إعادة تشكيل هذا النظام الجديد، بل هم من يدفعون ثمنه. إن حماية السكان المدنيين أمر، وعقد صفقات مع سلطة حوثية جباوية تسلبهم أصولهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم لتمويل الحرب أمر آخر، وقد منح الخلط بين الأمرين الحوثيين مساحة سياسية واقتصادية واسعة للتحرك، بذريعة تجنب تفاقم الأزمة الإنسانية.
لم تُغلق نافذة الفرصة بعد، لكن كل شهر يمر من دون استراتيجية متماسكة يعزز قناعة الحوثيين بأن العالم يفاوض من يملك القدرة على فرض كلفة، وأن أسرع طريق إلى الاعتراف السياسي هو إطلاق صاروخ على ناقلة.
مؤسس مشارك ورئيس المركز