الحوثيون يستولون على الساحل الغربي في اليمن: آراء خبراء
تسارعت وتيرة القتال في غربي تعز وجنوب الحديدة الأسبوع الماضي، ما أدى إلى انهيار خطوط القوات الحكومية وتقدّم مباغت لقوات الحوثيين (أنصار الله) على امتداد الساحل الغربي لليمن، فقد استولت الجماعة على مدينة المخا، بمينائها التاريخي المهم، وعلى بلدة ذو باب الساحلية، وعلى جزيرة ميون الإستراتيجية في مضيق باب المندب، وباتت تسيطر الآن على ساحل اليمن على البحر الأحمر بأكمله تقريباً، وتحتفظ بمنفذ واسع على الممر الملاحي الدولي.
جاء القتال في إطار تصعيد أوسع بدأ في يوليو بين الحوثيين من جهة والسعودية والحكومة المعترف بها دولياً من جهة أخرى. استغلالاً للاضطراب المتكرر في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز جراء النزاع الأمريكي-الإيراني، يواصل الحوثيون الضغط على الرياض لرفع ما يصفونه بـ«حصار» على اليمن، وذلك بإعلان حصار من جانبهم يستهدف البنية التحتية للطاقة في السعودية والسفن التي حوّلت مسارها إلى البحر الأحمر، وسرعان ما استؤنف القتال على الجبهات داخل اليمن نفسه.
يُعد سقوط الساحل الغربي في يد الحوثيين أكبر تحوّل للسيطرة على الأرض في الحرب اليمنية منذ توقيع هدنة مؤقتة في ربيع عام 2022. حتى هذا الصيف، ظلت تلك الهدنة صامدة إلى حد كبير، واقتصر العنف على عمليات ضيقة النطاق وتوغلات محدودة، ليثير التحوّل السريع في الوضع أسئلة عديدة بشأن مستقبل النزاع والبنية الأمنية للمنطقة.
كانت المخا قاعدة عضو مجلس القيادة الرئاسي وقائد قوات المقاومة الوطنية طارق صالح، وسيثير انسحاب قواته وغيرها من القوات الموالية للحكومة أسئلة عدة حول إعادة تشكيل القوات المناهضة للحوثيين مؤخراً بتوجيه سعودي، وحول الفاعلية العسكرية والمؤسسية للحكومة.
في نظر المجتمع الدولي، بات الحوثيون مشكلة مألوفة تكبر في كل مرة يصرف فيها نظره عنها، فالحضور المتنامي للجماعة في البحر الأحمر يشكل تهديداً متكرراً للملاحة البحرية، ويمكن أن ييسّر توسّع شبكات التهريب وتوثيق العلاقات مع الفاعلين المسلحين ما دون الدولة في القرن الأفريقي. الأكثر إلحاحاً من ذلك أن الأزمة الإنسانية في اليمن، على شدتها أصلاً، تزداد عمقاً مع نزوح عشرات الآلاف من المدنيين جراء القتال، وكثير منهم سبق أن نزحوا نتيجة النزاع لمرات عدة، ومن المرجح ألا تُلبّى احتياجاتهم في ظل تراجع المساعدات الإنسانية.
في هذه المجموعة من التحليلات، يتناول الخبراء تداعيات الهجوم الحوثي الأخير، وكيف غيّر المشهد الإستراتيجي ومسار النزاع وآفاق السلام.
يمثل استيلاء الحوثيين على المنطقة المحيطة بباب المندب نقطة تحوّل في النزاع اليمني الممتد منذ 12 عاماً، لا تقف تداعياتها عند حدود البلاد، فقد يعيد رسم موازين القوى الداخلية، ويخلق في الوقت نفسه مخاطر جديدة في واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم.
يُضعف انسحاب القوات الحكومية بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح المعسكر المناهض للحوثيين إضعافاً كبيراً، وهو معسكر غارق في بيئة من الانقسامات العميقة وانعدام الثقة، وتستدعي الانتكاسات الأخيرة إصلاحاً جذرياً للقيادة السياسية والعسكرية للحكومة، وكذلك لاستراتيجيتها الإعلامية، تفادياً لمزيد من الكوارث. أما المدنيون، فمن المرجح أن تكون عواقب هذا التغيّر المفاجئ في السيطرة على الأرض وخيمة عليهم، إذ قد يفجّر موجة نزوح جديدة في مناطق عانت أصلاً جولات متكررة من النزوح القسري.
تكمن الأهمية الاستراتيجية الأوسع في قرب الحوثيين من باب المندب؛ فإذا رسّخوا وجودهم حول المضيق، ستكتسب إيران نفوذاً إستراتيجياً إضافياً في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، يعزز نفوذها في مضيق هرمز، ويمنحها إلى جانب الحوثيين قدرة أكبر على تهديد الملاحة العالمية وتدفقات الطاقة.
تكتسب السيطرة على جزيرة ميون أهمية استثنائية بحكم موقعها الحاكم عند مدخل باب المندب، الذي يمنح الحوثيين القدرة على تهديد الملاحة وتعطيلها حتى بقدرات عسكرية محدودة. كما أن هذا الوجود قد يعقّد البيئة الأمنية للولايات المتحدة وحلفائها في جيبوتي ولأي حضور عسكري إسرائيلي في أرض الصومال — وهو ما هدد به الحوثيون مراراً — فضلاً عن فتح المجال أمامهم لتوسيع حضورهم في القرن الأفريقي وتوطيد صلاتهم بحركة الشباب وغيرها من الفاعلين المسلحين غير الحكوميين.
بعيداً عن الهجمات الفعلية، قد يكون مجرد الانطباع بأن باب المندب غير آمن كافياً لدفع شركات الشحن إلى تحويل مسار سفنها حول أفريقيا، ما يزيد التكاليف ويقلّص حركة الملاحة عبر قناة السويس، بما لذلك من تبعات مباشرة على الاقتصاد المصري، وتمنح المكاسب الميدانية الجماعةَ أيضاً عمقاً إستراتيجياً أكبر ومنفذاً إلى مراكز سكانية جديدة، وقد ييسّر ذلك التجنيد ويسهّل حركة الأسلحة وشبكات التهريب، مع زيادة الضغط على مأرب وشبوة وحضرموت. من المرجح أن تكون مأرب، باحتياطياتها من النفط والغاز، الهدف الإستراتيجي التالي للجماعة.
تواجه السعودية معضلة حادة؛ فالقبول بالواقع الجديد يعني المجازفة بالتنازل عن السيطرة على ممر بحري إستراتيجي، بينما قد تؤدي محاولة قلبه عسكرياً إلى تصعيد مع الحوثيين، قد يفضي إلى مزيد من الهجمات على المملكة، بما في ذلك هجمات برية محتملة على طول الحدود، ولذلك فإن باب المندب ليس مجرد جبهة أخرى في حرب اليمن، بل هو في طريقه ليصبح اختباراً للقوة الإقليمية والدولية، ولأمن أحد أهم الشرايين البحرية الحيوية في العالم، وهو ليس معضلة لليمن أو الرياض فحسب، بل للعالم بأسره.
نحن أمام انعطافة إستراتيجية؛ فاستيلاء الحوثيين على المخا وميون وتقدّمهم إلى ذو باب يرسّخ موقع الجماعة بوصفها لاعباً إقليمياً بات لزاماً التعامل معه بهذه الصفة. صحيح أن وصف الجماعة بأنها مدعومة من إيران وصف دقيق، غير أنه قاصر من الناحية التحليلية، إذ يجعل من إيران محور التفسير ويحجب تطوراً أبعد أثراً، ألا وهو تحوّل تمرد يمني محلي الجذور إلى فاعل هجين يجمع بين الطابعين العسكري والحوكمي ويتسع مداه إقليمياً.
تضفي المكاسب الأخيرة بُعداً جغرافياً على هذا التحوّل: فالاستيلاء على المخا يزيل حاجزاً لوجستياً وعسكرياً مهماً، وذو باب توفر مواقع تطل على مداخل المضيق، وميون تضع الحوثيين على الممر المائي نفسه، وهي مجتمعةً تزيد قدرة الحوثيين على تهديد مسار بحري حيوي أو تعطيله، ما يمنحهم ورقة ضغط على الرياض من خلال قدرتهم على استهداف الشحن السعودي وصادرات النفط، مع ما قد يسببه ذلك من عواقب وخيمة على أسواق النفط العالمية، كما يكشف التقدّم تكاليف التشرذم داخل المعسكر المناهض للحوثيين؛ فقد أضعف التنافس السعودي-الإماراتي وما تلاه من انسحاب أبوظبي من اليمن البنية العسكرية في الساحل الغربي، بينما كشف الانهيار السريع إخفاقات مستمرة في القيادة والتنسيق والمعنويات في صفوف القوات الموالية للحكومة.
تبقى معالم المرحلة المقبلة غير واضحة؛ فقد تعزز موقع إيران الإقليمي، لكن مصالحها لا تتطابق بالضرورة مع حسابات الحوثيين المحلية والإقليمية، وتواجه السعودية خيارات صعبة، فعلى الرغم من التحالف الدفاعي الجديد مع تركيا وباكستان، لم تُبدِ أي منهما ميلاً إلى دخول النزاع، ولا تزال الولايات المتحدة مترددة في التدخل المباشر، ما يترك للرياض إدارة التحدي الحوثي بنفسها، وخوضها حربا أوسع ستعرّض بنيتها التحتية لمزيد من الهجمات، بينما تعني المفاوضات التعامل مع الحوثيين من موقع أضعف. من المرجح أن تجمع الرياض بين الضغط العسكري وإعادة بناء القوات المناهضة للحوثيين لاستعادة أوراق الضغط، قبل إعادة فتح مفاوضات غير مباشرة مع الحوثيين والسعي إلى تفاهم إقليمي موازٍ مع إيران.
يمكن القول إن الوضع المتغيّر في اليمن يمثل، في نظر الرياض، أكبر معضلة أمنية تواجهها منذ سنوات. ما يفاقم هذا الوضع أن تصعيد الحوثيين جزء من حملة ضغط إيرانية مستمرة متعددة الأوجه والجبهات، ولا مجال للشك في أن الرياض ستُضطر إلى الرد، لكن السؤال هو: كيف؟
يبدو أن الرياض تبني رداً على التوسع الحوثي في الساحل الغربي لليمن عبر محاولة الاستفادة من شركائها وحلفائها الدوليين، ولهذا الرد هدفان: حشد أكبر قدر ممكن من القوة بالتوازي مع عملية برية مخطط لها، وكسب الدعم لحملة جوية سعودية مستقبلية ضد الحوثيين. يضع السعوديون في حسبانهم حجم الجدل الذي أثاره تدخلهم عام 2015، لكن النظرة الدولية السلبية إلى الحوثيين قد تتيح لهم الآن قدراً أكبر من الصرامة في مواجهة الجماعة.
الحملات الجوية وحدها لا تكسب الحروب أبداً، لكن من المتوقع، للأسف، أن تُشن حملة جوية مستمرة في المستقبل، غير أن مدى أي حملة مستقبلية سيتوقف على الديناميات الإقليمية مع إيران، التي يعلم السعوديون أنها تحاول إنهاكهم بتشتيت جهودهم عبر دعمها لوكلائها على جبهات متعددة. يمكننا أن نتوقع مدّاً وجزراً في حملات جوية محدودة على المديين القصير والمتوسط.
يمثل استيلاء الحوثيين على المخا وذو باب وميون تغيّراً جوهرياً في التوازن العسكري والإقليمي؛ فالسيطرة على هذه الجغرافيا تتيح للجماعة الانتقال من تهديد حركة الملاحة عبر هجمات متقطعة بعيدة المدى إلى ممارسة ضغط أكثر استمراراً بكلفة أقل. تكتسب جزيرة ميون أهمية خاصة؛ فموقعها داخل باب المندب يتيح استخدام وسائل أرخص وأكثر تنوعاً لتهديد الملاحة، كما يخلق فرصاً جديدة أمام الحوثيين لدعم شبكات التهريب وتطوير صلات بالجماعات المسلحة الناشطة على طول الساحل الأفريقي.
جاء هذا التقدّم بفعل التشرذم وسوء التنظيم داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ورد عسكري بالغ الضعف، ومستوى ظاهر على نحو غير معتاد من الإشراف العملياتي الإيراني، لا سيما في الاتصالات والقيادة والسيطرة. لذلك، يصعب النظر إلى الهجوم بوصفه مجرد عملية حوثية محلية أو خطوة انتهازية، فهو مرتبط ارتباطاً مباشراً بالمواجهة الأوسع بين طهران والولايات المتحدة وحلفائها. تمنح النتيجة إيران والحوثيين نفوذاً أكبر على شريان رئيسي للتجارة بين آسيا وأوروبا، وتزيد الضغط على الشحن والتأمين وأسواق الطاقة. كما تهدد جدوى اعتماد السعودية على موانئها في البحر الأحمر منفذاً بديلاً عند تعطّل العبور من مضيق هرمز.
إن استعادة المخا ليست مستحيلة عسكرياً، لكنها تزداد صعوبة مع كل يوم يمر؛ فالحوثيون يرسّخون خطوطاً دفاعية واتصالات وطرق إمداد تربط الساحل بمناطق سيطرتهم في الداخل، ومن دون رد سريع ومنسّق مدعوم بضربات جوية كثيفة ومعلومات استخباراتية، قد تتحول مكاسبهم الميدانية إلى واقع راسخ ومستدام. لا تتوفر في الوقت الراهن سوى أدلة قليلة على جهد بهذا الحجم، والوقت يعمل لصالح الحوثيين.
هذا المقال جزء من سلسلة إصدارات ينتجها مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية بتمويل من حكومة مملكة هولندا. تستكشف السلسلة قضايا ضمن محاور اقتصادية وسياسية وبيئية، بهدف إثراء النقاش وصنع السياسات المتعلقة باليمن بما يعزز السلام المستدام.
كاتب
كاتب
كاتب
مؤسس مشارك ورئيس المركز