لماذا فشلت الولايات المتحدة في هزيمة إيران وما يعنيه ذلك لمحور المقاومة
توصّلت الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى اتفاق لإنهاء الحرب؛ فعندما شنّت ضرباتها الأولى إلى جانب إسرائيل أواخر فبراير، أعلنت الولايات المتحدة أن أهدافها تشمل تغيير النظام، وتفكيك البرنامج النووي الإيراني، وتفكيك برنامجَي الصواريخ والطائرات المسيّرة أو على الأقل إضعافهما، وإنهاء دعمها للجماعات المسلّحة غير الحكومية في المنطقة أو الحدّ منه، ولا سيّما حزب الله في لبنان، وحماس في الأراضي الفلسطينية، والحوثيين في اليمن. بعد أكثر من 100 يوم من النزاع، لم تقترب واشنطن من تحقيق أيٍّ من هذه الأهداف.
على السطح، قد تبدو هذه النتيجة غير منطقية: ثمّة اختلال هائل في موازين القوى بين الولايات المتحدة، التي لا تزال القوة العسكرية المهيمنة في العالم، وإيران، وهي قوة إقليمية أنهكتها عقود من العقوبات والعزلة الدبلوماسية. ما يزيد النتيجة إثارةً للدهشة أن ما اعتُبر لوقت طويل، واحداً من أثمن الأصول الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية — أي محور المقاومة، وهو شبكة من الجماعات المسلّحة المدعومة من إيران المنتشرة في أنحاء المنطقة — لم يؤدِّ دوراً مهماً في النزاع.
يمكن تفسير نجاح إيران الذي يبدو متناقضاً بمجموعة من العوامل. فقد أدّت الجغرافيا دوراً كبيراً في نجاح إيران وفي عرقلة الولايات المتحدة. معلوم أن إيران تسيطر على الشاطئ الشمالي والشرقي للخليج الفارسي، بما في ذلك مضيق هرمز بالغ الأهمية. هذا يمنحها قدرة دائمة على تهديد الملاحة البحرية عند واحد من أكثر الممرات الحيوية أهميةً للاقتصاد العالمي. تُضاعف التضاريس الجبلية في جنوبي إيران هذه الميزة، إذ تتيح لإيران إخفاء مواقع صغيرة متعددة لتخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة وإطلاقها. هذه القدرة تمثّل تهديداً دائماً يمكن احتواؤه، ولا يمكن إزالته ما دامت الجمهورية الإسلامية في السلطة. الآن وقد أرست طهران هذه السابقة، بات لزاماً القبول عملياً بما كان معروفاً على نطاق واسع من الناحية النظرية: إذ يمكن لإيران، في المستقبل المنظور، أن تهدّد بإغلاق المضيق مجدداً، كلياً أو جزئياً، لانتزاع تنازلات من خصومها، وسيقيد ذلك بقوة قدرة واشنطن للضغط على الجمهورية الإسلامية.
على المستوى السياسي، كان المتغيّر الجوهري أنها حرب وجودية بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية؛ فخلافاً لجولات العنف السابقة أو ذُرى التوتر، ما إن أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل صراحةً عزمهما على إسقاط الجمهورية الإسلامية — مهما كان تذبذبهما في صياغة أهداف الحرب الأخرى — حتى غيّرت طهران نهجها تغييراً جذرياً. لأنها قاتلت من أجل بقائها ذاته، كانت قيادة الجمهورية الإسلامية مستعدة لتحمّل ألم كبير، عسكرياً جرّاء نحو 20 ألف ضربة أمريكية وإسرائيلية، واقتصادياً جرّاء الحصار الأمريكي. في الوقت نفسه، كانت هذه، بالنسبة إلى الولايات المتحدة ورئيسها المعروف بسرعة تشتّته ونفاد صبره، حرب اختيار، ومن ثمّ كان استعدادها لتحمّل الكلفة الاقتصادية والسياسية لارتفاع معتدل في أسعار النفط أقل. يفسّر هذا التباين الهائل في عتبتَي تحمّل الألم لدى الطرفين، إلى حدٍّ بعيد، كيف تمكّنت طهران من ممارسة هذا القدر من الصبر، في حين أفصحت إدارة ترامب صراحةً عن ضعف موقفها باندفاعها إلى المفاوضات، أمّا الجمهورية الإسلامية، فقد جمعت بين قدرتها القمعية الهائلة — التي تجلّت بوضوح في يناير 2026 — وبين حقيقة أن أقلية لا يُستهان بها من السكان لا تزال تؤيّد النظام، وهذا يكفي لإبقاء حكومتها صامدة رغم القنابل والحصار.
يتمثّل العامل الثالث في أن النظام كان قد أعدّ العدّة منذ زمن طويل لهجوم أمريكي واسع النطاق، وقد مكّنه ذلك من التنفيذ السريع لاستراتيجيته الدفاعية «الفسيفسائية»، التي لا مركزية فيها لاتخاذ القرار، بما يتيح للقادة التصرّف باستقلالية حتى حين يتعرّض التسلسل القيادي للضغط وتكون الاتصالات معرّضة لخطر الانقطاع. كانت لدى النظام خطط طوارئ مُعدّة منذ وقت طويل لاستبدال القادة العسكريين بعد اغتيالهم، وجرى انتقال السلطة، حتى في أعلى هرم النظام، بسلاسة معقولة، بما سمح باستمرارية الحكم وتشغيل القوات المسلّحة، رغم مقتل عشرات من كبار المسؤولين.
أخيراً، كانت قدرة الجمهورية الإسلامية إفساد التطورات السياسية وعرقلة خصومها، أكبر من قدرة الولايات المتحدة على الضغط عليها لتغيير سلوكها؛ فبوسع واشنطن بالتأكيد أن تُلحق الأذى بطهران اقتصادياً وعسكرياً، لكنها بالغت كثيراً في تقدير قدرتها على إرغام طهران على نقض عقود من ممارساتها في السياسة الخارجية. تجلّى هذا التنافر في تباهي الولايات المتحدة المستمر بعدد ما أتلفته أو دمّرته من صواريخ وطائرات مسيّرة ومنصّات إطلاق ومخزونات ومواقع إنتاج، وربما بدت الأرقام مُبهرة على السطح؛ غير أن ما كان مهماً في الممارسة العملية هو استمرار قدرة إيران على استهداف الملاحة في مضيق هرمز وجيرانها العرب في الخليج، وهي قدرة احتفظت بها حتى لو لم ينجُ سوى جزء من طائراتها المسيّرة وصواريخها.
مع أن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق أهدافها وحقّقت إيران بلا شك مكاسب جيوسياسية، فمن الخطأ افتراض أن الجمهورية الإسلامية هي المنتصر الواضح في الحرب. لقد ألحقت حملة القصف الأمريكية-الإسرائيلية الهائلة أضراراً كبيرة بالبنية التحتية الاقتصادية والعسكرية لإيران، والأهم من ذلك أن الجمهورية الإسلامية تظل هشّة على الصعيد الداخلي، فاقتصادها في حالة يُرثى لها، ليس بسبب الحرب وحدها، بل بفعل عقود من العقوبات وسوء الإدارة، في حين أن النظام يفتقر إلى الشعبية بدرجة كبيرة ويبقى في السلطة جزئياً بفضل قدرته القمعية الوحشية. المسألة مسألة وقت، لا احتمال، قبل أن يعود الإيرانيون إلى الشوارع بأعداد كبيرة احتجاجاً على حكومتهم. مع أن الاتفاق المقترح يبدو منطوياً على انفراج اقتصادي كبير لإيران، فلا تزال هناك خطوات عدّة قبل أن تتحقق هذه المنافع وتصل تدريجياً إلى السكان.
تحمل هذه الديناميكية الجديدة في الخليج تداعيات على محور المقاومة؛ فقد تقلّص دور المحور في استراتيجية طهران. كان أحد الأغراض الرئيسية من دعم إيران لحماس وحزب الله في الأصل هو الردع: إذ كان التهديد بردٍّ مكلف من شركائها في المحور يهدف إلى ردع الولايات المتحدة وإسرائيل عن مهاجمة إيران مباشرةً، وقد فشلت هذه الاستراتيجية في مناسبات عدّة منذ العام 2023، مع تزايد ضعف معظم أعضاء المحور نتيجة الضغط العسكري الثقيل من إسرائيل، ولا سيّما حماس، وبدرجة أقل وإن كانت لا تزال كبيرة، حزب الله.
بات المحور الآن، من بعض النواحي، عبئاً على إيران؛ فرغم كل ما قدّمته لحزب الله على مدى العقود، لم يُخفق الحزب في تعزيز دفاعات إيران فحسب، بل احتاج بدلاً من ذلك إلى أن تهبّ إيران للدفاع عنه. كان على إيران أن تبذل جهداً كبيراً لإدراج لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار في يونيو، في جانب منه لحمايته من الضربات الإسرائيلية المستمرة، وسيثير هذا صعوبات إضافية: ففي ظل الاحتمال المرتفع بأن تضرب إسرائيل حزب الله مجدداً، سيتعيّن على طهران أن تقرّر ما إذا كانت ستجازف بالاتفاق مع الولايات المتحدة، أم ستبدو ضعيفة بتغاضيها عن الأمر.
يمثّل الحوثيون الاستثناء في محور المقاومة الآخذ في الضعف، فخلافاً لنظرائهم من الجهات غير الحكومية، هم اليوم أقوى مقارنةً بعام 2023. على الصعيد الداخلي، يبقى موقعهم بلا منازع، بفضل اجتماع الدعم الإيراني والضعف النسبي لخصومهم. علاوةً على ذلك، برزوا في السنوات الأخيرة بوصفهم قوة إقليمية طموحة وحازمة. لم يفعلوا الكثير للتدخل في الحرب الأمريكية-الإيرانية، ويعود ذلك جزئياً إلى أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية خلال العام 2025، كانت مكلفة بما يكفي لترجيح حساباتهم بين الكلفة والمنفعة نحو مزيد من الحذر. مع ذلك، يحتفظون بالقدرة على إغلاق حركة الملاحة في باب المندب — وهو ممر بحري حيوي آخر عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر — أو على عرقلتها عرقلةً خطيرة على الأقل. هذا خيار يبقونه احتياطياً، ليُستخدم في حال نشوء تهديد وجودي آخر للجمهورية الإسلامية أو لسيادتهم الداخلية، أو ربما لمواجهة ضغط إسرائيلي ثقيل على حزب الله، وبالتوازي مع التهديد الإيراني لمضيق هرمز، يعني هذا أن المحور قادر على احتجاز الاقتصاد العالمي رهينةً في المستقبل المنظور.
خلاصة القول: أظهرت الحرب أن محور المقاومة بات يؤدّي دوراً أقل في استراتيجية إيران للردع وبسط النفوذ مما كان يُفترض منذ زمن طويل؛ فإسرائيل لم تهزم حماس وحزب الله هزيمة حاسمة، لكنها أضعفتهما بقوة، ومن ثمّ تراجعت قدرتهما على تكبيد إسرائيل أو الولايات المتحدة كلفةً ملموسة، بما قلّص قيمتهما الاستراتيجية لدى طهران. هذا يعني أن أهمية الحوثيين قد ازدادت في نظر الأخيرة، فبعد أن كانوا ميليشيا فضفاضة التنظيم في ركن ناءٍ من اليمن، صاروا اليوم القوة المهيمنة في البلاد وقوة إقليمية قادرة على كبح السعودية والإمارات العربية المتحدة.
بناء عليه: يمكننا توقع أن تضاعف إيران دعمها للحوثيين، ولا سيّما بالصواريخ والطائرات المسيّرة (التي لا غنى عنها لقدرتهم على الضغط على السعودية والإمارات)، فضلاً عن الألغام البحرية ومختلف قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (التي لا غنى عنها، إلى جانب الصواريخ والطائرات المسيّرة، لقدرتهم على استهداف الملاحة في البحر الأحمر). لقد شهدت السنوات الأخيرة توسّع نفوذ الحوثيين في أنحاء المنطقة، لا سيّما في العراق ولبنان، حيث عمّقوا روابطهم مع شركائهم في المحور، وكذلك في القرن الأفريقي، حيث واصلوا تعزيز تعاونهم مع حركة الشباب، فرع تنظيم القاعدة في الصومال، ولم تؤدِّ الأحداث الأخيرة إلا إلى زيادة حافز الجمهورية الإسلامية على مواصلة تيسير هذا الاتجاه.
يندرج هذا التعليق ضمن سلسلة من المنشورات التي يُعدّها مركز صنعاء وتموّلها وزارة الخارجية النرويجية في إطار برنامج «إعادة تصوّر السلام في اليمن ضمن المشهد الإقليمي». وتسعى السلسلة إلى تعزيز جهود بناء السلام في اليمن من خلال دراسة استراتيجية لروابط البلاد الأمنية والاقتصادية مع منطقة الخليج والبحر الأحمر الأوسع.
زميل غير مقيم