إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

قبل 10 سنوات، كانت العلاقات بين إيران والحوثيين تُعد هامشية. أما اليوم، يُعد الحوثيون أحد أهم الشركاء في شبكة الأطراف الفاعلة المسلحة غير الحكومية التي تدعمها إيران على مستوى المنطقة. إن بحث تطور الشراكة بين إيران والحوثيين مسألة صعبة؛ فهناك معلومات محدودة متاحة علنًا حول الديناميكيات السياسية بين قادة كلا الجانبين أو حول طبيعة الدعم العسكري الإيراني.

ظلت تقارير فريق الخبراء المعني باليمن، التي تُقدم سنويًا إلى مجلس الأمن الدولي، أحد المصادر القليلة للمعلومات الموثوقة طوال السنوات الماضية. يقدم التقرير الأخير، الذي صدر أواخر يناير/كانون الثاني، نظرة ثاقبة إضافية حول سياسات إيران في اليمن. كما يتناول تقرير فريق الخبراء مواضيع أخرى، مثل القضايا الاقتصادية والتطورات على ساحة المعركة، إلا أنها ليست محور التركيز في هذا المقال.

تضمنت تقارير سابقة لفريق الخبراء معلومات عكست اتجاهات جديدة مهمة، لا سيما فيما يتعلق بقدرات الحوثيين من حيث الصواريخ والطائرات المسيّرة وإدماج الجماعة في شبكات التهريب العالمية لإيران. لا يكشف التقرير الأخير، الذي يغطي الفترة من 6 ديسمبر/ كانون الأول 2020 إلى 5 ديسمبر/ كانون الأول 2021، عن أي تطورات دراماتيكية من هذا القبيل، لكنه يؤكد بأن الاتجاهات الحالية تتعزز بشكل أكبر.

واصل الحوثيون عام 2021 شن هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد السعودية، مستهدفين المناطق الحدودية بمنظومات قصيرة ومتوسطة المدى (مثل طائرات مسيّرة من طراز قاصف-2K وصواريخ من طراز بدر) فضلًا عن استهداف البنية التحتية الحيوية في عمق البلاد بمنظومات أخرى طويلة المدى (لا سيما الطائرات المسيّرة من طراز صماد وصواريخ كروز من طراز القدس وصواريخ ذو الفقار الباليستية).[1] وقعت الهجمات على المناطق الحدودية عدة مرات في الأسبوع طوال عام 2021، وكثيرًا ما استُخدمت طائرات مسيّرة وصواريخ متعددة. ووفقًا لفريق الخبراء، يوضح هذا أن الحوثيين ما يزالون “قادرين بسهولة” على اقتناء مكونات هذه المنظومات من الخارج وتجميعها محليًا. أحاط فريق الخبراء علمًا بهجوم واحد فقط، بصاروخ كروز وثلاث هجمات بقذائف باليستية بعيدة المدى عام 2021؛ هذا يشير في رأيه إلى أن الحوثيين ما يزالون يعانون من أجل الحصول على مكونات أكثر تطورًا من الخارج للمنظومات بعيدة المدى.

تسببت الهجمات القليلة بالطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى في أضرار محدودة. لم يكن الهدف الأساسي وراءها عسكريًا، بل سياسيًا؛ فقد أرسلوا إشارة واضحة مفادها أن السعودية بأكملها، أو تقريبًا كذلك، هدف قريب المنال للحوثيين. كما حققت الهجمات على الإمارات أوائل 2022 إنجازًا مماثلًا. الهدف الأساسي للحوثيين من شن مثل هذه الضربات هو الضغط على خصومهم وبناء نفوذ في المفاوضات نهاية المطاف (على عكس استخدامهم لمنظومات قصيرة المدى داخل اليمن، والتي لها غرض عسكري واضح يتمثل في إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر). من غير المرجح أن يوافق الحوثيون على التخلي عن هذه المنظومات المتقدمة أو التنازل عن اقتنائها في أي تسوية لما بعد الحرب. والرسالة هي أن على السعودية وشركائها الاعتراف بتوازن القوى الجديد هذا، أو مواجهة المزيد من الهجمات.

كما أفاد فريق الخبراء عن استمرار الحوثيين في استخدام الأجهزة المتفجرة المرتجلة المنقولة عن طريق المياه (WBIEDS) في البحر الأحمر. يقدر فريق الخبراء أن الجماعة شنت أربع هجمات من هذا القبيل عام 2021، بما في ذلك هجمات ضد السفن الراسية في منشآت نفطية بالسعودية على بُعد أكثر من 1000 كيلو متر. استخدمت بعض هذه الهجمات نوعًا جديدًا من الأجهزة المتفجرة المرتجلة المنقولة عن طريق المياه (WBIEDS)، لم يجرِ الإبلاغ عنها من قبل، والتي تعمل بمحركين خارجيين. وبالنظر إلى المسافة الممتدة إلى المنشآت البحرية في السعودية، قدر فريق الخبراء أن بعض الهجمات لم تُشن من سواحل اليمن، بل من “سفينة أُم” في عرض البحر.[2] وهذا من شأنه أن يشكل تطورًا مهمًا، حيث يدل على نفوذ وطموح متزايد للحوثيين في البحر الأحمر.

عام 2021، كانت هناك عمليات مصادرة متعددة للسفن الصغيرة -عادة ما تكون مراكب شراعية للصيد -من قِبل البحرية الأمريكية وحلفائها وشركائها، حيث استمرت جهودها لوقف تهريب الأسلحة. حملت إحدى هذه السفن، التي اعترضتها البحرية الأمريكية في 11 فبراير/شباط، على متنها 3752 بندقًا هجوميًا، و198 مدفعًا رشاشًا، ومكونات المدافع الرشاشة الثقيلة، وقاذفات قنابل صاروخية. في العديد من الحالات، لم يتمكن فريق الخبراء من تحديد -بدرجة عالية من اليقين -أن الأسلحة مصدرها إيران وأنها كانت في طريقها إلى الحوثيين. إلا أنه تمكن في حالات عديدة من إثبات أن بعض الأسلحة كانت على الأقل إيرانية المنشأ، في حين أن البعض الآخر منشأها بلدان أخرى (مثل الصين وبيلاروسيا) ولكن قد تكون استحوذت عليها إيران من جهة مورّدة أخرى. على سبيل المثال، من المرجح أن تكون قاذفات آر بي جي التي تم الاستيلاء عليها في فبراير/شباط إيرانية المنشأ، وكذلك الأسلحة الأخرى التي تم الاستيلاء عليها في وقت لاحق من العام. كما أظهر تحقيق فريق الخبراء أيضًا أن إيران تواصل على الأرجح تهريب كميات أقل من الأسلحة باستخدام طرق برية تمر عبر عُمان، كما يتضح من الاستيلاء على سبعة مناظير أسلحة حرارية صينية إيرانية الصنع عند معبر شِحن الحدودي الرابط بين عُمان واليمن في يونيو/حزيران.

تؤكد هذه النتائج المتوصل إليها اتجاهًا قائمًا من قبل؛ تواصل إيران تهريب كميات كبيرة من الأسلحة الصغيرة فضلًا عن مكونات معقدة تكنولوجيًا للمنظومات المتقدمة، بشكل رئيسي عن طريق البحر، ولكن عبر عُمان أيضًا وإن بدرجة أقل. في بعض الحالات، تأتي هذه الشحنات مباشرة من إيران (مع وجود حالات معروفة لنقاط إعادة شحن في عرض البحر أو في الصومال). أحد أهم التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة، والتي تأكدت وتسارعت وتيرتها عام 2021، هو تزايد الإدماج القوي للحوثيين في شبكات سلسلة الإمداد العالمية لإيران من الأسلحة وقطع غيار الأسلحة والمواد ذات الاستخدام المزدوج. وحسبما يؤكد التقرير الجديد، فإن الحوثيين “يواصلون الحصول على المكونات المهمة لمنظومات أسلحتهم من شركات في أوروبا وآسيا”.[3] وحقق فريق الخبراء في سلسلة حيازة (سلسلة تتبع) مواد مثل جهاز إرسال الضغط الذي صُنع بادئ الأمر في ألمانيا، وانتهى به المطاف كمُكوّن في صاروخ كروز استُخدم لشن هجوم ضد جدة بالسعودية، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021. يبدو أن شركة في عُمان اشترت جهاز الإرسال من الصين، وتتبع فريق الخبراء أصنافًا مماثلة إلى إيران وتركيا.

بوجه عام، تتيح لنا النتائج الواردة في تقرير فريق الخبراء الجديد صقل فهمنا غير المكتمل للعلاقات بين إيران والحوثيين. وهي تؤكد، على وجه الخصوص، الاتجاهات القائمة فيما يتعلق بتعميق هذه الشراكة، وتساعدنا على فهم العواقب طويلة الأجل على نحو أفضل.

هذا المقال هو جزء من سلسلة إصدارات لمركز صنعاء، تبحث في أدوار الجهات الفاعلة الأجنبية الحكومية وغير الحكومية في اليمن.

الهوامش
  1. “التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني باليمن المنشأ عملا بقرار مجلس الأمن”، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، 26 يناير/كانون الثاني 2022، ص 23. https://www.securitycouncilreport.org/atf/cf/{65BFCF9B-6D27-4E9C-8CD3-CF6E4FF96FF9}/S_2022_50.pdf
  2. “التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني باليمن المنشأ عملا بقرار مجلس الأمن”، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، 26 يناير/كانون الثاني 2022، ص 21.
  3. “التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني باليمن المنشأ عملا بقرار مجلس الأمن”، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، 26 يناير/كانون الثاني 2022، ص 32.