رجال القبائل وقوات الجيش اليمني يتمركزون على الخطوط الأمامية قرب قرية الجدافر بمأرب على طول حدود المحافظة مع الجوف، 6 سبتمبر/أيلول 2020، الصورة لمركز صنعاء التقطها علي عويضة

مطارح الريان: تضامن القبائل والدفاع عن العُرف القبلي

لطالما عانت القبائل اليمنية من تداعيات الصراعات السياسية والمسلحة في البلاد، ولم تكن الحرب الحالية استثناءً. على الرغم من ذلك، لا تزال القبائل متمسكة بأعرافها وتقاليدها المتوارثة، وفي يونيو، أُقيمت «المطارح» – وهي حشد قبلي مسلح– في منطقة الريان بمحافظة الجوف رداً على ما اعتُبر انتهاكاً حوثياً للعُرف، أي القواعد ومواثيق الشرف التي تلتزم بها القبائل.

أظهرت المطارح أن القبائل لا تزال قادرة على الحشد على نطاق واسع، إلا أن قدرتها على تحويل هذا الحشد إلى قوة عسكرية وسياسية ومواجهة الحوثيين تظل مرهونة بدعم الحكومة والجهات الإقليمية الفاعلة مثل المملكة العربية السعودية. في نقاش مع مركز صنعاء، حذّر الشيخ القبلي عبدالواحد القبلي نمران من أن «القبائل لا تستطيع مواجهة الحوثيين عسكرياً من دون دعم الدولة”، وبعد وقت قصير من إقامة المطارح، اندلعت مواجهات بين المشاركين فيها والحوثيين، وتعاونت القوات القبلية والحكومية خلال تقدمها في الجوف، ليشكل هذا التعاون تحدياً آخر للحوثيين وفرصة للحكومة وحلفائها في الرياض.

تعتبر إقامة المطارح القلبية ممارسة عرفية قبلية متجذرة في الدفاع الجماعي عن أحد أفراد القبيلة أو أي شخص يلجأ إليها طلباً للحماية، وتقام استجابةً لدعوة قبلية للنصرة تُعرف بـالنكف. كان الدافع وراء مطارح الريان استغاثة امرأة ادعت أنها ابنة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، ففي مايو لجأت امرأة تقول أن اسمها ميرا صدام حسين إلى الشيخ القبلي حمد بن فدغم، طالبةً الحماية والمساعدة في استعادة ممتلكات من تاجر السلاح ومحافظ صعدة السابق فارس مناع، الخاضع لعقوبات أمريكية، وشركائه الحوثيين، ولكن مناع نفى هذه الادعاءات علناً، بينما قال بن فدغم إنه حاول التوسط لاستعادة الممتلكات، إلا أن الحوثيين اختطفوه هو و(ميرا حسين)، حيث ظل محتجزاً لمدة 50 يوماً قبل الإفراج عنه ليتوجه بعدها إلى منطقة الريان ويعلن النكف. لم تستجب القبائل بدافع الشرف فحسب، بل دفاعاً عن استقلاليتها وأعرافها ودعماً للتضامن القبلي، واشترطت المطارح الإفراج عن (ميرا حسين) التي لا تزال محتجزة لدى الحوثيين.

وسّع الحوثيون سلطتهم على القبائل من خلال دمجها في منظومة المشرفين التابعة لهم وهياكلهم العسكرية، وتُستخدم الشبكات القبلية لتجنيد المقاتلين وحشدهم وضمان الدعم المحلي، كما تقلّصت الأدوار الاجتماعية التقليدية لبعض زعماء القبائل، فيما تم إبعاد آخرين أو تهميشهم، ما أدى إلى تغذية مشاعر الاستياء. في هذا السياق، تعكس مطارح الريان معارضة أوسع لتدخل الحوثيين في الشؤون القبلية، وتحتكم القبائل إلى العُرف، وهو منظومة من القوانين العرفية (القبلية) التي تنظم الشؤون الاجتماعية والنزاعات ووساطات حلها والأمن الجماعي منذ ما قبل القوانين. بالمقابل، يعتنق الحوثيون عقيدة «الولاية»، التي تنص على الحق الحصري لآل البيت (من يدّعون الانتساب إلى النبي محمد) في تولي السلطة السياسية، ويُتوقع من الجميع الامتثال لتوجيهات زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي. يكمن جوهر التوتر بين سعي القبائل إلى الحفاظ على أعرافها واستقلاليتها، ومساعي الحوثيين لإخضاع المجتمع وإعادة تشكيله بما يتوافق مع عقيدتهم السياسية والأيديولوجية.

تجلى نطاق الاستياء من هذه العلاقة في التنوع الكبير للمشاركين في المطارح إذ جمعت المطارح قبائل من خلفيات سياسية مختلفة ومتعارضة أحياناً، ما أظهر قدرة الشبكات القبلية على الحشد حول قضية مشتركة رغم الانقسامات السياسية والجغرافية، وعزز موقعها الاستراتيجي هذه الدلالة، فالجوف محافظة تتمتع فيها القبائل بنفوذ كبير، بينما أقيمت المطارح في أرض مفتوحة ضمن مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة بالقرب من خط المواجهة مع قوات الحوثيين.

شكّل حجم الاعتصام واستمراره تحدياً مباشراً لسلطة الحوثيين في الجوف، وأتاح فرصة للتعاون مع القوات الحكومية والقوات المدعومة من السعودية، وقد اكتسبت حشود مماثلة أهمية عسكرية في السابق؛ ففي مأرب عام 2014، أوقفت المطارح القبلية تقدم الحوثيين شرقا وحسب الباحث أحمد العرامي: “عندما تعرضت الدولة اليمنية نفسها للتهديد عقب سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014، انحازت قبائل مأرب إلى حد كبير إلى الحكومة المعترف بها دولياً… وأقيمت أول المطارح في نخلا والسحيل شمال مدينة مأرب في 18 سبتمبر 2014، وعُرفت تلك المطارح لاحقاً باسم “المقاومة الشعبية” ضد الحوثيين، وأبقت القبائل المطارح قائمة لحشد قوة احتياطية في حال ضعف الأداء العسكري للحكومة اليمنية أو انهيارها.”

سرعان ما تصاعد الزخم الذي ولّدته مطارح الريان إلى مواجهة مباشرة مع الحوثيين، ففي 14 أغسطس، أعلن الشيخ القبلي عبدالباسط الدعام أن رجال القبائل سيتحركون من الريان إلى مديرية مريس في الضالع لدعم القوات الموالية للحكومة على خطوط المواجهة مع الحوثيين، وفي 16 أغسطس، نقل بن فدغم المطارح الرئيسية من الريان شرقاً إلى الأثام على امتداد خطوط المواجهة، واصفاً الخطوة بأنها تصعيد قبلي رداً على عدم استجابة الحوثيين لمطالب المطارح، وفي 6 سبتمبر، أعلن بن فدغم أن رجال القبائل اشتبكوا مع الحوثيين بالتنسيق مع القوات الموالية للحكومة، وقال إن أي منطقة تسيطر عليها القبائل ستُسلّم إلى تلك القوات.

تسلط مطارح الريان الضوء على مفارقة في الديناميات القبلية في اليمن: بينما تحافظ القبائل على تماسك اجتماعي قوي وهوية ثقافية وقدرة محتملة على الحشد، فإنها تفتقر إلى قوة مستقلة في الحرب، وقد أدت عقود من التشرذم إلى توزيع الولاءات القبلية بين فصائل سياسية وعسكرية متنافسة وجهات إقليمية راعية. نتيجة لذلك، غالباً ما تُستخدم الأطراف القبلية لخدمة أجندات سياسية، ما يزيد من إضعاف نفوذها، وفي الحرب الدائرة في اليمن، لم تتمكن القبائل من التحرك بصورة مستقلة كما أنها تفتقر إلى القوة اللازمة لإعلان مواجهة مفتوحة مع جماعة الحوثيين، إلا أن الحشد في الجوف أعاد إحياء السلطة الرمزية للعُرف والتضامن الجماعي الذي يجسده، بينما يجعل حجمه من القبائل شريكاً جذاباً للحكومة؛ فالمقاتلون القبليون ما يزالون عنصراً لا غنى عنه في أي حملة مستقبلية ضد الحوثيين، إلا أن فعالية مشاركتهم العسكرية تتطلب أن تتم من خلال هياكل قيادة رسمية تابعة للدولة والتحالف، بدلاً من أن يشكلوا طليعة مستقلة.

قد تتيح مطارح الريان أيضاً فرصاً أمام السعودية لتعميق علاقاتها مع القيادات المحلية في الجوف، استناداً إلى نهج الرياض الراسخ في التواصل مع القبائل في مأرب وحضرموت والمهرة. بالنسبة للرياض، يخدم بناء التحالفات القبلية مصالح الأمن الوطني من خلال التصدي لهيمنة الحوثيين في المناطق الحدودية، وقد تدفع هجمات الحوثيين الأخيرة على البنية التحتية السعودية وحركة الملاحة في البحر الأحمر الرياض إلى البحث عن أساليب جديدة للضغط على الجماعة، قد تشمل التحالفات القبلية.

في نهاية المطاف، تُظهر مطارح الريان أنه في حين لا تزال القبائل تتمتع بقدرة كبيرة على الحشد، فإن تحويل هذه القدرة إلى قوة عسكرية أو استراتيجية يعتمد على ما تتلقاه من دعم سياسي ومالي ولوجستي.


هذا المقال جزء من سلسلة منشورات يصدرها مركز صنعاء بتمويل من حكومة مملكة هولندا. تتناول السلسلة قضايا ضمن محاور اقتصادية وسياسية وبيئية، بهدف إثراء النقاش وصنع السياسات المتعلقة باليمن بما يعزز السلام المستدام.

العودة للأعلى
مشاركة:
الكتاب
عادل دشيلة هو باحث ومحاضر يمني حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي، مع التركيز على أدب السجون السياسية في العالم العربي. هو حاليا باحث زائر في جامعة توركو، فنلندا، وتشمل مجالات خبرته: دراسة العدالة الانتقالية بعد انتهاء الصراعات من… اقرأ المزيد.