أدى التقدم اللافت الذي أحرزه الحوثيون على امتداد الساحل الغربي لليمن إلى تبديد موجة التفاؤل التي بدأت تتنامى بشأن احتمال تراجع نفوذ الجماعة؛ فمنذ انسحاب القوات الإماراتية من اليمن في ديسمبر وإخضاع شركائها العسكريين المحليين للترتيبات الجديدة، تصاعدت التكهنات بأن القوات الموالية للحكومة، والتي باتت تحظى بدعم حصري من الرياض، ستكون أكثر تنظيماً وتنسيقاً، وظهر ثمة أمل في أن تتمكن الحكومة المعترف بها دولياً من استعادة زمام المبادرة العسكرية في اليمن في ظل مشروع سياسي موحد وقيادة عسكرية موحدة.
تعززت هذه التوقعات عندما تصاعد الصراع في يوليو، إذ عكست الغارات الجوية على مطار صنعاء نهجاً أكثر حزماً من جانب الرياض، فيما أظهرت القوات الموالية للحكومة بعد إعادة تنظيمها قدرة أكبر على خوض حرب الطائرات المسيّرة، وظلت خطوط الجبهة متماسكة. في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، واصلت الأوضاع الاقتصادية المتردية أصلاً تراجعها نتيجة مزيج من العقوبات وتراجع وصول المساعدات وتعطل شحنات النفط الإيراني. مع تقلص الموارد المتاحة لتوزيعها على الموالين، أصبحت الضرائب التي يفرضها الحوثيون لاستنزاف الموارد أكثر إرهاقاً، كما ازداد تعقيد علاقاتهم بالقبائل التي تشكل مصدراً مهماً للمقاتلين الجدد، وبدأت مظاهر الحرمان تتجلى بصورة متزايدة أمام الرأي العام، ما أثار تساؤلات حول إمكانية أن تتحول هذه المعاناة إلى حالة من السخط والاحتجاج. حتى أيام قليلة مضت، كان مسؤولون حكوميون يعلنون صراحة أنهم اتخذوا قراراً باستعادة العاصمة من قوات الحوثيين.
ليست هذه المرة الأولى التي تسود فيها مثل هذه الأجواء المتفائلة؛ فقد رافقت الغارات الجوية الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية المتعاقبة خلال عامي 2024 و2025، وكذلك التصعيد العسكري الواسع في إطار عملية « الراكب الخشن/Rough Rider»، آمال في إمكانية إخراج الحوثيين أخيراً من صنعاء، وجال قادة القوات الموالية للحكومة في العواصم الغربية سعياً للحصول على الدعم العسكري والجوي اللازم للتقدم شمالاً، إلا أن غياب الثقة والإرادة السياسية، والاستراتيجية المنسقة كان يقوّض فرص شن هجوم بري مستدام أو التوصل إلى حل دبلوماسي في كل مرة. نهاية المطاف، توصلت واشنطن إلى تفاهم منفصل خاص بها، فيما شنت إسرائيل ضربات انتقامية، قبل أن يحوّل الطرفان اهتمامهما إلى أولويات أخرى.
يبدو أن الأمر لن يختلف كثيراً هذه المرة؛ فقد بات واضحاً أن إعادة تنظيم القوات الحكومية من جانب السعودية، التي كثر الحديث عنها، كانت إما غير كافية أو لم تكتمل بعد، كما أُنشئ على عجل، وفي خضم معارك مطلع سبتمبر، غرفة عمليات مشتركة في الساحل الغربي، رغم أن الفكرة كانت مطروحة للنقاش منذ سنوات. بعيداً عن تبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات الجاري حالياً، يبدو أن مشكلات جدية شابت التنسيق وتسلسل القيادة بين مختلف القوات الموالية للحكومة، التي وإن أصبحت تتلقى تمويلها من جهة واحدة، لا تزال تحتفظ بولاءات سياسية محلية ضيقة. لقد قوض التنافس السعودي الإماراتي على مدى سنوات وحدة الحكومة المعترف بها دولياً، إلا أن القوات المدعومة من الإمارات حققت نجاحات ميدانية ضد الحوثيين، سواء على الساحل الغربي عام 2018، أو في شبوة ومأرب عام 2022. بعد الانسحاب الفوضوي الذي حدث في 9 سبتمبر، لا تبدو هناك توقعات كبيرة بظهور قوة برية محلية قادرة على مواجهة الحوثيين في المستقبل القريب.
بهذا تجد السعودية نفسها أمام المشكلة ذاتها التي واجهتها مع بداية الحرب: كيفية التعامل مع قوة عسكرية صدامية آخذة في التوسع على حدودها الجنوبية. وكما أظهرت اثنتا عشرة سنة من الصراع في اليمن، لا توجد حلول سهلة لهذه المعضلة. للمقارنة، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من تريليوني دولار على حربها في أفغانستان، ونشرت في مرحلة ما أكثر من 100 ألف جندي على الأرض، ومع ذلك لم تتمكن، بعد عشرين عاماً، من بناء قوة محلية قادرة على مواجهة حركة طالبان. أنفقت واشنطن أيضا نحو 25 مليار دولار على إعادة تشكيل الجيش العراقي وتجهيزه خلال العقد الذي سبق انهياره أمام تنظيم «داعش» في أقل من أسبوع.
ترتبط الرياض بعلاقات ممتدة لأجيال داخل اليمن، ومن المرجح أنها تفهم خصومها هناك بصورة أفضل بكثير مما كان عليه حال الأمريكيين، وعلى خلاف الولايات المتحدة، لا تملك السعودية خيار الانسحاب ببساطة من المشهد. ربما يكون أكثر ما يثير حيرة الرياض ويزيد موقفها تعقيداً أن الإدارة الأمريكية تبدو غير مهتمة في وقت تحتاج فيه المملكة إلى الدعم، سواء فيما يتعلق بهجمات الحوثيين على المملكة أو بحل صراعها المزعزع للاستقرار مع إيران وحلفائها؛ فقد تعرضت سفن سعودية لهجمات في مضيق هرمز، كما استهدفت فصائل عراقية خطوط أنابيب تابعة للمملكة. لجأت الرياض إلى أطراف أخرى طلباً للمساعدة، غير أن تحالفها الدفاعي الذي أبرمته مؤخراً مع باكستان وتركيا لم يدخل حيز التنفيذ بعد.
لا يشكل توسع الحوثيين باتجاه باب المندب سابقة تاريخية، إلا باعتبار الجماعة لا تمثل دولة؛ فقد قوبل استيلاء جمال عبد الناصر على قناة السويس في الخمسينيات بموجة مشابهة من الذعر في الغرب، أعقبها رد عسكري لم يكتب له النجاح، غير أن أيديولوجية الحوثيين الشمولية، واحتجازهم عاملين في المجال الإنساني، والاتهامات الموجهة إليهم بممارسة التعذيب، واستخدامهم للأطفال في القتال على نطاق واسع، تجعل من الصعب على اليمنيين أو المجتمع الدولي القبول بهم كسلطة شرعية، كما أن نزوع الجماعة إلى التصعيد العسكري وتطلعها إلى الهيمنة داخلياً وتعزيز نفوذها إقليمياً، يجعلان من الصعب على السعودية القبول بها كجار.
حتى الآن، لم يتصاعد الصراع بين الحوثيين والسعودية إلى مستويات إراقة الدماء التي شهدتها المرحلة السابقة لهدنة العام 2022، فيما يبدو أن الجانبين يتفاوضان على ملامح علاقتهما المستقبلية عبر الغارات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ. يسعى الحوثيون إلى إنهاء ما يصفونه بأنه حصار سعودي لليمن، وهو ما قد يخفف الضغوط الاقتصادية عن المناطق الخاضعة لسيطرتهم ويسهّل وصول شحنات الأسلحة من إيران. بالمقابل، تتردد الرياض بشدة في الاستجابة لذلك، إذ ترى أن من شأنه ترسيخ وضع الجماعة بصورة أكبر وتوسيع قدراتها العسكرية.
في نهاية المطاف، يتعين على المملكة أن تحسم ما إذا كانت تريد إضفاء الشرعية على الحوثيين وتعزيز قوتهم عبر التفاهم والمسار الدبلوماسي، أم العودة إلى مرحلة من الصراع الأوسع ضد خصم باتت قدراته العسكرية اليوم أكثر اتساعاً بكثير مما كانت عليه قبل أربع سنوات، وفي غياب حلفاء جاهزين أو قوات برية يمكنها الاعتماد عليها. حاولت السعودية ومعها المجتمع الدولي لفترة طويلة الجمع بين المسارين في آن واحد، وهو ما أفضى إلى سلسلة متواصلة من الآمال المجهضة وسقوط المزيد من اليمنيين، من دون إحراز تقدم نحو سلام مستدام.
يأتي هذا التعليق ضمن سلسلة من الإصدارات التي ينتجها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بتمويل من وزارة الخارجية النرويجية، في إطار برنامج «إعادة تصور مسار السلام في اليمن ضمن المشهد الإقليمي». تسعى السلسلة إلى دعم جهود بناء السلام في اليمن من خلال دراسة استراتيجية لروابط البلاد الأمنية والاقتصادية مع منطقة الخليج والبحر الأحمر الأوسع.
محرر وباحث