معضلة الجيل الثاني لدى جماعة الحوثيين
قبل ستة أشهر، ظهر علي حسين الحوثي – نجل مؤسس جماعة الحوثيين (أنصار الله) الراحل حسين الحوثي – على شاشة التلفزيون للإعلان عن اكتشاف مزعوم لشبكة تجسّس جديدة. وشكّل ظهوره تقديماً لشخصية جديدة وأصغر سناً من سلالة آل الحوثي، ما أثار موجة من التكهنات لدى المراقبين اليمنيين حول احتمال حدوث تحوّل جيلي داخل الجماعة. وقد تصاعدت هذه التكهنات مع ما يُتداول عن الدور المحوري الذي يلعبه علي حسين في التوترات الأخيرة بين الحوثيين وتجمّع قبلي كبير في الريان، وهو ما تحوّل إلى أزمة خطيرة في علاقة الجماعة بالقبائل.
يأتي صعود مكانته في ظلّ تصاعد التهديدات الأمنية المحدقة بقيادة الحوثيين، غير أنّ قلّة من أبناء جيله برزوا علناً لتولي هذا الدور. وقد كشفت الضربات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت صنعاء في أغسطس/آب الماضي، والتي طالت الحكومة المدنية للحوثيين إلى جانب شخصيات عسكرية بارزة، كوزير الدفاع اللواء الركن محمد ناصر العاطفي، ورئيس أركان جماعة الحوثي اللواء الركن محمد عبد الكريم الغماري، أنّ البروتوكولات الأمنية شديدة السرية التي عُرف بها الحوثيون قد تعرضت للاختراق. وقد كشف الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي معضلة الجيل الثاني لدى الحوثيين: ففي الوقت الذي يُضطر فيه مؤسّسو الجماعة الذين صقلتهم حروب صعدة إلى الاختفاء والتواري عن الأنظار، يبدو الحوثيون غير مستعدين لمواجهة فراغ في القيادة، ومتردّدين في السماح لجيل أصغر سناً بسدّ هذا الفراغ.
خرق في الأمن الحوثي
أفضت الضربات الإسرائيلية في أغسطس/آب على قيادة الحوثيين إلى تعقيدات عدّة داخل الحركة الحوثية. تمثّل أولها في تصاعد القلق الأمني، وهو ما انعكس في تطبيق بروتوكولات أمنية جديدة، من بينها تجنّب استخدام أجهزة إلكترونية معينة. سبقت هذه البروتوكولات الضربات الإسرائيلية، غير أنّ الثغرات التي كشف عنها الاختراق الإسرائيلي عمّقتها وأثارت مخاوف أمنية جديدة. فقد نُفذت سلسلة من الاعتقالات، واحتُجز عدد من أعضاء الجماعة، إذ بلغت حدّة الشكّ والترقّب مستويات غير مسبوقة. أما التعقيد الثاني فتمثّل في اضطرار كثير من قيادات الجماعة إلى الاختباء. قد يُفضي ذلك إلى مشكلات متعدّدة، سواء على صعيد الاتصالات الداخلية للجماعة أو قدرتها على التواصل مع الجمهور وتأكيد حضورها وفعاليتها بوصفها سلطة حاكمة. أمّا التعقيد الثالث فيتمثل في احتمال فقدان قيادتها على نحو مفاجئ، وهو ما بات يشكّل مصدر قلق عميق لدى الجماعة. وقد اتّسم الهيكل الداخلي للحوثيين بمركزية شديدة، غير أنّ هذه المخاوف الأمنية دفعت الجماعة إلى تبني لامركزية واسعة النطاق. وقد يحمل هذا التحول تداعيات خطيرة، ولا سيما إذا نجحت أي محاولة لاستهداف زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي. تمتلك الحركة الحوثية هيكلاً سياسياً ومشروعاً أيديولوجياً متماسكاً، غير أنها لم تتطور سياسياً أو مؤسسياً على نحو يمكّنها من تجاوز غيابه بيسر. وقد أثار ذلك قلقاً داخل الجماعة في ظلّ استمرار استنزاف جيلها المؤسّس على نحو مطّرد.
إنّ الحركة الحوثية نفسها حديثة النشوء نسبياً، إذ برزت في مطلع الألفية الثانية، وتصاعد حضورها كجماعة مسلّحة خلال حروب صعدة بين عامي 2004 و2010. وقد انعكس ذلك في سلوكها السياسي شديد الأيديولوجية والاندفاع، وكذلك في ثقتها المفرطة بنفسها. وعلى الرغم من الانتكاسات العسكرية المحلية والضربات الإسرائيلية الأخيرة، لم يتعرّض الحوثيون بعد لضربة سياسية أو عسكرية تدفعهم إلى إعادة النظر في سلوكهم. وقد حال نشوء الجماعة حديثاً، إلى جانب انخراطها المطوّل في النزاع المسلح، دون تطورها سياسياً أو مؤسسياً. كما عمّق ذلك من نزعة عبد الملك الحوثي إلى الريبة والحذر، إذ يُزعم أنه لا يثق إلا بمن قاتلوا في حروب صعدة ولا يعوّل إلا عليهم. ومن بين هؤلاء الموالين، قُتل كثير من الكوادر الدنيا في المعارك ضدّ التحالف الذي قادته السعودية بين عامي 2015 و2022. ووقعت خسائر متفرقة بين شخصيات رفيعة المستوى، مثل مقتل صالح الصماد، المسؤول السياسي المعيّن، في عام 2018، غير أنه باستثناء هذه الحالات المتفرقة، لم تُستهدَف القيادة حتى وقوع الضربات الإسرائيلية.
وربما لا يُملأ أي شاغر داخل الجماعة بسهولة بسبب هذه الاستمرارية. حيث لم يُعيَّن وزراء جدد بعد الضربات الإسرائيلية، ولم يُستبدل رئيس الحكومة. وقد يُعزى ذلك إلى مخاوف من تجدّد الاستهداف، وكذلك إلى محدودية أهمية مسؤولي الحكومة داخل الجهاز الحوثي. غير أنّ المسألة تتجاوز المواجهة الأخيرة مع إسرائيل؛ فهي جزء من نزعة أقدم وأعمق. إذ لا تزال عملية اختيار شاغلي المناصب الحيوية مقتصرة على جيل المقاتلين من حروب صعدة، الذين خضع ولاؤهم للاختبار قبل وصول الجماعة إلى السلطة. ونتيجة لذلك، تتقلّص دائرة المرشحين على نحو مستمر، ونادراً ما كان من تولّوا هذه المناصب لاحقاً على القدر نفسه من الفعالية. حيث استبدلت الجماعة بالصماد شخصية أخرى ذات خلفية قبلية، هي مهدي المشاط، غير أنه يفتقر إلى كاريزما الصماد، وقد أخفق في ملء الفراغ الذي خلّفه غيابه، ولا سيما في إدارة علاقة الجماعة بالقبائل.
هل يتأهّب الجيل الثاني للصعود؟
مع مرور الوقت، بات صعود الجيل الثاني للجماعة أمراً محتوماً. فعلى الرغم من اتّساع نطاق سيطرة الحوثيين، لا تزال القيادة تعمل عبر الدوائر الاجتماعية الضيقة نفسها، المتمركزة أساساً حول قاعدتها الاجتماعية في صعدة وأبناء بعض الأسر الهاشمية. يتّخذ هذا الطابع الحصري صبغة مؤسسية حتى في معايير القبول بأكاديمية علوم القرآن، التي أسّستها الجماعة لإعداد كوادرها الشابة وترسيخ رؤيتها الأيديولوجية في نفوسهم. فرغم أنّ باب الأكاديمية مفتوح اسمياً أمام الجميع، إلّا أنّ القبول فيها يقتصر على أبناء قيادات الحوثيين أو من تزكّيهم هذه القيادات.
ويُعدّ توارث الانتماءات السياسية أمراً شائعاً في السياسة اليمنية، حتى داخل الأحزاب السياسية. وبناءً على ذلك، فإنّ معظم شباب الحوثيين هم أبناء الجيل الأول من مقاتلي حروب صعدة، وبالتالي فهم إمّا هاشميون أو من أبناء قبيلة خولان بن عامر، التي تنحدر من صعدة وظلّت متحالفة مع جماعة الحوثي منذ نشأتها. لكنّ الانتقال إلى هذا الجيل الثاني ستكون له تداعياته على طبيعة الحركة. فبينما نشأ الجيل الأول أساساً من ديناميكيات النزاع المحلي واعتمد في بقائه على تحالفات محلية، تشكّل الجيل الثاني في بيئة مختلفة. حيث بلغ هذا الجيل سنّ النضج في ظلّ دعم إيراني متواصل منذ اندلاع الحرب عام 2015، ومن خلال الدور الإقليمي المتنامي للحركة أثناء حرب غزة. بل إنّ بعض القادة الشباب تلقوا تدريباً مباشراً على يد مستشارين عسكريين إيرانيين. ونتيجة لذلك، يُرجَّح أن يحمل هذا الجيل الجديد نزعة إقليمية أوسع. علاوة على ذلك، لقد نشأ الجيل الحوثي الجديد في ظلّ بيئة يسّرت له التمسّك بالسلطة أكثر ممّا تطلّبت منه خوض غمار الوصول إليها، فلم يختبر ما كابده من سبقه من مشاقّ وتضحيات.
لم يُبذَل جهد منظّم حتى الآن لمأسسة عملية الانتقال من الجيل الأول إلى الجيل الثاني. فرغم أنّ الجماعة تُجري تدريبات أيديولوجية وعسكرية، إلا أنّ ذلك لم يُفضِ إلى مسارات واضحة تؤدّي إلى تولي مناصب قيادية ضمن هيكلها التنظيمي. قد يعود ذلك إلى نزعة الريبة والشكّ لدى عبد الملك الحوثي، أو إلى حقيقة أنّ الجيل الأول لا يزال شاباً نسبياً؛ إذ لا يزال معظم أفراده في منتصف الأربعينيات أو أواخرها، مع وجود قلة في الخمسينيات. غير أنّه على الرغم من محدودية الخسائر في الصفوف القيادية العليا حتى الآن، فإن ذلك قد يتغير بسرعة نظراً لطول أمد النزاع ونزعة الجماعة إلى التصعيد.
قبضة عائلة الحوثي على السلطة
ما يزال أفراد عائلة الحوثي الأصغر سناً بمنأى عن تولّي مناصب مهّمة. ويُعدّ علي حسين الحوثي استثناءً حديثاً في هذا الصدد، إذ تولّى في عام 2023 رئاسة جهاز المخابرات الشرطية بعد سلسلة من المهام الأمنية القصيرة. وهو يعدّ شخصية طموحة، تسعى إلى تحمّل مسؤوليات كبرى والبروز بوصفه الوريث الأجدر والأكثر شرعية بين إخوته.
يُعدّ جهاز استخبارات الشرطة خامس الأذرع الأمنية للجماعة، ويبدو أنّه أُنشئ خصّيصاً كي يتولّى علي حسين قيادته. أمّا أقدم جهاز أمني في الحركة، وهو جهاز الأمن الوقائي، فقد أُنشئ خلال حروب صعدة لضمان أمن قادة الحركة والتحقّق من ولاء أعضائها. وتشكّل جهاز الأمن والمخابرات لاحقاً، إذ ورث أصول وقدرات أجهزة الأمن والمخابرات التابعة للدولة اليمنية، وهما جهاز الأمن السياسي وجهاز الأمن القومي. ويتمثّل دوره في مراقبة المجتمع اليمني وتنفيذ الاعتقالات، إضافة إلى إدارة بعض الملفات الخارجية، كالعلاقات مع دول القرن الأفريقي، والإشراف على المنظومة المالية المستخدمة للتحايل على العقوبات. وثمّة أيضاً جهاز الاستخبارات العسكرية، المسؤول عن جمع المعلومات الاستخبارية العسكرية، وجهاز أمن الثورة، الذي يُشرف على بقية الأجهزة الأمنية ويخضع لإشراف عبد الملك الحوثي شخصياً. وقد تشكّل جهاز استخبارات الشرطة بقيادة علي حسين لتولّي مهام الرصد والإشراف على وسائل التواصل الاجتماعي. ويحتلّ موقعاً يعلو أجهزة الشرطة لكنه يقل عن الأجهزة الاستخباراتية، وتتداخل صلاحياته مع كثير من الأجهزة الأخرى. ويبدو أنّه لا يعدو كونه أداة لخدمة طموحات علي حسين الشخصية.
وتعمل معظم الأجهزة الأخرى في الخفاء، ونادراً ما يظهر قادتها علناً. غير أنّ ظهور علي حسين التلفزيوني في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الذي أعلن خلاله عن اكتشاف خلية تجسّس مزعومة، كشف عن رغبة في تعزيز حضوره العلني. وقد استرعى ذلك انتباه كثير من المراقبين، الذين فسّروا هذا الظهور بأنّه تمهيد لدور أكبر داخل عائلة الحوثي، ربما بوصفه وريثاً محتملاً.
وعلى الرغم من أنّ الجماعة تبنّت اسم “أنصار الله” أثناء مشاركتها في مؤتمر الحوار الوطني عام 2013، فإنها لا تزال معروفة على نطاق واسع باسم لقب مؤسّسها. وكان حسين الحوثي الابن الأكبر للعالِم الزيدي بدر الدين الحوثي، الذي كان يتمتع بمكانة دينية واجتماعية بارزة. وبعد مقتل حسين عام 2004، تولّى شقيقه عبد الملك القيادة. وأضفى ذلك على الحركة طابعاً عائلياً، إذ شغل أفراد الأسرة وأقاربهم مناصب قيادية على جميع مستويات هيكلها التنظيمي. ولم تكن أسرة الحوثي تاريخياً تحظى بنفوذ سياسي أو صلات وثيقة بالسلطة إبان الإمامة الزيدية، إذ كان ذلك مقتصراً على مجموعة مُختارة من الأسر الهاشمية. وقد برزت إلى جانب الحوثيين عدد من الأسر الهاشمية الأخرى، وكان بعضها قد عانى من التهميش في السابق بسبب وجوده في صعدة وليس في صنعاء، التي تعدّ مركز السلطة التاريخي في اليمن.
تزخَر سيرة الإمامة بنزاعات حادّة بين الأسر الهاشمية المتنافسة على السلطة، أو بين المطالبين بالإمامة داخل الأسرة الواحدة. ولم تنظّم النظرية السياسية الزيدية مسألة توارث الحكم تنظيماً واضحاً، إذ تركتها مفتوحة أمام كلّ من يرى نفسه أهلاً للمطالبة بحقّ الحكم ويملك القوة الكافية لفرضه. ويفسّر ذلك كثيراً من ديناميكيات السلطة داخل هذه التشكيلات القائمة على القرابة، وداخل الجماعة على نحو أعمّ. فمن جهة، تسعى أسرة الحوثي إلى الحفاظ على موقعها بوصفها مركز السلطة، خشية أن تستولي عليه أسر أخرى تمتلك إرثاً سياسياً وعلمياً يؤهّلها لتولّي القيادة. ومن جهة أخرى، يخشى عبد الملك الحوثي من التنافس وصراعات السلطة المتكرّرة التي طبعت الإمامة وأسقطتها أكثر من مرة. وقد انعكس ذلك في إصراره على اتّباع نهج شديد المركزية، مع تفويض محدود وخاضع لمراقبة وثيقة للسلطة والمسؤوليات إلى الآخرين، فضلاً عن الغياب اللافت لأي خليفة أو نائب واضح.
وعليه، ينبغي توخّي الحذر عند تقييم مختلف الشائعات والتفسيرات المتداولة بشأن الظهور العلني لعلي حسين الحوثي. حيث تنطلق هذه التفسيرات من بروز شخصية شابّة داخل الجماعة، ولا تستند إلى الإمكانات القيادية التي يمتلكها علي حسين نفسه. بل يبدو أنّ صعوده اللافت إلى الواجهة جاء بإصرار من عبد الكريم الحوثي، عمّ والده، استجابةً لطموح علي حسين الشخصي. ولم يُبدِ عبد الملك الحوثي حماساً واضحاً لتوسيع دور علي حسين، لكنّه استجاب لذلك بتعيينه في موقع قيادي من دون أن يُسند إليه مسؤوليات واضحة أو ذات أهمية. علاوة على ذلك، لا يبدو أنّ ظهور علي حسين الحوثي مدفوع بأي ترتيبات منظّمة داخل الجماعة لنقل السلطة والمسؤولية إلى الجيل الثاني، أو مؤشراً على استعدادات لاختيار خليفة محتمل لعبد الملك الحوثي – بل هو مجرّد تعبير عن اتّساع منظومة الامتيازات التي تنعم بها الأسرة الحاكمة. فالجيل الجديد من الحوثيين حاضر، لكنّ فرصته لم تحِن بعد.
هذه المقالة جزء من سلسلة إصدارات ينتجها مركز صنعاء بتمويل من حكومة مملكة هولندا. وتتناول هذه السلسلة قضايا ضمن محاور اقتصادية وسياسية وبيئية، بهدف إثراء النقاش وصنع السياسات المتعلقة باليمن على نحو يعزّز السلام المستدام.
باحثة أولى