إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

ملاحظة من المحرر: مُنح المؤلف وجميع الأشخاص المذكورين في هذه المقالة أسماء مستعارة لحمايتهم عبر إبقاء هوياتهم طي الكتمان.


في 25 يناير/كانون الثاني، استيقظت سلمى (٧ أعوام) على وقع انفجار هائل حين قصفت طائرات التحالف معسكر الحفا، شرقي صنعاء. سقطت سلمى من سريرها تسبح في ظلام الغرفة، وملأت صرخاتها المذعورة أرجاء المنزل وهي تركض بحثًا عن والديها في الغرفة المجاورة، اللذين اصطدمت أجسادهما وسقطا على الأرض أثناء تسابقهما للوصول إليها، قبل أن يصل والدها إلى مفتاح الإضاءة.

أعادت الغارات الجوية المكثفة والحثيثة في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط، التي تعد الأعنف خلال السنوات الأخيرة، إلى الأذهان ما شهدته صنعاء وسكانها خلال الأيام الأولى من تدخل التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. هذه المرة، جاء قصف طائرات التحالف ردًا على الهجمات التي شنتها جماعة الحوثيين بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد الإمارات. مرة أخرى، قُصفت الأهداف المعتادة منذ عام 2015: مطار صنعاء، وقاعدة الديلمي الجوية المجاورة شمالي صنعاء، ودار الرئاسة وجبل النهدين إلى الجنوب، وجبل عطان إلى الغرب -حيث يضم الأخيران مخازن أسلحة -ومعسكر الحفا الواقع على بُعد كيلومتر واحد تقريبًا من منزل سلمى، إضافة إلى معسكر الصيانة، ومقر الفرقة العسكرية الأولى سابقًا، وكلية الطيران، والقيادة العامة للجيش في قلب المدينة. كما امتدت حملة القصف الأخيرة لتشمل المؤسسات المدنية والأحياء السكنية.

كانت مقرات مؤسسة الاتصالات في الحديدة وصنعاء ضمن الأهداف الجديدة للتحالف، أدى قصف مبنى المؤسسة بالحديدة في 20 يناير/ كانون الثاني إلى انقطاع خدمة الإنترنت لأربعة أيام في مختلف أنحاء اليمن. وأدى قصف مقر المؤسسة بصنعاء، في 14 فبراير/شباط، إلى قطع الاتصالات الهاتفية الدولية عن اليمن. كما استهدُفت أبراج للاتصالات في محافظتي ذمار وتعز أواخر كانون الثاني/يناير وأوائل شباط/فبراير.

في ليلة 18 يناير/كانون الثاني، قصف التحالف منزلًا سكنيًا في المدينة الليبية بصنعاء، وقُتل 14 شخصًا، بينهم العميد عبدالله الجنيد. زعم التحالف أن الجنيد كان مسؤولًا عن برنامج الطائرات المسيّرة للحوثيين، محاولًا تبرير قصفه منطقة مدنية في ممارسة يجرمها القانون الدولي. تسبب القصف بتدمير عدة منازل مجاورة. كان التحالف قد عمِد استهداف منازل سكنية خلال السنوات الأولى من الحرب، وفي عام 2016، قصف منزل القاضي يحيى الرفيد الذي كلفته سلطات الحوثيين بتولي ملف محاكمة الرئيس عبدربه منصور هادي. كان منزل الرفيد يقع على بعد أقل من كيلومترين من منزل الجنيد، شمالي صنعاء.

أدت تحذيرات التحالف بالابتعاد عن المنشآت العسكرية إلى تفاقم المخاوف بين السكان، مما زاد من الارتباك والقلق بسبب الطبيعة غير المحددة لهذه التحذيرات. لم يتمكن سكان صنعاء من تحديد المواقع التي يجب عليهم تجنبها، كما أن استهداف المنازل السكنية زاد من صعوبة مثل هذه التقديرات.

أثبتت الأيام الأربعة من انقطاع الإنترنت بأنها الأكثر رعبًا وعزلة للعديد من سكان صنعاء. لم يكن بالإمكان تحديد مواقع القصف، والتي كان يسهل معرفتها عادة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. كما تعذر الاطمئنان على الأصدقاء والمعارف إلا بعد تحديد موقع القصف. تمكن السكان من الصمود خلال الغارات المتواصلة بطرق متنوعة.

في 26 يناير/كانون الثاني، كان نبيل على سطح منزله القريب من جبل النهدين المجاور للقصر الرئاسي، يعيد ضبط طبق استقبال الأقمار الصناعية الخاص به لمتابعة القنوات الإخبارية بعد انقطاع الإنترنت. فجأة، شعر بقوة اهتزاز شديدة دفعته إلى داخل الطبق، بالتزامن مع دوي انفجار هائل ووميض كتلة من اللهب اخترقت سكون الليل وظلمته. استمر استهداف المنطقة على مدار الأيام القليلة التالية، لا سيما في أوقات متأخرة من الليل.

كان طابور طويل من السيارات مصطفًا أمام محطة وقود في منطقة سواد حنش، تتوسط عددًا من أهداف التحالف بما في ذلك مقر الفرقة الأولى مدرع ومعسكر الصيانة. وعلى وقع انفجار قريب، فرّ السائقون الذين كانت سياراتهم لا تزال تحتوي على بعض الوقود، بينما ترك آخرون سياراتهم خلفهم وفروا باحثين عن بر الأمان.

سبق القصف الليلي تحليق مكثف لطائرات التحالف نهارًا على علو منخفض، وأصبح صوت الطائرات الحربية جزءًا من التلوث الضوضائي اليومي في صنعاء. أثارت الطلعات الجوية مخاوف السكان بشأن ما سيأتي بعد ذلك. وأدت الشائعات إلى تفاقم القلق والخوف بين سكان بعض الأحياء، كمنطقة التحرير التي تبادل سكانها معلومات مجهولة المصدر أنه سيتم استهداف جسر الصداقة، الذي يفصل بين مقر البنك المركزي اليمني ومكاتب الرئاسة. قضى معظم السكان نتيجة ذلك عدة ليال خارج منازلهم. يُذكر أن مثل هذه الشائعات راجت على نطاق واسع في بداية الحرب، قبل أن يكتشف السكان أن اللصوص غالبًا ما كانوا يقفون وراءها، إذ يسهل نهب المنازل الخالية من السكان. لا يزال بعض السكان يستجيبون لهذه الشائعات، إلا أنه يتم حاليًا إخلاء المنازل والممتلكات من النساء والأطفال فقط في حين يبقى رب الأسرة لحمايتها.

في سياق متصل، أغلقت العديد من المحلات التجارية أبوابها في أعقاب قصف معسكر التشريفات، الواقع في قلب العاصمة، والذي يتوسط عددًا من أبرز الشوارع مثل شارع الزبيري وشارع هائل (من المفارقة أن الاسم الرسمي للأخير هو شارع الرياض). تضررت واجهات المباني المقابلة للمعسكر، بما في ذلك مستشفى العلياء ومستشفى مغربي للعيون في شارع الزبيري.

رغم شدة القصف المستمر في صنعاء خلال الأسابيع الأخيرة وعواقبه المأساوية على السكان، لا يزال الهدف من شن هذه الغارات الجوية غير واضح. علّقت الكاتبة اليمنية بشرى المقطري على صفحتها على فيسبوك، قائلة: “حصيلة غارات السعودية على صنعاء خلال أسبوع من فبراير الحالي: مقتل قطيع غنم لراعي مسكين فقد مصدر رزقه، مقتل بائع رومي (ذرة شامية)، تدمير مبنى تيليمن. هذه الأهداف الاستراتيجية للتحالف العروبي…”.

في 31 يناير/كانون الثاني، نشر الصحفي عمار الأصبحي، وهو من سكان حي النهضة في صنعاء، ما يلي على فيسبوك: “… ضربات جوية متواصلة على حي النهضة، عنيفة جدًا لم أشهدها منذ بداية الحرب. كل الضربات قريبة منا، تكسر زجاج النوافذ، باب البيت انفتح وتساقط الإسمنت من حوله من شدة الضغط. شظايا الانفجارات أسمعها تتساقط جوار البيت. لا أستطيع الكتابة أكثر. الوضع مخيف”.

لخص أحد سكان منطقة التحرير، الذي تحدث إلى مركز صنعاء شريطة عدم الكشف عن هويته، الوضع المتدهور في العاصمة بداية العام الجديد:

“دخل علينا العام 2022 بقدمه اليسرى (يقصد أنه عام مشؤوم)، فقد بدأ بالقصف، ثم اندلعت أزمة الوقود الخانقة، وانقطعت خدمة الإنترنت، وأُغلقت ست إذاعات محلية كانت تسلينا بالمنوعات الغنائية. وبنفس الوقت ارتفعت أسعار السلع نتيجة أزمة الوقود، وأصبح الحصول على أسطوانة غاز منزلي أصعب من الحصول على المخدرات. ارتفعت أعداد الجثث العائدة من جبهات القتال بشكل مرعب. حين تعيش في بلد تزيد فيه فرص الموت عن فرص الحياة عليك أن تخاف. في الوقت نفسه، عليك نشر التفاؤل في أوساط أسرتك حتى تتمكن من مواصلة ما تيسر لها من الحياة”.