جيل الخوف: العنف والقمع ثمن شجاعة المدافعات اليمنيات عن حقوق الإنسان
الملخص التنفيذي
نحن على يقين أنه لا أحد يقف إلى جانبنا. يمكن أن يُسفك دمنا في الشوارع، ولن يُحاسَب أحد على ذلك.[1]
تعمل المدافعات اليمنيات عن حقوق الإنسان[2] اليوم في ظروف بالغة الخطورة، تتشكّل في ظل نزاع مسلح مستمر، وتصاعد الأصولية، وتآكل منظومتَي الحماية الاجتماعية والمؤسسية، ويُعدّ التمييز ضدهن ظاهرةً شائعة، إذ ترتكب الانتهاكات جهات متعددة، من بينها الجهات الحكومية وسلطات الأمر الواقع، والجماعات المسلحة، وأصحاب النفوذ المحليون، والشبكات الإلكترونية. تشمل هذه الانتهاكات الاحتجاز التعسفي، والاختفاء القسري، والتخويف عند نقاط التفتيش، ومصادرة الوثائق الشخصية ، والإكراه على العمل كمخبراتٍ، والتهديد بالقتل. فضلاً عن ذلك، تتصاعد حدة التضليل المعلوماتي ، والتحرش الإلكتروني، وتوظيف الخطاب الديني لإثارة العداء ضد النساء، مما يُعرّضهن للوصمة الاجتماعية والإضرار بسمعتهن والتهديد بالعنف داخل اليمن وفي المهجر.
تستكشف هذه الدراسة الواقع المُعاش للقياديات اليمنيات، متحديةً الروايات السائدة التي تُركّز على الصمود مع إغفال المخاطر الجسيمة التي تواجههن. تطرح الدراسة مخاطر حجب الحجم الحقيقي للتهديدات التي تتعرض لها المدافعات عن حقوق الإنسان، مما يُقيّد الاعتراف باحتياجات الحماية العاجلة. بالاستناد إلى مقابلات معمّقة، ترصد الدراسة تجارب 22 قيادية يمنية ناشطة في مجال حقوق الإنسان من مختلف مناطق اليمن وفي الشتات، وتسلّط الضوء على التداعيات الجسدية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية التراكمية لعملهن في مجال المناصرة.
تكشف النتائج عن أعباء عميقة ومتعددة الأبعاد تتحملها القياديات؛ إذ أفادت كثيرات منهن بمعاناتهن من أمراض مزمنة كارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض المناعة والإرهاق المزمن، وتُعزى في معظمها إلى الضغط النفسي المستمر وظروف العمل غير الآمنة، كما تنتشر بينهن اضطرابات الأكل، واضطرابات النوم، وضعف المناعة. على الصعيد النفسي، أبلغت جميع المشاركات عن مستويات مرتفعة من التوتر النفسي، تشمل القلق والاكتئاب ونوبات الهلع وأعراضاً متسقة مع اضطراب ما بعد الصدمة، وقد أفضى التعرّض المتكرر للعنف والتهديدات والتجارب الصادمة، المباشرة والثانوية على حدٍّ سواء، إلى فرط اليقظة، والتبلّد العاطفي، وفي بعض الحالات، أفكار انتحارية. على الرغم من هذه الأوضاع، تواصل النساء العمل تحت ضغط شديد، وكثيراً ما يُفرطن في العمل كآلية للتكيف، مما يُفضي إلى الاحتراق الوظيفي وتراجع الإنتاجية.
قدمت النساء المشاركات قصصاً عن التشهير والمراقبة المفرطة والتدقيق المكثّف من قِبل السلطات ومجتمعاتهن. للحد من المخاطر، انسحبت كثيرات من المشاركة في المجال العام والإعلام، بل وحتى من التواصل الأسري، حيث يمتد هذا الأثر ليطال أطفالهن وعائلاتهن، الذين يعانون بدورهم من الوصمة الاجتماعية والتخويف والإقصاء الاجتماعي. أما في مجتمعات الشتات، فرغم السلامة الجسدية نسبياً، تستمر النساء بالعيش في حالة خوف دائم على أنفسهن في بلدان إقامتهن الجديدة، وعلى ذويهن في اليمن. أفادت كثيرات بمواجهة تحديات اقتصادية جسيمة جراء التهجير، وصعوبات الاندماج في البيئات الجديدة، والعزلة المستمرة.
تكشف هذه المعاناة الشخصية والأسرية عن أزمة هيكلية أعمق: غياب شبه تام لآليات الحماية الفعّالة، ومنظومات المساءلة، وتطبيق القانون، مما يُبقي المدافعات اليمنيات عن حقوق الإنسان في خطوط الخطر الأولى معرّضاتٍ للأذى دون حماية كافية. نادراً ما تُدمَج حماية المدافعات في تصميم البرامج، فيما تُخفق المنظمات الدولية والوطنية في الوفاء بالتزامات واجب الحماية للعاملات فيها، ويبقى الدعم النفسي والاجتماعي محدوداً وغير ملائم للاحتياجات وعسير الوصول في أغلب الأحيان، في حين تُعرّض الثغرات في الأمن الرقمي النساء للمراقبة والابتزاز والتشهير.
تتخطى هذه الأوضاع التأثير على رفاه المرأة الشخصي لتلقي بظلالها الثقيلة على استدامة الحركة النسائية في اليمن؛ فالاحتراق الوظيفي والخوف وانعدام الحماية تدفع كثيراً من القياديات ذوات الخبرة إلى الانسحاب من الحياة العامة، مما يُوجد فجوات جيلية ويُضيّق فرص تأهيل القيادات الشابة. لقد تآكلت الثقة بالحكومة اليمنية والجهات الدولية جراء ما يُرى من تقاعس وغياب المساءلة، ويترتب على ذلك تراجع مشاركة المرأة في الفضاءين المدني والسياسي، مما يُهدد التقدم المُحرَز في مجال المساواة بين الجنسين وبناء السلام والمناصرة الحقوقية.
تُبرز المخاطر الجسيمة الموثّقة في هذا البحث الحاجة الملحّة إلى تدابير ملموسة لحماية المدافعات اليمنيات عن حقوق الإنسان. يتعيّن على الحكومة اليمنية، بوصفها الجهة المعنية الأولى بالواجبات، تعزيز المساءلة من خلال تطبيق تدابير الحماية للمدافعات، والتحقيق السريع في الانتهاكات، وملاحقة مرتكبي أعمال العنف والتحرش والاحتجاز غير المشروع. في الوقت ذاته، ينبغي إنشاء منظومات استجابة و حماية سريعة بوصفها تدخلات منقذة للأرواح، تشمل الإخلاء الآمن و إعادة التسكين، والدعم المالي الطارئ، وإدارة الحالات بسرية تامة بما يُقلص من تجديد الصدمة النفسية.
يتعيّن على المنظمات الدولية والجهات المانحة توفير الضمانات المؤسسية وبروتوكولات الطوارئ والوصول العادل إلى الرعاية الصحية والدعم القانوني لجميع المدافعات عن حقوق الإنسان، بمن فيهن العاملات بموجب عقود دائمة ومؤقتة. يُعدّ التمويل المرن والكافي ضرورةً حتمية لتغطية التكاليف الباهظة للعمل الحقوقي، بما يشمل التنقل والإسكان والحماية المستدامة، مع إيلاء الأولوية للناجيات من الاحتجاز والتعذيب والتهديدات الفعلية في مسارات الإخلاء واللجوء.
على الصعيد المنظومي، ينبغي تعزيز آليات المناصرة والمساءلة التي تضغط على الجهات المسلحة لاعتماد التزامات اخلاقية و قانونية بعدم الاستهداف للنساء المدنيات و النساء القياديات والوفاء بها. تعدّ تقوية شبكات المدافعات وآليات التوجيه والإرشاد، ومساحات التنسيق الآمنة أمراً بالغ الأهمية لاستدامة الحركة، إلى جانب الاستثمار في التوثيق وجمع البيانات لتعزيز ظهور الدور الإيجابي للقياديات وإرشاد السياسات العامة ومواجهة الوصمة. كما ينبغي توظيف استراتيجيات مجتمعية، تشمل مناصرة الرجال لقضايا المرأة وإشراك القيادات المؤثّرة، لمواجهة الروايات الضارة وتقوية الحماية الجماعية.
- مقابلة مع صحفية وناشطة في مجال حقوق الإنسان في تعز، 17 أكتوبر 2025.
- وفقاً لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، تشمل المدافعات عن حقوق الإنسان «جميع النساء والفتيات العاملات في أي قضية من قضايا حقوق الإنسان … والأشخاص من جميع الجنسين الذين يعملون على تعزيز حقوق المرأة والحقوق المتعلقة بالمساواة بين الجنسين.» ويشمل التعريف كذلك الفاعلين في المجتمع المدني الذين قد لا يُعرّفون أنفسهم بوصفهم مدافعين عن حقوق الإنسان، من بينهم الصحفيون والعاملون في الصحة والناشطون في مجال البيئة وبُناة السلام والعاملون في الشأن الإنساني والتنموي وغيرهم. انظر: https://www.ohchr.org/en/women/women-human-rights-defenders
كاتب