إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

“مبادرة جريئة”.. هذا هو أقل ما يمكن به وصف الدعوة التي وجهتها الحكومة السعودية في الأسبوع الثاني من أكتوبر/تشرين الأول إلى الزعيم الصوري لسلطات الأمر الواقع في صنعاء “مهدي المشاط” -رئيس المجلس السياسي الأعلى والقائد الأعلى للقوات المسلحة -لزيارة الرياض ولقاء ولي العهد محمد بن سلمان من أجل مناقشة اتفاق سلام مع جماعة الحوثيين. كان هذا هو الاختراق الذي سعى الحوثيون لتحقيقه منذ إطاحتهم بالحكومة المعترف بها دوليًا عام 2014، إذ أن المحادثات المباشرة مع السعوديين قد تمنح درجة من الشرعية الدولية لحُكم الجماعة، بل واعترافًا بالشرعية التي أضفاها الحوثيون على أنفسهم على مدى ثمانِ سنوات من ترسيخ حُكمهم على معظم سكان اليمن.

إدراكًا منهم بعجزهم على إلحاق الهزيمة المباشرة بأعدائهم المتعددين، لعب الحوثيون أوراقهم بأسلوب استراتيجي حيث امتلكوا ما يكفي من الذكاء للانتظار مما حصر أولئك الأعداء في حلقة مفرغة لا سبيل للخروج منها؛ فتعدد المصالح والولاءات في معسكر التحالف المناهض للحوثيين أدى إلى الحد من قدراته العسكرية وضعف التنسيق داخل صفوفه. في خريف عام 2017، أجبرت الغارات الجوية للتحالف بقيادة السعودية القوات الحكومية على الانسحاب بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من مطار صنعاء، وطوال الوقت، كان الحوثيون يُحكِمون سيطرتهم على مؤسسات الدولة ويطورون قدراتهم الهجومية في ظل تآكل مصداقية الحكومة بعد سنوات من الخنوع للتحالف ووجود كبار المسؤولين الحكوميين في الخارج.

استفاد الحوثيون من نجاحاتهم العسكرية عبر إبرام صفقات ذكية متى ما كانت الظروف مواتية بالنسبة لهم، حيث وافقوا في مناسبات عدة على التفاوض مع “المرتزقة” -وهو الوصف المستخدم من الحوثيين للحط من قدر الأطراف الموالية للحكومة -كما حدث في مفاوضات سويسرا (2015) والكويت (2016) والسويد (2018). لكن على ضوء نجاحهم في دفع القوات الحكومية إلى آخر خطوط الدفاع عن مأرب أوائل عام 2020، رفض الحوثيون الدخول في مفاوضات جادة تُفضي إلى تسوية نهائية، مُتحيّنين الفرصة المناسبة لكي يقبل السكان الخاضعون لسيطرتهم بحُكمهم كدولة. ما عزّز هذه المساعي الحوثية هو الإغلاق المطوّل لمطار صنعاء الذي منع الآلاف من القيادات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية من العودة إلى الوطن. أقر غالبية اليمنيين الذي يعيشون تحت سيطرة الحوثيين بالواقع واستبعدوا تغيُّر أوضاعهم في ظل استمرار المؤامرات السعودية – الإماراتية وعدم كفاءة الحكومة المعترف بها دوليًا. مضى الحوثيون في إحكام قبضتهم على صنعاء إلى غير رجعة، لكن الجماعة لم تكن لتُحقق هذا الإنجاز لولا مساعدة الأعداء الذين كانوا أفضل خصوم قد تتمناهم.

ثبت أن الحوثيين لا يمكن أن يقبلوا الشراكة الفعلية مع أحد، ولم يُبدوا أي استعداد للدخول في اتفاق حقيقي لتقاسم السلطة؛ فوثيقة “الرؤية” الخاصة بالجماعة -التي تعكس مخططهم لتقاسم السلطة وبناء دولة ديمقراطية -وُضعت خصيصًا لفئة مستهدفة تتمثل في الدبلوماسيين الدوليين. بينما على الصعيد المحلي، ركزت المخططات الحوثية على بناء دولة “طالبان الزيدية” التي دعا إليها مؤسس الجماعة حسين الحوثي، وشمل ذلك بشكل خاص إقحام الآراء الزيدية المتشددة في المناهج التعليمية التي فُرضت على الأغلبية غير الزيدية. عزّزت النجاحات العسكرية سطوة الفصائل الأكثر تشددًا في الجماعة، وهمّشت المعتدلين الذين دعوا إلى تبني حلول وسط وتقديم تنازلات. أما قوات التحالف، فوهبت الحوثيين أكثر مما تمنوا من خلال قصفها العشوائي للأهداف المدنية واستخدامها الاقتصاد كسلاح، إذ عزّز ذلك خطاب المتطرفين ونَزَع الشرعية عن الحكومة المتواطئة.

رسخت دعوة السعوديين المشاط إلى الرياض شعور الحوثيين بأنهم في وضع جيد يؤهلهم لانتزاع تنازلات، وبالتالي أعطوا ردًا مشروطًا: لن ينخرطوا في أي محادثات مع السعودية حتى تُرفع كافة العقوبات وتُدفع رواتب جميع موظفي الدولة المدنيين والعسكريين (وفقًا لمسيّر رواتب عام 2014) من عائدات النفط والغاز التي تسيطر عليها الحكومة المودعة في البنك الأهلي بالرياض. من غير المرجح أن تكون هذه آخر الشروط المسبقة التي سيضعها الحوثيون للانخراط في أي محادثات سلام، علمًا أن الحكومة هي المعنية بالوفاء بوعدها بدفع الرواتب الذي قطعته بعد قرار نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن. على هذا الأساس، يتفاوض الحوثيون من منطلق قوة، ومن معرفتنا لأسلوبهم في التفاوض، نتوقع أنهم سيضغطون للحصول على مزيد من التنازلات، ولا يُستبعد أن يذعن السعوديون بحثًا عن مخرج وبذلك سيَستجيبون لأخطر طموحات الحوثيين بحيث سيصبح تشرذم الدولة اليمنية أمرًا لا مناص منه. لا يُستبعد أيضًا أن يعرض الجانب السعودي صفقة فارغة لتقاسم السلطة على الحكومة (بقيادة رشاد العليمي ومجلس القيادة الرئاسي) والتي يمكن للحوثيين التراجع عنها متى شاؤوا، مما سيرسخ سطوة “دولة طالبان الزيدية” التي يسعون لبنائها.

يؤمن الحوثيون أن التدخل الإلهي هو ما أعانهم على هزيمة التحالف (المكوّن من 17 دولة) وداعميه -بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. بل باتوا يتحدثون عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء (يرى الخبراء استحالة ذلك لعدم وجود مياه كافية)، وما زالوا متشبثين بمهمتهم المقدسة المتمثلة في “تحرير” مكة والمدينة المنورة. تفتقر الجماعة لبُعد نظر من حيث عدم قابلية دُويلتهم على الاستمرار على المدى الطويل، كونها لن تحظى باعتراف المجتمع الدولي ولن تتمكن من الوصول إلى شبكة الأنظمة المصرفية العالمية، أو استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر أو المساعدات الإنمائية الكبيرة. لا تستطيع الجماعة الاستمرار بتطبيق قوانين دولة بوليسية على سكان مغلوب على أمرهم نتيجة استخدام العقوبات المجحفة أو خاضعين بسبب التصور السائد لديهم بأن الحوثيين كانوا يدافعون عن اليمن ضد عدوان خارجي. في حال أبرمت السعودية صفقة منفردة مع الحوثيين، أو أجبرت حلفاءها اليمنيين على توقيع اتفاقية تقاسم سلطة غير قابلة للتطبيق، فسيكون ذلك بمثابة دق آخر مسمار في نعش الدولة اليمنية، وستكون النتيجة المباشرة هي نشوء قوة أيديولوجية متشددة على الحدود السعودية تعزّزت بفضل النصر الذي حققته ولم يعد لها عدو تبرر به أفعالها، وبمرور الوقت سَيتدهور الوضع الاقتصادي وسَتتراخى قبضة الحوثيين على السكان، مما سيترتب عليه تبعات فوضوية وعنيفة على الأرجح. اليوم الذي سيُوقع فيه السعوديون اتفاقًا منفصلًا سوف يكون هو اليوم الذي ستكتمل فيه العملية الانتقالية، عندها لن يكونوا “أعداء من السماء” بالنسبة للحوثيين، بل “أصدقاء من الجحيم”.


هذا التحليل هو جزء من سلسلة إصدارات ينتجها مركز صنعاء بتمويل من الحكومة الهولندية. تستكشف السلسلة قضايا ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وبيئية، بهدف إثراء النقاشات وصنع السياسات التي تعزز السلام المستدام في اليمن. الآراء المعرب عنها في هذا التحليل لا تعكس آراء مركز صنعاء أو الحكومة الهولندية.