عودة اليمن إلى الحرب: التداعيات على أمن الخليج
دخلت اليمن أخطر مراحل الصراع فيه منذ هدنة العام 2022، وقد قوبل استيلاء الحوثيين على مدينة المخا في سبتمبر/أيلول وتقدّمهم المتواصل نحو مدينة تعز، بهجمات مضادة شنّتها القوات الحكومية، في حين أظهرت موجة الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي شنّها الحوثيون على السعودية مدى خطورة التداعيات الإقليمية لهذا الصراع. المحلّلون وصنّاع القرار في المنطقة والغرب يجدون أنفسهم في سباق لمواكبة حجم التداعيات التي بدأت تتوالى منذ سبتمبر/أيلول.
يشكّل التصعيد في اليمن لحظة مفصليّة بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، تفرض على عواصم المنطقة مواجهة حدود قدرتها على احتواء الصراع في ظلّ غياب استراتيجية خليجية موحّدة؛ فالتقدّم الحوثي على الساحل الغربي باتجاه باب المندب، بالتزامن مع حالة عدم الاستقرار المحيطة بمضيق هرمز، يضع دولَ الخليج أمام أزمة مزدوجة تطال اثنين من أهمّ الممرّات البحرية الاستراتيجية، بما ينطوي عليه ذلك من تداعيات غير مسبوقة على الممرّات التجارية والبنية التحتية الاقتصادية. بالنسبة إلى السعودية، فإنّ التهديد مباشر، إذ أسفرت الضربات المتواصلة بعيدة المدى التي استهدفت الرياض ومنشآت الطاقة الحيوية عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، في دلالة على اتّساع مدى القدرات العسكرية للحوثيين.
من المرجّح أن تمتدّ تداعيات الحرب في اليمن إلى ما وراء حدود السعودية، وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها القوات الحكومية لصدّ الحوثيين على الساحل الغربي، فإنّ الانقسام المتجذّر في صفوف القوى المناوئة للحوثيين لا يزال يكشف عن مكامن ضعف بالغة الخطورة في التنسيق العسكري، فضلاً عن تعدّد مراجع القيادة داخل التحالف المناهض للحوثيين. مع تزايد الإجماع على أنّ الاحتواء السياسي وحده لم يعد خياراً مُجدياً، عاد الاهتمام مجدداً إلى العمل العسكري في اليمن بوصفه الأداة الرئيسة لإحداث التغيير، لكن هل يوفّر تجديد الحملة العسكرية مساراً موثوقاً لتحقيق الاستقرار في اليمن؟ وما الدور الذي يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تضطلع به في تهيئة الظروف الملائمة لتسوية الصراع في اليمن؟
لمناقشة التطورات الأخيرة وما تنطوي عليه من تداعيات أوسع على المنطقة، يجمع مركز صنعاء بين رؤى أحمد دهشان، رئيس تحرير مركز الدراسات العربية الأوراسية، ويسار القطارنة، الخبير في الانخراط الاستراتيجي ودبلوماسية النزاعات والأمن الإقليمي في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، وخلدون عبدالله، المحلل الجيوسياسي اليمني المتخصص في شؤون النزاع.
مركز صنعاء: ما الذي تغيّر جوهرياً مع هذه الجولة من الحرب؟
يسار القطارنة: على مدى سنوات، جرى التعامل مع اليمن ومضيق باب المندب بوصفهما ملفّين منفصلين، فقد كانت اليمن تعتبر في المقام الأول قضية سياسية ودبلوماسية تدور حول وقف إطلاق النار والمفاوضات، أمّا باب المندب فكان يُنظَر إليه أساساً باعتباره مسألة أمن بحري تتعلّق بالدوريات البحرية وحماية الملاحة التجارية الدولية، غير أنّ الهجوم الحوثي على طول الساحل الغربي بدّد هذا الفصل بين الملفّين. على الرغم من أنّ السيطرة على مواقع استراتيجية مثل المخا وذو باب وجزيرة ميون (بريم) متقلّبة ومحطّ تنازع محتدم بين أطراف الحرب، فإنّ التطورات الميدانية على البرّ باتت تؤثّر بصورة متزايدة في الأمن البحري، وقد أدّى ذلك إلى تلاشي الحدود الفاصلة بين الصراع الداخلي في اليمن والمشهد الأمني الأوسع في المنطقة والتجارة البحرية العالمية.
مركز صنعاء: أثارت الانتكاسات الحكومية على الساحل الغربي لليمن اتهامات بالخيانة والإخفاقات الاستخباراتية داخل المعسكر المناوئ للحوثيين؛ إلى أي مدى تفسّر هذه الإخفاقات ما حدث من تراجع وانتكاسات في الآونة الأخيرة؟
خلدون عبدالله: لقد أفضى عقد كامل من السياسات الخليجية المتنافسة وشبكات الرعاية والدعم المتباينة وتنامي القوات المنظَّمة على أسس مناطقية، إلى تفكّك المعسكر المناهض للحوثيين سياسياً وعسكرياً. نتيجة لذلك، أخفق هذا المعسكر في تحويل الموارد المتاحة له إلى قوة استراتيجية مركَّزة. يؤدي غياب القيادة العسكرية الموحّدة وتعدّد مراجع القيادة إلى إضعاف التخطيط العملياتي والتنسيق، وتبادل المعلومات الاستخبارية وتوزيع قوات الاحتياط، والإمداد اللوجستي، والحشد السريع للقوات، ما يخلّف ثغرات نجح الحوثيون في استغلالها. تُشكّل هذه الآلية عاملاً محورياً في فهم الانتكاسات الأخيرة على الساحل الغربي، بدلاً من اختزالها في الخيانة أو الإخفاقات الاستخباراتية المنفردة.
مركز صنعاء: كيف ينبغي أن تردّ دول الخليج والحكومة اليمنية على التهديد الحوثي لباب المندب؟
أحمد دهشان: تتباين الخيارات المُتاحة أمام دول الخليج بين مضيق هرمز، حيث تحوّل الصراع إلى قضية دولية تتداخل فيها مصالح عدد من القوى الإقليمية والعالمية، ومضيق باب المندب. في الحالة الأخيرة، يمكن لعمل عسكري منسّق تقوده السعودية وحلفاؤها الإقليميون والدوليون، ويجمع بين ضربات جوية وعمليات برّية جادّة ومنظَّمة تنفّذها القوات المناوئة للحوثيين، أن يغيّر موازين السيطرة على الأرض، حيث أنّ مساحات واسعة من الساحل الغربي مكشوفة وتفتقر إلى التضاريس الجبلية الوعرة التي تصبّ في مصلحة الحوثيين في مناطق أخرى، وقد انتُزعت السيطرة على باب المندب منهم عام 2015، عبر نهج عسكري مماثل، ولكن لا بدّ أن يقترن الخيار العسكري في اليمن بتدابير سياسية واقتصادية أوسع نطاقاً، يأتي في مقدّمتها إعادة تشكيل الهيكل السياسي للحكومة المعترف بها دولياً بما يعكس موازين القوى الفعلية على الأرض، واستئناف عمل مؤسسات الدولة من داخل اليمن، وتعزيز دور الحكومة في تقديم الخدمات لليمنيين في الداخل، وصون مصالح من أُجبروا على مغادرة البلاد بسبب الحرب.
مركز صنعاء: لدى دول الخليج مصالح بحرية واقتصادية مشتركة واضحة في هذا الصراع، ومع ذلك تتباين سياساتها حيال اليمن؛ لماذا أخفقت دول المجلس في صياغة استجابة موحّدة؟
عبدالله: واجهت دول الخليج صعوبة في تحويل التهديد المشترك الذي يفرضه الصراع في اليمن والمنطقة والقيود الجيوسياسية والمؤسسات الجماعية القائمة إلى استجابة موحّدة، وقد سعت سلطنة عُمان إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع طهران والحوثيين. بالنسبة للإمارات العربية المتحدة، يبدو أنّها تتعامل مع البيئة الإقليمية عبر انتهاج سياسة التهدئة، وينعكس ذلك فيما عُقد مؤخراً من لقاءات مع مسؤولين إيرانيين في نيودلهي على هامش قمة مجموعة “بريكس”. بالمقابل، تتحمّل السعودية العبء الأكبر من تصعيد الصراع في اليمن، إذ تتعرّض منشآتها النفطية ومطاراتها لهجمات متكرّرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بما في ذلك الهجوم الأخير الذي أوقع قتلى في مطار الملك خالد الدولي في الرياض. تواجه السعودية أيضا المعضلة الأكثر حدّة، فهي مكشوفة على امتداد حدودها الجنوبية وتتأثر بشدّة باضطراب الأوضاع في البحر الأحمر. حتى الآن، دأبت الرياض على الجمع بين تحميل القوات الحكومية اليمنية مسؤولية أكبر في مواجهة الحوثيين، واللجوء الانتقائي إلى القوة الجوية، وتوسيع نطاق الردع بالتعاون مع أطراف متعددة. قد تنجح هذه التدابير، في أفضل الأحوال، في كبح جماح التقدم الحوثي، لكنها لن تكون كافية على الأرجح لتحقيق خفض مستدام للتصعيد أو إحداث تحوّل في موازين القوى.
بالنسبة إلى الحكومة اليمنية، فإنّ استعادة توازن أكثر استدامة لا يمكن أن يتحقّق على الأرجح بمجرد تزويدها بمزيد من الأسلحة، إذ يتطلّب ذلك تعزيز التكامل السياسي وتوحيد القيادة والسيطرة ووضع خطط عملياتية مشتركة، وتبادل المعلومات الاستخبارية وتمكين الحشد السريع للقوات عبر جبهات متعددة. من شأن ذلك أن يتيح توظيف الموارد المتاحة للحكومة ضمن استراتيجية متماسكة، بما يُسهم في استعادة التوازن في اليمن، وبالتالي حماية مصالح دول الخليج في البحر الأحمر.
مركز صنعاء: بالنظر إلى المرحلة المقبلة، ما طبيعة الإطار السياسي الإقليمي اللازم لدعم تسوية مستدامة للصراع في اليمن؟
دهشان: يتعيّن على الحكومة اليمنية أن تحوّل تركيزها من السعي وراء الاعتراف الدولي إلى بناء شرعية داخلية حقيقية. في المحصّلة، يبدو أنّه ثمّة حاجة إلى نهج هجين يجمع بين عمل عسكري منظَّم ومفاوضات جادّة، بما يضمن أفضل الشروط الممكنة لتسوية سياسية مع الحوثيين. إنّ الحرب أداة من أدوات السياسة، يُلجأ إليها للضغط على الخصم حين تعجز المفاوضات عن تحقيق نتائج، غير أنّ الصراع في اليمن لا يبدو قابلاً لحسم عسكري يضع بمفرده حدّاً للأزمة السياسية في البلاد وللكارثة الإنسانية فيها. يمكن لدول الخليج أن تضطلع بدور محوري عبر تقديم دعم عسكري وسياسي واقتصادي حقيقي لحكومة يمنية تبني شرعية داخلية وتمتلك القدرة على العمل من داخل البلاد.
مركز صنعاء: كيف ينبغي للجهود الدولية الأوسع نطاقاً الرامية إلى تأمين الملاحة في البحر الأحمر أن تراعي على نحو أفضل العلاقة المتغيّرة بين الأمن البحري والصراع في اليمن؟
القطارنة: تتزايد أهمية مضيق باب المندب الاستراتيجية، حتى باتت تؤثر بصورة متنامية في مسار الحرب نفسها؛ فالسيطرة على الساحل الغربي تمنح الأطراف اليمنية قدراً أكبر من القدرة التفاوضية، في ظلّ تداخل الاعتبارات الأمنية الإقليمية والدولية بصورة مباشرة ومتزايدة مع الصراع الداخلي في اليمن. يستدعي ذلك تغيير النهج المتّبع في التعامل مع هذه القضية، فبدلاً من أن يتساءل أعضاء المجتمع الدولي كلٌّ على حدة، عن سبل تحقيق الاستقرار في اليمن وتأمين مضيق باب المندب، ينبغي له أن يبحث كيفية تأثير تحولات السيطرة الميدانية داخل اليمن في سلوك الأطراف في البحر، وكيف تؤثر التغيرات في الأمن البحري، بدورها، في القرارات العسكرية والسياسية داخل اليمن. لا يعني ذلك دمج مساعي إحلال السلام في اليمن والجهود الرامية إلى تعزيز الأمن البحري في مسار واحد، بل يعني الإقرار بأنّ كلّاً منهما بات يؤثر في الآخر بصورة متزايدة، وأنّه لم يعد من الممكن التعامل مع أحدهما بمعزل عن الآخر.
كاتب
كاتب
كاتب