مؤيدون للحوثيين في ذمار يتظاهرون تضامناً مع إيران ولبنان، 3 ابريل 2026. // الصورة لمركز صنعاء

يترقّب اليمنيون والعالم عن كثب ما ستُقدِم عليه جماعة الحوثيين (أنصار الله) إذا ما طلبت منها إيران المشاركة في الدفاع عنها والانضمام إلى أعضاء محور المقاومة في التصدي للعدوان العسكري الأمريكي والإسرائيلي، وقد دار جدل محتدم حول علاقة الحوثيين بطهران بين من يرى أن الجماعة تأتمر بتعليمات طهران وتُنفّذ مخططات تُرسم في العاصمة الإيرانية، ومن يرى أن الجماعة تحتفظ باستراتيجية مستقلة وأن قراراتها كثيرًا ما تقتصر على التقاطع مع المصالح الإيرانية. لتسليط الضوء على هذه المسألة، من المفيد مقارنة الحوثيين بسائر أعضاء محور المقاومة الذين انخرطوا فعليًا في الحرب الإقليمية الراهنة.

يختلف الحوثيون عن أعضاء المحور في عدة جوانب جوهرية: أبرزها مستوى الانتماء العقدي، فالحوثيون شيعة زيدية يقترب مذهبهم من مذهب الأغلبية السنية الشافعية إلى حدّ يجعلهم يُوصفون في الغالب بأنهم «سنة الشيعة وشيعة السنة»، بما يضعهم في الجوهر وسط الانقسام المذهبي الكبير في الإسلام، حيث يتعلّق الاختلاف الرئيسي بين الزيدية والسنة الشافعية بقيادة الأمة؛ فالمذهب الزيدي يقصر حق الحكم على ذرية الحسن والحسين، حفيدَي النبي محمد عن طريق علي وفاطمة – وهي السلالة التي تنتسب إليها قيادة الحوثيين، ومن هنا يؤمن الزيديون بولاية عبدالملك الحوثي. بالمقابل، فإن حزب الله في لبنان وقوات الحشد الشعبي في العراق جماعتان شيعيتان (اثنتا عشرية) تتبنّيان مفهوم ولاية الفقيه، وهو مفهوم فقهي يمكن أن يمنح السلطة السياسية والدينية للفقهاء، بمن فيهم من قد يكونون من خارج آل البيت، فالخميني، أول مرشد أعلى لإيران والمنظّر الأساسي لهذه النظرية، لم يكن من نسل النبي، في حين أن خَلَفه، المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، كان من نسل النبي (هاشمي).

في جانب آخر، يرى بعض المتشددين من الجانبين الاثنى عشري والزيدي أن الجانب الآخر (غير الزيدية والاثنى عشرية) من الضالّين، ورغم أن نسبة لافتة من القيادات المتوسطة في جماعة الحوثيين تبنّت – بحسب التقارير – التشيّع الاثنى عشري، [1] فإن غالبيتهم لا يبايعون المرشد الأعلى الإيراني. علاوة على ذلك، فإن ارتباطهم بمفهوم ولاية الفقيه الشيعي أكثر ارتخاءً من ارتباط نظرائهم في لبنان والعراق، وهو ارتباط يقوم على السياسة والقيم أكثر من قيامه على العقيدة والأيديولوجيا، وبالنسبة للزيديين، يُنظر إلى عبدالملك الحوثي، بوصفه الوليّ العلَم والإمام المستوفي لشروط القيادة السياسية والدينية.

ثمة فوارق ثقافية ناجمة عن البُعد الجغرافي بين اليمن وإيران؛ فإيران والعراق تتشاطران حدودًا وتاريخًا طويلًا من التفاعل، كما تربط إيران والمجتمعات الشيعية في لبنان روابط تمتد إلى الإمبراطورية الصفوية، وعملت طهران بنشاط في العقود الأخيرة على رعاية الصلات السياسية والاجتماعية والثقافية مع المجتمع الشيعي اللبناني، ولا سيما منذ نشأة حزب الله، في حين يضع موقع اليمن الجغرافي البلاد بشكل أكثر وضوحًا داخل دائرة النفوذ الجيوسياسي والديني السعودي.

بخلاف ذلك، يبدو أن الفارق الحاسم سياسي، فحزب الله وقوات الحشد الشعبي لا يملكان بديلاً عملياً عن تحالفهما مع إيران: حزب الله لن يجد دعمًا من أي طرف آخر إذا تخلّى عن إيران؛ إذ ستتبدّد قوته العسكرية، وسيذوب داخل الدولة اللبنانية الطائفية، وكذلك الحال مع قوات الحشد الشعبي التي وظّفت الدعم الإيراني للسيطرة على روافد إيرادية مهمة، إذ ستفقد الوصول إلى تلك الموارد.

بالنسبة للحوثيين هناك بديل: المقترح الذي طرحته المملكة العربية السعودية خلال مفاوضات عام 2023، والذي يفترض أن توافق الجماعة على النأي بنفسها عن إيران مقابل دعم سعودي وشرعنة سلطتها. من المهم أن نتذكر أن القاعدة السكانية التي خرج منها الحوثيون ارتبطت تاريخيًا، اجتماعيًا واقتصاديًا، بالمملكة العربية السعودية أكثر من ارتباطها ببقية اليمن، فحتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كان «الريال العربي» (أي الريال السعودي) العملة المهيمنة شمال صنعاء، ابتداءً من عمران الواقعة على بُعد 50 كيلومترًا فقط شمال صنعاء، ولا يزال الريال السعودي يُستخدم في بعض المناطق الشمالية أكثر من الريال اليمني. كان التطرف الطائفي ربما أبعد القاعدة السكانية للحوثيين عن المملكة العربية السعودية، لكن السلام والتطبيع بعد الحرب يمكن أن يُعيدا تلك الروابط، بما يُتيح بديلًا معقولًا للتحالف مع إيران.

الفوارق التنظيمية بين الحوثيين وحزب الله وقوات الحشد الشعبي أشد بروزًا: الحوثيون يسيطرون على مؤسسات الدولة في صنعاء وعلى معظم روافد الإيرادات، بما فيها الضرائب والزكاة، ويقوم اعتمادهم على إيران بصورة رئيسية على التعاون العسكري – السلاح والتدريب والتخطيط – وهو تعاون مفيد في زمن الحرب ويُشكّل الأداة الإيرانية الأساسية للضغط على الحوثيين، غير أن إيران تفتقر، في زمن السلم، إلى القدرة على تقديم الدعم المالي والتنموي. بالمقابل، تستطيع المملكة العربية السعودية تقديم المساعدات الاقتصادية والتنموية – كما تفعل أصلًا في معظم المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة – إلى جانب ما لا تستطيع إيران تقديمه مهما بلغت قوتها الاقتصادية: فرص عمل لملايين العمال والمهنيين اليمنيين. لقد ظلّت تحويلات المغتربين اليمنيين في المملكة العربية السعودية على مدى الخمسين عامًا الماضية من أهم مصادر الدخل القومي، ومن الصعب تصوّر اقتصاد يمني ناجح من دون مثل هذه الإيرادات ومن دون علاقة يمنية – سعودية خاصة.

دعم الحوثيون غزة بصورة فاعلة انسجامًا مع محور المقاومة، وعطّلوا الملاحة الدولية في البحر الأحمر، ودخلوا في مواجهة مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة والغرب، ورغم حجم التحدي، صمدوا أمام حملة عسكرية أمريكية ضخمة حتى قررت واشنطن وقف عملياتها ضدهم. كان مصدر صمودهم هو الدعم الشعبي اليمني، نظرًا للمكانة المركزية للقضية الفلسطينية في الوجدان العام، لكن إيران، رغم ما تكبّدته من خسائر، لا تستثير الشعور نفسه، فقد أيّد معظم اليمنيين صدام حسين خلال حرب الخليج الأولى، بل قاتل كثيرون منهم إلى جانب الجيش العراقي.

يُدرك الحوثيون أنهم تحوّلوا إلى ورقة في يد إيران بسبب سوء إدارة النخبة السياسية اليمنية في أثناء حروب صعدة؛ فقد سعى تيار من تلك النخبة – موالٍ للرئيس الراحل علي عبدالله صالح – إلى توظيفهم لإضعاف تيار منافس يقوده الفريق علي محسن الأحمر وحلفاؤه في حزب الإصلاح، ودعم تيار صالح الحوثيين في حروب صعدة الخمس الأولى، بل زوّدهم بصواريخ مضادة للدبابات استخدموها لهزيمة الفرقة الأولى مدرع التي كان يقودها علي محسن، غير أنه في الحرب السادسة – حين قاد نجل صالح، أحمد علي، القوات الحكومية – جاء الدعم من تيار علي محسن الذي سلّم الحوثيين ما لا يقل عن 10 معسكرات عسكرية كاملة العتاد.

يعلم الحوثيون كذلك أن إيران تُدرك أن نفوذها لن يحتفظ بالقيمة نفسها بعد انتهاء الحرب في اليمن، وأنها ليست بغافلة عن أن الحوثيين كادوا أن يبرموا اتفاقًا مع السعودية عام 2023، كان من شأنه إضعاف النفوذ الإيراني، بل أن إيران، خلال المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة في فيينا عام 2021، عرضت المساعدة في إنهاء الحرب في اليمن، لكن الأمريكيين رفضوا الانخراط في مناقشات جانبية في ذلك الوقت.[2] وإمكانية أن تُقدِم إيران على تنازل بشأن دعمها للحوثيين في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة احتمال مهم له سابقة تاريخية.

السبب الآخر لتحفّظ الحوثيين عن الانضمام الكامل إلى المعركة إلى جانب محور المقاومة تمثل في ضبط النفس الذي أبدته السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. على الرغم من استهدافها بنحو ثلث الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، فقد أحجمت عن المشاركة عسكريًا، فهي تُدرك أن إسرائيل والولايات المتحدة تريدان جرّها إلى مواجهة مع إيران تُنهك الطرفين، بما يسمح لإسرائيل بأن تبرز قوةً إقليميةً مهيمنة وتُواصل المضيّ في مشروعها الخاص بـ«إسرائيل الكبرى». إذا انخرط الحوثيون بجدية في الصراع، فإن دورهم الأرجح سيتمثّل في تعطيل الملاحة في البحر الأحمر وإغلاق المنفذ البحري الوحيد المتبقي لمجلس التعاون الخليجي – وهو ما سيُسهم في الخطة الأمريكية – الإسرائيلية الرامية إلى جرّ دول الخليج إلى الحرب. من شأن ذلك أن يُنهي أي فرصة مستقبلية لاتفاق مع السعودية، وأن يجعل الحلّ العسكري الخيارَ الوحيد للتعامل مع الحوثيين، وهو ما أبدت كلٌّ من الولايات المتحدة وإسرائيل تفضيلهما له بالفعل.

يُدرك الحوثيون أن بقاءهم على المدى البعيد رهين إعادة اندماجهم في محيطهم العربي، وأفاد عدد من المراقبين للشأن اليمني بأن الجماعة طمأنت المسؤولين السعوديين بأنها لن تشارك في الحرب بصورة مؤثرة ما لم يُصبح التهديد لمحور المقاومة وجوديًا.

في الأيام الأولى من الحرب، ركّزت وسائل الإعلام الحوثية على ضرورة التوصل إلى اتفاق مع السعودية، مقرنةً الدعوات إلى الاتفاق بتهديدات صريحة لتعزيز موقفها التفاوضي. عكس ذلك قلقها من أن هزيمة إيرانية ساحقة قد تُجرّئ خصومها اليمنيين في الجنوب – المدعومين بالكامل اليوم من المملكة – على مواجهتها عسكريًا. مع أن مثل هذه النتيجة لن تخدم المصالح الأساسية لليمن أو السعودية – أي استعادة الاستقرار في اليمن وإعادة بناء العلاقة الخاصة بين البلدين – فهي مبعث قلق منطقي من وجهة نظر الحوثيين.

أبقت السعودية باب السلام مواربًا بحكمة في هذه اللحظة الحرجة، غير أنه من الواضح أن الاتفاق الذي اقترحه الحوثيون عام 2023، والذي كان سيُكرّس سيطرة الحوثيين على شمال اليمن، لم يعد قابلًا للتطبيق؛ فالرياض تُدرك الآن المخاطر التي تفرضها مغامرات الحوثيين والتزامهم الأيديولوجي بالسيطرة على مكة. استشرافًا للمستقبل، من المرجّح أن يواصل الحوثيون المشاركة في بعض العمليات ضد إسرائيل في المرحلة المقبلة، دون اتخاذ إجراءات مؤثّرة لإغلاق الملاحة التجارية في البحر الأحمر، فمثل هذا الإجراء سيُجهض أي فرصة للمشاركة في تسوية سلمية للنزاع في اليمن، وقد يُخاطر بإطالته، بل وقد يقود في نهاية المطاف – وذلك هو الأسوأ – إلى تفكك الدولة اليمنية. في المرحلة المقبلة، ستجد الجماعة نفسها أمام قرار يُحدّد مصيرها – ومصير اليمن بأسره.


يأتي هذا التعليق ضمن سلسلة منشورات يُنتجها مركز صنعاء بتمويل من وزارة الخارجية النرويجية في إطار برنامج «إعادة تصور السلام في اليمن في المشهد الإقليمي». تسعى السلسلة إلى تعزيز جهود بناء السلام في اليمن من خلال الدراسة الاستراتيجية للروابط الأمنية والاقتصادية لليمن مع منطقة الخليج والبحر الأحمر الأوسع.

الهوامش
  1. زعم قياديٌّ حوثي في بيروت، لبنان، في مقابلةٍ عام 2017، أن نحو 20 بالمئة من أعضاء الحركة الحوثية اعتنقوا التشيّع الاثنى عشري.
  2. مقابلة مع مسؤول أمريكي في مسقط، مارس 2023.
العودة للأعلى
مشاركة:
الكتاب
عبد الغني الإرياني هو باحث أول في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، حيث تتركز أبحاثه على عملية السلام وتحليل النزاع وتحولات الدولة اليمنية. يمتلك الإرياني خبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود كمستشار سياسي وتنموي.  قبل إنضمامه لمركز صنعاء، عمل الإرياني مع… اقرأ المزيد.
بلقيس اللهبي

مستشارة الجندر والمجتمع المدني

بلقيس اللهبي هي باحثة في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، تركز أبحاثها على التطورات السياسية والاجتماعية في اليمن، وتتمتع بلقيس بخبرة تزيد عن 15 عاماً في مجال الأبحاث والمجتمع المدني والتنمية وإدارة المشاريع. شغلت اللهبي منصب نائب رئيس ثم رئيس بالنيابة… اقرأ المزيد.

الإصدارات الأكثر قراءة

وجهات نظر وتحليلات 16 أبريل، 2020 15:14 دقيقة اليمن بعد هادي غريغوري دي جونسن، ماجد المذحجي، شيلا كارابيسو، إلينا ديلوجر، وعبدالغني الإرياني ترجمات 22 مايو، 2026 24:40 دقيقة الحوثيون ورهانات باب المندب وصوماليلاند واحتمالات التصعيد أحمد الديب افتتاحيات 19 أبريل، 2026 05:31 دقيقة حان الوقت لأن يتعامل الخليج مع اليمن كجزء من الحل هيئة تحرير مركز صنعاء أوراق بحثية وتقارير 13 مايو، 2024 33:56 دقيقة الأرض للأقوى: انتهاكات حقوق ملكية الأراضي والممتلكات في عدن غيداء الرشيدي تقارير اليمن 10 فبراير، 2026 عدد الأقسام 12 تقرير اليمن الفصلي: أكتوبر إلى ديسمبر 2025 أوراق بحثية وتقارير 31 يناير، 2022 94:13 دقيقة القبائل والدولة في اليمن ريم مجاهد أوراق بحثية وتقارير 8 فبراير، 2022 87:45 دقيقة تاريخ الأحزاب السياسية اليمنية: من الكفاح المسلح إلى القمع المسلح توفيق الجند أوراق بحثية وتقارير 28 مارس، 2023 22:12 دقيقة مهنة الأجداد المهددة بالاندثار: تربية النحل وإنتاج العسل تحت ظروف الحرب في اليمن د. عبد الله ناشر وفارع المسلمي