إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

التطورات العسكرية والأمنية

Read this in English Read this in English

الولايات المتحدة تنهي حملتها الجوية والحوثيون صامدون

شهد ربيع العام 2025، مرحلة جديدة من الاضطرابات في الصراع اليمني، حيث مرت المنطقة بواحدة من أكثر الفترات تقلباً وتناقضاً في السنوات الأخيرة، ففي الأشهر الماضية، أدت الحملة الجوية الأمريكية المكثفة، والغارات الجوية الإسرائيلية المتعددة، والشائعات عن هجوم بري ضد الحوثيين، والمواجهة العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران، إلى تعميق عدم الاستقرار في المنطقة، وتشجيع جماعة الحوثيين (أنصار الله) في سعيها إلى وضع نفسها في طليعة محور المقاومة، تحت لافتة الدفاع عن غزة ضد إسرائيل وحلفائها الغربيين.

في اليمن، شهد مطلع الربيع عملية “الراكب الخشن” الحملة العسكرية الأمريكية التي انطلقت في 15 مارس، واستمرت 52 يوماً، بهدف إضعاف قدرات الحوثيين وتأمين الملاحة البحرية، وبعد انطلاقها سرعان ما تجاوزت الجهود التي بذلها الرئيس السابق جو بايدن لإضعاف الحوثيين، لتصبح واحدة من أكثر عمليات القصف استمراراً وكثافة في اليمن منذ السنوات الأولى للتحالف الذي تقوده السعودية، حيث شنت القوات الأمريكية (بمساعدة مقاتلات بريطانية في إحدى الغارات) حوالي 300 هجمة (منطقة مستهدفة) في 13 محافظة[1]، استهدفت الحوثيين والبنية التحتية العسكرية، في أكثر من 1100 غارة جوية، وفقاً للتقارير.

على الرغم من الآمال المبكرة بنجاح الحملة والوعود بالقضاء على الحوثيين بالكامل، سرعان ما أصبحت فعالية العملية موضع شك، حيث قدر أحد متعاقدي الدفاع الأمريكيين أن واشنطن أنفقت ما لا يقل عن مليار دولار أمريكي في أول 30 يومًا فقط من العمليات، مما أثار تساؤلات حول الجدوى الاستراتيجية والمالية طويلة الأمد لعملية الراكب الخشن، وتعززت المخاوف المتزايدة بشأن الخسائر التي تتسبب بها الحملة بفقدان طائرتين مقاتلتين من طراز (إف/إيه-18 سوبر هورنت) تبلغ قيمة الواحدة منهما 67 مليون دولار أمريكي، من حاملة الطائرات يو إس إس هاري ترومان، نتيجة عطل في جهاز الهبوط في واحدة منهما، وسقوط الأخرى في البحر أثناء المناورة تحت نيران الحوثيين.

تعقد المشهد أكثر بفعل عدد الضحايا المدنيين المتزايد، حيث تشير تقديرات سلطات الحوثيين إلى مقتل أكثر من 200 مدني جراء الغارات الجوية التي استهدفت عدداً من المناطق المدنية والأحياء السكنية، وسرعان ما أثارت نسبة القتلى المدنيين المرتفعة التي قدّرها البعض بأنها تجاوزت إجمالي الخسائر البشرية خلال 23 عاماً من التدخل الأمريكي في اليمن، انتقادات من جماعات حقوق الإنسان. تضمنت الهجمات الأكثر إثارة للجدل قصف موقع أثري يُزعم أنه يعود إلى ما قبل الإسلام بتاريخ 9 أبريل، وتدمير ما يزعم أنه مصنع للسيراميك بتاريخ 13 أبريل (أفاد الحوثيون عن مقتل ستة أشخاص وإصابة 13 آخرين في هذا الهجوم)، وهجوم على حي سكني في الحديدة في اليوم نفسه (أفاد الحوثيون عن مقتل 13 شخصاً وإصابة 15 آخرين في هذا الهجوم).[2] في 28 أبريل، استهدفت غارة جوية أمريكية على الأرجح مركز احتجاز للمهاجرين في صعدة، مما أسفر عن مقتل 68 شخصاً وإصابة 48 آخرين على الأقل، وصرح مسؤولون أمريكيون حينها أنهم على علم بالحادث ووعدوا بالتحقيق في الأمر، لكنهم لم يقدموا أية معلومات إضافية.

تزايدت التكاليف العسكرية وارتفعت أعداد الضحايا وتزايدت معها الضغوط السياسية في واشنطن، وأثيرت الشكوك حول العائد الاستراتيجي للحملة العسكرية نتيجة إسقاط سبع طائرات مراقبة بدون طيار من طراز MQ-9 تابعة للولايات المتحدة فوق اليمن في غضون ستة أسابيع، واستمرار هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات بدون طيار على إسرائيل والأصول البحرية الأمريكية في البحر الأحمر. أواخر أبريل، طلب الرئيس ترامب تقييم الأضرار، وتقول التقارير إنه شعر بالإحباط من نتائج الحملة وجدولها الزمني. في الوقت الذي أكد مسؤولو البنتاغون أن الحملة ألحقت أضراراً محدودة بمخزونات أسلحة الحوثيين، أشارت تقارير استخباراتية إلى أن جماعة الحوثيين نقلت مخزونات كبيرة من الذخيرة إلى مواقع تحت الأرض وأنها قادرة على استعادة قدراتها التي خسرتها في غضون أشهر، وبالتالي من المرجح أن أي ضرر كبير على القدرات العسكرية للحوثيين يتطلب جهوداً مطولة وموارد كثيفة.

نتيجة لذلك، أعلن الرئيس ترامب رسمياً إنهاء الحملة في 6 مايو، قائلاً إن قيادات الحوثيين “استسلمت” وطلبت وقف الضربات، وفي الجانب الآخر صوّر الحوثيون وقف الهجمات كانتصار استراتيجي لهم، مؤكدين أن القوات الأمريكية “تراجعت“. إلا أن الوسطاء العمانيين أوضحوا في وقت لاحق أنهم قادوا وساطة توصلت إلى وقف لإطلاق النار بين الطرفين توقفا بموجبه عن استهداف بعضهما، وتعهد الحوثيون بوقف الهجمات على السفن التجارية والعسكرية الأمريكية، في حين قال مسؤولون أمريكيون لرويترز في وقت لاحق إن الحوثيين تواصلوا مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بحثاً عن اتفاق، وزعموا أن إيران يسرت المفاوضات، وأفادت مصادر لمركز صنعاء منتصف أبريل، أن الإدارة الأمريكية أرسلت شروطًا إلى الحوثيين عبر الوسطاء العمانيين.

ربما تأثر قرار إنهاء الحملة الجوية بزيارة الرئيس ترامب إلى الرياض في 13 مايو، حيث أفادت التقارير أن التوتر كان شديداً في الأيام التي سبقت الزيارة، حيث حذر الحوثيون من زيارة ترامب وهددوا بشكل غامض بأن الإجراءات الأمريكية في اليمن قد “تؤثر” على زيارته، وأفادت التقارير أن السعودية ضغطت على المسؤولين الأمريكيين لتجنب “اللعب بالنار” بضرب اليمن خلال الزيارة، وغادرت يو إس إس هاري ترومان منطقة عمليات القيادة المركزية الأمريكية في 17 مايو، منهيةً ثمانية أشهر من الانتشار في البحر الأحمر، ومؤكدةً أن الحملة الأمريكية قد انتهت بالفعل.

على الرغم من أن عملية الراكب الخشن كانت واحدة من أكثر الحملات العسكرية الأمريكية شدة في اليمن خلال قرابة عقد من الزمان، وأول عملية عسكرية أجنبية كبرى في ولاية ترامب الثانية، إلا أنها فشلت في توجيه ضربة قاضية لقدرات الحوثيين، فما يزال الجهاز العسكري للحوثيين سليماً إلى حد كبير، وواصلت الجماعة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة نحو إسرائيل. في مواجهة يكون فيها البقاء فقط صورة من صور النجاح، صُورت قدرة الحوثيين على تهديد السفن الحربية الأمريكية دون أن يتم القضاء عليهم كانتصار تكتيكي كبير. لم تثبت الحملة محدودية قدرات الحملات الجوية على إضعاف جماعة كالحوثيين فحسب، بل الأهم من ذلك أنها أبرزت قدرة الجماعة على استيعاب الخسائر وتكييف تكتيكاتها، وإعادة تموضع مخازن أسلحتها.

شائعات الهجوم البري ضد الحوثيين لم تتحقق

وسط تقارير مبكرة عن تدهور وضع الحوثيين في ظل الحملة الجوية التي تقودها الولايات المتحدة، تزايدت التكهنات حول احتمال شن هجوم بري واسع من قبل القوات الموالية للحكومة على مناطق سيطرة الحوثيين، وأشارت تقارير أولية إلى حشد ما يصل إلى 80 ألف جندي لهجوم محتمل نحو الحديدة، لاستعادة المدينة الساحلية الاستراتيجية وحتى شن هجوم جديد على صنعاء.

تضاءل زخم الهجوم المقترح بحلول منتصف أبريل، حيث لم يبد أي طرف استعداداً لقيادة العملية، وأوضحت القوات الحكومية أنها غير مستعدة للمضي قدماً دون دعم خارجي كبير، سواء من الولايات المتحدة أو السعودية أو الإمارات، ومن جانبها، لم تبد واشنطن أية رغبة في الانخراط بشكل أعمق، في حين حافظت الرياض على موقفها الغامض عمداً.

مطلع مايو، اتضح أن الحملة العسكرية أجلت بالكامل، وبالإضافة إلى المشاكل اللوجستية والانقسامات المتزايدة في المعسكر المناهض للحوثيين، برزت لدى الرعاة الخليجيين أسئلة حول المصير السياسي المستقبلي، بشأن من سيشكل النظام في اليمن إذا تم إخراج الحوثيين من صنعاء، وعقد الخلاف بين الرياض وأبو ظبي المشهد أكثر، خصوصاً حول توازن النفوذ بين حزب الإصلاح والمجلس الانتقالي الجنوبي والمقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح.

بشكل مماثل لما حدث في الحملة الجوية الأمريكية، عزز التخلي عن فكرة الهجوم البري الواسع على الحوثيين خطاب الجماعة عن التأييد الإلهي لها في مقاومة التهديدات الخارجية، ودأب الحوثيون على تصوير عمليات الانسحاب العسكري أو فشل خصومهم على أنه نصر إلهي مسنودا بالتفوق العسكري، وهو خطاب أساسي لمحاولة خلق شرعية سياسية ضمن عقيدتهم الطائفية.

تصاعد المواجهة بين الحوثيين وإسرائيل

في 4 مايو، أصاب صاروخ حوثي مطار بن غوريون الإسرائيلي، بعد أن تجاوز صاروخا اعتراضيا طويل المدى من طراز آرو، ونظام الدفاع الصاروخي ثاد، وكان واحداً من عدد قليل من الصواريخ التي تمكنت من تفادي الدفاعات الإسرائيلية منذ بدء الهجمات في نوفمبر 2023، إلى جانب عدد من الطائرات بدون طيار، وعلى الرغم من عدم إحداث الهجوم لأضرار كبيرة في البنية التحتية، إلا أنه أجبر المطار على الإغلاق لعدة ساعات وتسبب في تعليق عدة شركات طيران لرحلاتها مؤقتاً.

ردت إسرائيل على الهجوم بشن سلسلة من الضربات استهدفت البنية التحتية للحوثيين في الحديدة في 5 مايو، وشاركت أكثر من 20 طائرة إسرائيلية في الهجوم الذي استهدف ميناء الحديدة، ومصنع أسمنت بمديرية باجل القريبة شمال شرق مدينة الحديدة، وفي اليوم التالي، استهدفت جولة ثانية من الضربات مطار صنعاء الدولي والبنية التحتية للكهرباء التي يسيطر عليها الحوثيون بصنعاء، ومصنع أسمنت بمدينة عمران، وألحقت الضربات أضرارا كبيرة بالمطار حيث دمرت المدارج ومباني الركاب، بالإضافة إلى ثلاث طائرات تابعة لشركة طيران اليمنية، وقدر مدير المطار المعين من الحوثيين خالد الشايف، الأضرار بما لا يقل عن 500 مليون دولار أمريكي.

لم يثنِ الرد الإسرائيلي الحوثيين عن مواصلة هجماتهم، حيث زعمت الجماعة أنها استهدفت إسرائيل ست مرات في الأسبوع التالي، زفي 11 و14 مايو، أصدرت إسرائيل تحذيرات للمدنيين بإخلاء موانئ الحديدة ورأس عيسى والصليف “حتى إشعار آخر”، وجاء الرد في 16 مايو، عندما استهدفت الغارات الإسرائيلية من جديد البنية التحتية البحرية الرئيسية في موانئ الحديدة والصليف، وتضررت عدة رافعات متحركة في ميناء الحديدة، وأربع سفن كانت راسية وقت الهجمات، ودُمر رصيفان وإحدى صوامع الحبوب في الصليف. عقب الغارات الجوية، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس، أن إسرائيل ستقوم بمطاردة عبد الملك الحوثي، والقضاء عليه في أول إعلان صريح عن نيتها اغتيال القائد الحوثي الأكبر.

على الرغم من الأضرار الجسيمة التي لحقت بالموانئ والمطارات اليمنية، فقد واصل الحوثيون تصعيد خطابهم، حيث أعلنت قيادة مركز تنسيق العمليات الإنسانية التابع للحوثيين في 20 مايو، حصارًا جويًا وبحريًا على حيفا، في توسيع لتهديدها الرمزي السابق بفرض حصار جوي على إسرائيل، وحذر رئيس المجلس السياسي الأعلى للحوثيين مهدي المشاط، في وقت لاحق من أن الرحلات الجوية التجارية فوق إسرائيل ستكون أهدافًا مشروعة. يرجح أن هذه التهديدات والادعاءات بالإضافة إلى التلميحات بأن الجماعة تعمل على تطوير عدة صواريخ ذات رؤوس مدمرة موجهة (MIRV) لا أساس لها من الصحة.

في 28 مايو، دمرت القوات الإسرائيلية الطائرة المدنية الرابعة والأخيرة المتبقية في مطار صنعاء، وألحقت أربع غارات أضراراً بالمدرج، في اليوم الذي كان من المقرر أن تنقل رحلة طيران اليمنية المسافرين إلى المملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج السنوية، وأصدرت شركة الطيران بيانًا عقب الهجوم قالت فيه إنها علقت جميع رحلاتها من وإلى صنعاء حتى إشعار آخر، ووعدت رسائل إسرائيلية بعد الهجوم بتدمير الموانئ في المستقبل، ساخرة من خطاب الحوثيين وتهديدهم بفرض حصار بحري وجوي.

نفذت إسرائيل هذه الوعود في 10 يونيو، عندما شنت هجومًا ثالثًا على ميناء الحديدة، وكان هذا الهجوم الذي استخدمت فيه سفنا حربية من طراز ساعر أول هجوم بحري إسرائيلي خلال الصراع، وكالهجمات الأخرى، جاءت الغارات في رد مباشر على هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيرة على إسرائيل، واستهدفت أرصفة الشحن والبنية التحتية للميناء التي أعيد إصلاحها بعد هجمات مايو. على الرغم من التحذيرات الإسرائيلية بإخلاء الميناء قبل الهجوم، أفادت التقارير بإصابة خمسة من عمال الميناء، ومقتل سائق شاحنة في الهجوم.

على غرار الغارات الجوية الأمريكية في عهد الرئيس ترامب، أسفرت الهجمات الإسرائيلية المتكررة على الموانئ والمطارات التي يسيطر عليها الحوثيون عن نتائج متباينة، فمن ناحية نجحت الضربات في تدمير البنية التحتية الحيوية، لا سيما في مطار صنعاء والموانئ المختلفة التي يسيطر عليها الحوثيون، وأثرت هذه الخسائر بالفعل تأثيراً ملموساً على قدرة الحوثيين على استيراد المواد الغذائية وتهريب الأسلحة والوقود إلى الحديدة، لكنها تنطوي على تكلفة إنسانية باهظة. كما أدت الغارات إلى حصار فعلي على ملايين اليمنيين الذين يعيشون في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث كان مطار صنعاء هو حلقة الوصل الرئيسية المتبقية مع العالم الخارجي. ومع ذلك، فشلت سياسة الغارات الانتقامية الإسرائيلية في ردع الحوثيين، الذين يواصلون إصلاح البنية التحتية للموانئ ونقل الأسلحة والحفاظ على وتيرة ثابتة – وإن كانت أقل – من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة.

الحوثيون يقلصون هجماتهم في ظل الصراع بين إسرائيل وإيران

أضافت الضربات الجوية الإسرائيلية المباشرة على إيران، التي استهدفت كبار قادة الحرس الثوري الإسلامي والبنية التحتية النووية في 12 يونيو، بعداً جديداً إلى الوضع المتوتر بالفعل في اليمن. يُرجح أن اندلاع الصراع المفتوح بين إسرائيل وإيران وضع قيادة الحوثيين في موقف صعب، حيث يحاولون بصعوبة تحقيق التوازن بين طموحاتهم المتمثلة في لعب دور محوري في محور المقاومة، والحاجة إلى حماية المصالح المحلية والإقليمية ضد إسرائيل التي لا يمكن التنبؤ بتحركاتها، وكانت النتيجة موقفاً عسكرياً متحفظاً بشكل ملحوظ، حيث وعد عبد الملك الحوثي، بأن يكونوا “شركاء في الموقف بكل ما نستطيع“.

على هذا النحو، قام الحوثيون فورا بخفض عمليات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة المستمرة، ولم يشنوا سوى هجوم واحد على إسرائيل “بالتنسيق مع إيران” في 15 يونيو، طوال أسبوعين من الصراع، وجاءت ضربات الحوثيين بعد يوم من قصف طائرات إسرائيلية مدينة صنعاء، في محاولة لاغتيال رئيس أركان الحوثيين عبد الكريم الغماري، وأفاد صحفيون بصنعاء في وقت لاحق أن عدة مسؤولين عسكريين كبار، بينهم الغماري، أصيبوا في الهجوم، لكنهم لم يقتلوا.

حافظ الحوثيون على اتصال وثيق مع طهران طوال فترة الصراع تحسبًا لاحتمال تصعيد الموقف، حيث أفاد تقرير إعلامي في 20 يونيو، أن السفير الإيراني لدى الحوثيين علي محمد رضائي، وهو مسؤول في الحرس الثوري الإيراني، قد انتقل من صنعاء إلى الحديدة برفقة قادة في الحرس الثوري الإيراني يُزعم أنهم مكلفون بالإشراف على العمليات العسكرية المحتملة، وأفادت تقارير عن إعادة تمركز قاذفات الصواريخ والطائرات المسيرة في عدة مناطق سكنية بمحافظة الحديدة.

أياً كانت الخطط التي أعدها الحوثيون، فقد ثبت في النهاية أنها غير ضرورية، حيث أعلن الرئيس ترامب في 23 يونيو، عن وقف إطلاق نار هش بين إسرائيل وإيران، عقب ضربات أمريكية على منشآت نووية إيرانية قبلها بيومين، وجاء هذا الإعلان في وقت مناسب للحوثيين، كونه حررهم من تنفيذ تهديداتهم التي أطلقوها قبل يومين فقط باستئناف استهداف السفن البحرية الأمريكية إذا دخلت الولايات المتحدة في الصراع، وأدت التهدئة التي أعقبت ذلك إلى هدوء نسبي في اليمن، حيث امتنع الحوثيون عن شن المزيد من الهجمات في أعقابها مباشرة.

في 28 يونيو، أفادت تقارير بأن قيادات حوثية كانت في بغداد، إلى جانب ممثلين عن حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله والميليشيات العراقية المدعومة من إيران، لحضور اجتماعات نظمها الحرس الثوري الإيراني من أجل “إعادة ضبط” شبكته الإقليمية، وكان الاجتماع على الأرجح فرصة مهمة للحوثيين لتأكيد دورهم ونفوذهم المتنامي داخل المحور، لا سيما في ضوء التدهور الكبير الذي طال الفصائل الفلسطينية وحزب الله اللبناني وإيران في فترة ما بعد الصراع.

أظهرت تصرفات الحوثيين خلال “حرب الاثني عشر يوما” أن الجماعة تواصل الظهور كشريك ملتزم لطهران، لكن دورها العملياتي محدود جغرافياً وتكتيكياً، لا سيما في شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر والممرات البحرية المحيطة بها، ولا تزال الجماعة غير قادرة حتى الآن على تشكيل أي تهديد تكتيكي خطير للأصول الإسرائيلية بخلاف الشحن التجاري، مما يعني أنه من غير المرجح أن تغير قدراتها التوازن الاستراتيجي لصالح طهران في المواجهات المستقبلية رغم أنها قدرات مهدِدة.

ارتياب في صنعاء

استمر الحوثيون بتعليق هجماتهم في الأسابيع التي أعقبت الانفراج بين إيران وإسرائيل مباشرة، ووجهوا تركيزهم بدلاً من ذلك على الأمن الداخلي، حيث ملأت العاصمة التي يسيطر عليها الحوثيون نفس المخاوف التي أدت إلى اعتقال المئات من عملاء الموساد المزعومين في إيران، وشنت جماعة الحوثيين على مدى أسابيع حملة قمع في محاولة للقضاء على التهديدات المحتملة وقمع ما تصفها بـ “الخيانة الداخلية“.

أفادت مصادر محلية مركز صنعاء، أن الجماعة منعت الموظفين غير اليمنيين في المنظمات غير الحكومية الدولية من مغادرة مساكنهم أو الاجتماع في الأماكن العامة، ومنعتهم من التواصل مع الشخصيات السياسية والمسؤولين العسكريين. في نفس الوقت، حظرت وزارة الداخلية التابعة للحوثيين مضغ القات في شوارع مدينة صنعاء بعد الساعة الواحدة صباحاً، في خطوة يُعتقد أنها تهدف إلى الحد من الأنشطة الليلية كذريعة لتتبع تحركات المدنيين.

رغم ذلك، سرعان ما تبددت أية آمال في أن يمتنع الحوثيون عن شن مزيد من الهجمات على إسرائيل، عندما أطلقت الجماعة صاروخًا باليستياً نحو مدينة بئر السبع الإسرائيلية في 28 يونيو، أسقطته الدفاعات الإسرائيلية، وأعقب ذلك هجوم آخر استهدف مطار بن غوريون في 1 يوليو، وأدعى الحوثيون شن عدة هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ في الأيام السابقة دون تقديم تفاصيل. بشكل مماثل لعمليات الإطلاق الأخرى، أثارت الهجمات تهديدات فورية من وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي حذر من أن “قانون اليمن هو نفسه قانون طهران”، وتطابقت تصريحاته مع تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الذي غرد على موقع إكس قائلاً “ربما يجب على قاذفات بي تو زيارة اليمن” في إشارة إلى الضربات الجوية الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية.

أدى تجدد الهجمات الحوثية على السفن التجارية إلى غرق سفينتين في 6 و7 يوليو، وربما أعادت هذه الهجمات الوضع إلى نقطة الصفر كونها كانت الأكثر جرأة حتى الآن، وأدت إلى مقتل خمسة من أعضاء طاقم السفن وفقدان 11 آخرين، وتُعد إشارة إلى عودة متعمدة لتعطيل الملاحة البحرية بعد سبعة أشهر من الهدوء. ما يزال من غير الواضح كيف سترد الولايات المتحدة على هذه الهجمات. كانت الحملة الجوية الأمريكية ضد الحوثيين قد انتهت في مايو بتفاهم قضى بامتناع الحوثيين عن استهداف السفن التجارية المرتبطة بالولايات المتحدة، وفقاً للشروط التي كشف عنها مركز صنعاء، لكن الاتفاق لم يذكر شيئاً عن هجمات الحوثيين المرتبطة بإسرائيل، هذا الغموض يخلق تساؤلا حول ما إذا كانت واشنطن ستتسامح مع تجدد التهديد البحري الحوثي، وما إذا كانت الهجمات المتجددة ستؤدي إلى دورة أخرى من العمليات العسكرية المستمرة بقيادة الولايات المتحدة أو إسرائيل.

بغض النظر عن ذلك، يبدو أن الحوثيين يجربون حدود الردع الأمريكي والإسرائيلي، ليس فقط بإرسال رسالة مهمة إلى نتنياهو وترامب أثناء زيارة الأخير إلى واشنطن، بل أيضاً بالمراهنة على أن تصعيداً محسوباً في البحر سيعزز مكانتهم الإقليمية دون إثارة رد انتقامي ساحق.

تطورات أخرى

17 أبريل: أفادت صحيفة فاينانشال تايمز أن شركة صينية على صلة بالجيش الصيني، تزود الحوثيين بصور أقمار صناعية لمساعدتهم في استهداف سفن البحرية الأمريكية والسفن التجارية، وقال مسؤولون أمريكيون إنهم أثاروا هذه المسألة في محادثات خاصة مع الحكومة الصينية، لكنها تجاهلت ذلك. كانت الصين قد دعت الحوثيين في وقت سابق إلى وقف هجماتهم على السفن في البحر الأحمر.

22 مايو: مقتل وجرح أكثر من 60 مدنياً، وتدمير عشرات المنازل في انفجار بمستودع أسلحة للحوثيين بالقرب من المطار شرقي صنعاء، وأفادت التقارير أن الموقع، الذي بُني سراً بالقرب من منطقة سكنية، كان يحتوي على صواريخ دفاع جوي ومتفجرات أخرى، بما في ذلك مادة C4 ونترات البوتاسيوم، وزعم مسؤولون حكوميون أن الانفجار نجم عن فشل إطلاق صاروخ للحوثيين، لكن بعض وسائل الإعلام عارضت هذا الادعاء، وشنت قوات الحوثيين عقب الحادث حملة قمع ضد المدنيين الذين صوروا ونشروا لقطات للانفجار أو آثاره أو للضحايا في المستشفيات المحلية.

23 مايو: عُقدت الجولة الخامسة من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في روما، وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ووزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، ورئيس مجلس الوزراء القطري ووزير الخارجية محمد آل ثاني، قد أجروا محادثات قبل أيام بطهران، في 18 مايو، وعلقت المحادثات لاحقًا إلى أجل غير مسمى بعد الغارات الجوية الأمريكية في يونيو.

2 يونيو: دخلت السفينة توليب بي زي (Tulip BZ) التي ترفع علم جزر القمر وتملكها شركة زاس للتجارة ومقرها لبنان، ميناء رأس عيسى في الحديدة بعد مغادرتها ميناء الدقم في عمان وفقًا لمصادر محلية، وكان مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية قد فرض عقوبات على السفينة في شهر أبريل، بتهمة نقل منتجات نفطية إلى الميناء نيابة عن إيران.

6 يونيو: داهمت السلطات الحوثية مكاتب منظمة إنقاذ الطفولة في صنعاء وعمران وحجة وصعدة والحديدة وإب، وصادرت ما يقدر بنحو 4 ملايين دولار من الإمدادات. كانت منظمة إنقاذ الطفولة قد قررت في وقت سابق تعليق عملياتها في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، بسبب تزايد عدم الاستقرار الأمني وزيادة القيود المفروضة على عملياتها مما أدى إلى إنهاء عقود حوالي 400 من موظفيها.

12 يونيو: اعتقلت السلطات الحوثية 54 شخصًا في مناطق مختلفة من صنعاء، خلال مداهمات استهدفت مستخدمي انترنت ستارلنك، وكانت السلطات الحوثية قد جرمت استخدام أجهزة ستارلنك وطالبت السكان بتسليم أجهزتهم لها، وذلك خوفاً من استخدامها في التجسس، وصادرت سلطات الحوثيين العشرات من أجهزة ستارلنك وفرضت غرامات على المخالفين.

16 يونيو: منعت قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي متمركزة في نقطة العلم بالقرب من الحدود بين محافظات أبين ولحج وعدن، متظاهرين من أبين من دخول عدن للاحتجاج على اختفاء المقدم الموالي للحكومة علي عشال الجعدني. وكانت المطالبات بالعدالة للجعدني الذي يُزعم أنه اختُطف على يد قوات أمنية تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي عام 2024، قد تجددت بعد وفاة ناشط جنوبي عقب إطلاق سراحه من مركز احتجاز يديره المجلس الانتقالي الجنوبي.

29 يونيو: أصدر وكيل محافظة حضرموت ورئيس حلف قبائل حضرموت عمرو بن حبريش، أمراً بتعيين قادة لقوات حماية حضرموت، التي أعلن عن تشكيلها في ديسمبر.

الجبهات

الهوامش
  1. استنادًا إلى تقارير محلية ووسائل إعلامية تابعة للحوثيين ووسائل إعلامية تابعة للحكومة وتقارير إعلامية دولية.
  2. تجدر الإشارة إلى أن الحوثيين لهم تاريخ طويل في تحويل الأماكن المدنية، ولا سيما المصانع والورش، إلى منشآت عسكرية، غالبًا ما تستخدم لإنتاج الأسلحة وتخزينها.