إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

افتتاحية مركز صنعاء

استولت جماعة الحوثيين المسلحة (أنصار الله)، على صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014، ولم يتوقع أحد حينها أن العاصمة اليمنية ستبقى بقبضتها بعد مرور ست سنوات. ولكن لو نظرنا إلى المستقبل – إلى السنوات الست المقبلة من اليوم – فإن مسارات الحرب الحالية وتداعياتها تنذر بأن الجماعة لن تزداد إلا قوة ورسوخًا في السلطة على رأس الدولة التي يعيدون تفصيلها على مقاسهم. هذا الاحتمال المتزايد لما قد يبدو عليه مستقبل البلاد يجب أن ينذر معظم اليمنيين والقادة الإقليميين والمجتمع الدولي على حد سواء.

يُعد الحوثيون مثالًا صارخًا على تحول المُضطهَدين إلى مُضطهِدين؛ إذ صعدوا على الساحة اليمنية من مجتمع مهمش داخل الطائفة الزيدية في محافظة صعدة شمالي اليمن، وخلال العقد الأول من القرن الحالي، شنت الحكومة المركزية، إبان حكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح، ستة حروب وحشية ضدهم. ولكن في نهاية المطاف، لم يُهزم المقاتلون الحوثيون، بل برزوا على المشهد كمتمرسين في القتال، بينما ترك الموت والسجن والتعذيب في الكثير منهم ندوبًا غائرة، وساعد في ترسيخ أيديولوجية متشددة.

وبعد أن ألهم الربيع العربي الثورة اليمنية عام 2011، أُطيح بصالح في 2012، وخلَفه نائبه عبدربه منصور هادي في الحكم، ولكن سرعان ما أفسد هادي النوايا الحسنة التي واكبت صعوده إلى الرئاسة نتيجة سوء الإدارة والفساد، وتمكن القادة الحوثيون من صقل مظهرهم الخادع كمظلة شعبوية للدخول إلى العاصمة صنعاء.

وبقرار أخرق رفع هادي دعم الحكومة عن الوقود؛ ما تسبب بارتفاع الأسعار، ليعد الحوثيون بإعادة دعم الوقود ومكافحة الفساد، وأكسبهم ذلك قدرًا من الترحيب عندما سيطروا على العاصمة صنعاء، وخلال هذه المرحلة كانوا قد تحالفوا مع صالح، وأمنّوا بذلك غطاءً شعبيًا إضافيًا للانقلاب لاحقًا على هادي والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. 

زرع الحوثيون الخوف في ساحة المعركة عندما شنوا مع قوات صالح حملة عسكرية في الجنوب نحو عدن، ودفع هذا الضغط العسكري بالرياض وأبوظبي لأخذ القرار بالتدخل في الحرب. ولكن بعيدًا عن خطوط المواجهة، اعتمد الحوثيون بشكل كبير على صالح وحزبه، حزب المؤتمر الشعبي العام، لتولي الشؤون الدبلوماسية والسياسية والبيروقراطية للدولة، وهي مجالات باتوا فيها الآن خبراء، في تعبير واضح للميزات المدهشة في صعودهم إلى السلطة. 

وبحلول أواخر 2017، حين قتل الحوثيون صالح، كانوا قد تعلموا كيفية استخدام أدوات الدولة وإدارة الموارد المالية والاقتصاد لتعزيز هيمنتهم المحلية أكثر وأكثر، ما سمح لهم بفرض وترسيخ سلطة مطلقة على معظم شمال اليمن.

جاء اتفاق ستوكهولم أواخر 2018 ليغيّر مسار الحرب، بعد أن أوقف هجوم القوات اليمنية المدعومة من الإمارات على مدينة الحديدة الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وكان الحوثيون متحصنون للغاية داخل المدينة؛ ما هدد بإطالة أمد المعركة في مينائها، الذي يُعد أكثر موانئ اليمن ازدحامًا، وبالتالي تعريض ملايين اليمنيين لخطر المجاعة، لتضطر القوى الغربية إلى التدخل ووقف الهجوم. 

عقب ذلك، أعادت أبوظبي النظر في خططها، وفي نهاية المطاف سحبت معظم قواتها من اليمن في العام التالي. ووقتها، كان الحوثيون قد أتقنوا تكتيك إحباط وإعاقة الأمم المتحدة في تنفيذ خطة إعادة انتشار القوات بعيدًا عن مدينة وميناء الحديدة، كما نص اتفاق ستوكهولم، ملقنين بذلك دروسًا في كيفية التلاعب بالمجتمع الدولي. 

وهكذا، لم يحافظ الحوثيون على الحديدة تحت سيطرتهم وحسب، بل أصبحوا أيضًا تحت حماية الأمم المتحدة من أي هجوم مستقبلي، وسمح لهم ذلك باستعادة زمام المبادرة العسكرية تدريجيًا وشن هجمات أخرى، بعد أن خسر التحالف بقيادة السعودية والإمارات تلك الميزة العسكرية.

عام 2019، استعرض الحوثيون -بدعم من إيران -براعتهم المتزايدة في مجال التكنولوجيا عبر تصعيد استخدام الطائرات المسيّرة المفخخة والصواريخ الموجهة بدقة، ليستهدفوا مواقع في اليمن والسعودية. ومن المحتمل أن نطاق أسلحتهم قد يتجاوز حدود البلدين. 

نجح تصوير الحوثيين لأنفسهم على أنهم تهديد إقليمي في إكساب قادتهم نفوذًا دوليًا، وهذه هي العدسة التي يمكن من خلالها فهم السبب وراء تجاهلهم الكارثة البيئية المحتملة في البحر الأحمر، واستمرارهم منع فرق الأمم المتحدة من إجراء تقييم فني لناقلة النفط SAFER المتهالكة الراسية قبالة سواحل الحديدة. كما أن تهديد الحوثيين المتكرر والهجمات التي يشنونها على ممرات الشحن الدولي عبر البحر الأحمر، أحد أكثر ممرات الشحن ازدحاماً في العالم، تهدف لخدمة هدف الجماعة؛ بإظهار ضعف المجتمع الدولي أمامها.

ومع ذلك، يفكك الحوثيون الهياكل الجمهورية القائمة في اليمن بشكل تدريجي، ويعيدون تشكيل الحكم والمجتمع. ولطالما اتهم معارضو الحوثيين الجماعة بمحاولة إعادة الإمامة الزيدية أو محاكاة النموذج الإيراني، وبالرغم من الملامح التي تثبت صحة الاتهامات، فإن الجماعة، عمليًا، تعمل على اتقان نهج أشنع من النموذجين في القمع الاجتماعي.

عينت سلطات الحوثيين مراقبين ومشرفين في جميع الوزارات والإدارات الحكومية، مؤسسة بذلك شبكة قيادة وتحكم موازية للنظام المؤسسي التقليدي، لتحل محل الدولة وتضعفها. 

وفي إهانة مباشرة لمفهوم المساواة بين المواطنين، سعى الحوثيون إلى مأسسة النخبة الطائفية ونظام الطبقات الاجتماعية عبر فرض ضريبة الخُمس على غير الهاشميين في وقت سابق من هذا العام، ويبدو أن الخصخصة الناجحة للمدارس العامة من خلال فرض رسوم مدرسية جديدة، وإعادة صياغة المناهج الدراسية لتعكس عقيدة الحوثيين المذهبية، تهدف إلى تعزيز ثقافة الجهل وتربية الجيل القادم كجنود في الخطوط الأمامية للمعارك، وليس لتخريج المثقفين والمفكرين.

يتبنى الحوثيون خطابًا دينيًا، غير أن كوادرهم يلجأون إلى أعمال إجرامية شنيعة شبيهة بممارسات المافيا، مثل الابتزاز والترهيب والاستقطاب والفساد. كما أن افتعال أزمات نقص الوقود في المناطق التي يسيطرون عليها -والتي يعزوها الحوثيون علنًا إلى قيود الاستيراد التي يفرضها التحالف بقيادة السعودية -لجني الإيرادات من السوق المحلية عبر بيع الوقود في السوق السوداء، يعد مثالًا واضحًا في ابتزاز الحوثيين على نطاق واسع، بالإضافة إلى نهبهم المنظم لجهود الإغاثة الدولية.

في بداية اندلاع الحرب، أعرب بعض المراقبين عن اعتقادهم بأن اليمنيين الذين يعيشون تحت سلطة الحوثيين سينتفضون ضدهم بمجرد أن تتضح طبيعتهم، ولكن عدم تسامح الحوثيين المطلق مع كافة أشكال المعارضة في المناطق الخاضعة لسيطرتهم -حيث تقمع قوات الحوثيين الاحتجاجات بوحشية وتعتقل وتعذب النشطاء والصحفيين وتضطهد الأقليات -وحرمان الناس بشكل روتيني من الحصول على الوظائف والمساعدات والضروريات الأساسية، فضلًا عن تقويض شبكات المخبرين الحوثيين للزخم الاجتماعي ضد الجماعة عبر اتباع أساليب الترهيب، نجح كل ذلك في نشر الخوف، وبالتالي إجبار المجتمع على طاعتهم. 

كما تمكن الحوثيون عبر الوقت من استمالة الكثير من النخب الاقتصادية التقليدية إلى صفهم، عبر مزيج من الإكراه وضمان الوصول المستمر إلى أكبر أسواق اليمن في الشمال.

قد يتغير الكثير في السنوات المقبلة، ولكن حين نجح الحوثيون في التكيف والتطور والتقدم منذ عام 2014، تفتت خصومهم اليمنيون وأمسوا ضعفاء للغاية، أما التدخل العسكري “الإقليمي” ضد الحوثيين فتقلّص ليشمل بشكل أساسي السعودية، التي تبذل بدورها جهدًا مستميتًا لتخرج من الصراع بطريقة تحفظ ماء الوجه.

وبالتالي، عند النظر إلى السنوات الست المقبلة، وكيفية الحد من طموحات جماعة الحوثيين في إقامة دولة، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن الخيار العسكري الذي اُستخدم ضدها خلال السنوات السابقة أعطى نتائج عكسية، إذ أصبحت الجماعة قوة قتالية أكثر تماسكًا وقدرة وصمودًا. 

يجب أن يكون ذلك إشارة واضحة على أن الوقت قد حان لتبديل المسارات والعمل بكد، وتسخير كل الموارد نحو الجهود الدبلوماسية مهما اقتضى ذلك من وقت وموارد، وبنفس الزخم الذي وُظف فيه كل ذلك لشن الحرب.

 


ظهرت هذه الافتتاحية في التقرير الشهري معركة مأرب” تقرير اليمن، سبتمبر/أيلول 2020.

 

افتتاحيات مركز صنعاء السابقة:

 

 


مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية هو مركز أبحاث مستقل يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.

مشاركة