جدول المحتويات
علم إيراني يرفرف خلف يمنيين يشاركون في تظاهرة نظمها الحوثيون لدعم إيران وضد إسرائيل والولايات المتحدة، في ميدان السبعين بمدينة صنعاء، 20 يونيو 2025. // الصورة لمركز صنعاء

كيف أصبح الحوثيون بهذه الخطورة؟

تكشف الهجمات الأخيرة على مطار الرياض عن جانب أساسي من التهديد الحوثي: القدرة على فرض كلفة تفوق بكثير أثر الهجوم نفسه وتستمر بعد انتهائه؛ فإصلاح الأضرار وتحسين الدفاعات لا يكفيان لاستعادة حركة الطيران. تعيد شركات الطيران والمسافرون والمستثمرون تقييم المخاطر المرتبطة بالسعودية، لكن المطار سيستعيد جاهزيته التشغيلية قبل وقت طويل من استعادة الناس ثقتهم بأمانه. هذه الفجوة في الثقة تمنح الحوثيين ورقة ضغط تتجاوز الأضرار المحتملة لضربات أخرى، وتطرح سؤالا جوهريا: كيف بنى الحوثيون هذه القدرة خلال فترة طويلة من التهدئة مع الرياض، كان الهدف منها تقليص خطرهم؟

منطق خاطئ للاحتواء

تكمن المشكلة جزئيا في طريقة تقييم نجاح جهود الاحتواء الأممية والسعودية، فبعد وقف إطلاق النار المدعوم من الأمم المتحدة عام 2022، عُدّ تراجع الهجمات وانخفاض حدة القتال على الجبهات، إلى جانب استمرار المفاوضات، مؤشرات على النجاح، لكن سؤالا أهم أُهمل: هل كانت قدرة الحوثيين على العودة إلى الحرب تتراجع أم تتزايد؟ إذا خُفف الضغط على طرف محارب دون الحد من مصادر قوته بالقدر نفسه، فقد تتيح له فترة الهدوء الاستعداد عسكريا لجولة أخرى من الحرب بشروط أفضل. هكذا، يمكن للتهدئة أن توقف الهجمات في المدى القريب، لكنها تهيئ عوامل التصعيد لاحقا.

كانت لدى السعودية أسبابها للسعي إلى إنهاء انخراطها في حرب اليمن، وأبرزها حماية مشروعها الاقتصادي، لكن الرهان على إمكان تأمين المملكة بمعزل عن توازن القوى داخل اليمن تضمن مخاطرة كبيرة؛ فكلما ضعف شركاؤها اليمنيون على الأرض، شعرت الرياض بضغط أكبر للتوصل إلى تفاهم مع الجماعة، حيث يرتفع ثمن ذلك التفاهم كلما امتلك الحوثيون زمام المبادرة، وأصبحوا يحددون استمرار الهدوء أو إنهاءه. نشأت بذلك دائرة يضعف فيها حلفاء السعودية، وتزداد قوة الحوثيين التفاوضية، ويصبح احتواء الجماعة أكثر كلفة مع مرور الوقت.

صبّ البطء الشديد في إدارة السعودية للصراع بالكامل في مصلحة الحوثيين؛ فقد أتاح لهم الوقت لفهم كيفية استجابة الرياض، ومدى قدرتها على تحمل التصعيد، وحدود التنسيق بين حلفائها اليمنيين، واعتماد السعودية على شركائها المحليين محدودي القدرة، سهّل على الحوثيين توقع ردود خصومهم، وهو ما يفسر جانبا من جرأة الجماعة، فقد علمتهم التجربة أن رفع الكلفة سيدفع الأطراف الأخرى إلى التفاوض.

سنوات التهدئة منذ أبريل 2022، منحت الحوثيين فرصة حاسمة لتحويل هذه المعرفة إلى استعداد عسكري، وأتاحت العلاقات الاقتصادية غير المعلنة وشبكات التجارة المتوسعة للجماعة فرصة للالتفاف على العقوبات الدولية والقيود المرتبطة بتصنيفها من قبل واشنطن كمنظمة إرهابية، حيث استمرت شبكات الإمداد والتهريب التابعة للجماعة في إيجاد مسارات قابلة للاستخدام. وخُففت القيود على أنشطة الحوثيين دون اتخاذ إجراءات موازية تمنع الجماعة من الحصول على الأسلحة أو المكونات العسكرية أو المواد الخام. أشارت عمليات ضبط الشحنات الحوثية من حين إلى آخر إلى تنوع مسارات الإمداد وتنامي القدرة على تصنيع الأسلحة محليا، لكن لم يُبذل سوى القليل لكبح هذا النمو.

الدعم الإيراني والتمسك الأيديولوجي

كان الدعم والتنسيق الإيرانيان عاملين أساسيين في تسهيل وصول الجماعة إلى الموارد. لا يقتصر هذا الدعم على إرسال الأسلحة، بل يشمل التدريب اللازم لتشغيلها وصيانتها وتعظيم فاعليتها وتصنيعها محليا، وحين تترسخ هذه الخبرة في عمل الجماعة، يصبح إضعافها بصورة دائمة بالغارات الجوية أقل احتمالا، فقد أصبحت قادرة على تعويض الذخائر التي فقدتها أو استهلكتها، وتعديل أدائها، والتعلم من أخطائها. لذلك، لا يكفي عدد مخازن الأسلحة الحوثية المدمرة لقياس النجاح العسكري؛ الأهم هو قدرة الجماعة على إعادة بناء قوتها واستئناف الهجمات.

قد تساعد أيديولوجيا الحوثيين أيضا في تفسير محدودية أثر التنازلات الدبلوماسية في تغيير سلوك الجماعة، فهم يرون في القوة أساسا لإرساء حقهم في الحكم، وفي المواجهة وسيلة لتحسين مكانتهم السياسية، واحتمال توظيفهم التنازلات الاقتصادية لتمويل جهود توسيع نفوذهم وقوتهم العسكرية يماثل احتمال استخدامها لتحقيق منافع مادية أو تخفيف المعاناة الإنسانية. إن علاقة الجماعة المستمرة بإيران تربط حساباتهم بمصالح تتجاوز اليمن، ويتيح نشاط الحوثيين لـالصين وروسيا وأطراف أخرى فرصا لتقويض التحالفات الغربية. بوجه عام، قد لا تعكس مطالب الحوثيين في المفاوضات خطواتهم المقبلة، ولا تعني رغبتهم في التفاوض أنهم يقبلون الحدود نفسها التي يتصورها خصومهم.

بناء على ذلك، يستطيع الحوثيون تعزيز تفوقهم حتى دون تحقيق مزيد من التقدم في تسليحهم، فقد يكفي تكرار الهجمات بالمستوى الحالي لإطالة التعطيل وعرقلة التعافي وإبقاء خطر التصعيد مخيما على المنطقة. أجبرت حملة الجماعة ضد الملاحة التجارية الشركات على اتخاذ إجراءات احترازية والاستمرار فيها حتى بعد توقف الحوثيين عن شن الهجمات بوقت طويل. مجددا، هناك قلق مبرر من أن الحوثيين، حتى إن هدأ القتال، سيستخدمون التهديد بتجدد التعطيل ورقة ضغط كلما أرادوا تحقيق مطالبهم داخل اليمن أو ممارسة ضغط يخدم حلفاءهم الإقليميين.

لهذا الأمر أهمية إقليمية، إذ يستطيع الحوثيون توسيع نطاق هذا التهديد ليشمل مناطق أخرى من الخليج دون شن أي هجوم، فإذا سعى كل طرف إلى ضمانات منفردة لأمنه أو تجارته، أمكن للحوثيين استغلال التنافس الاقتصادي بين هذه الأطراف لإضعاف الموقف الخليجي المشترك. قد تحد التفاهمات الثنائية من العنف في المدى القصير، لكنها تترك للحوثيين فرصة تغيير شروطهم لاحقا. لذلك، يتوقف أمن الإمارات وقطر والكويت وعُمان على نتيجة هذه المواجهة مع الحوثيين، حتى إن اختلفت درجة تعرضها الراهن للتهديد.

فرض نظام إقليمي جديد

مع ذلك، لا تضمن قدرة الحوثيين على التعطيل قدرتهم على فرض الشروط، فقد تدفع الهجمات السعودية وحلفاءها إلى تعاون أوثق، وتزيد كلفة التصعيد بصورة كبيرة. يحتاج الحوثيون إلى الإمدادات والمساعدة للحفاظ على تهديدهم، فيما تضع المقاومة اليمنية في الميدان بعض القيود على توسع الجماعة وقدرتها على الاحتفاظ بمكاسبها، لكن استعادة الأراضي التي فُقدت مؤخرا لا تكفي لتغيير مسار الوضع على المدى الطويل. يتمثل المعياران الحقيقيان للنجاح في مدى استمرار قدرة الحوثيين على خوض الحرب، وقدرة خصومهم على منعها.

إذا اجتاز الحوثيون هذه الجولة الجديدة من القتال واحتفظوا بالأراضي التي سيطروا عليها وبقدرتهم على تهديد جيرانهم وتعطيل مصالحهم، فسيخرجون أكثر خطورة وثقة بقدرتهم، وسترى الجماعة في نجاتها دليلا على أن رفع مستوى التصعيد وسيلة فعالة لحماية مشروعها السياسي، وستضغط لانتزاع تنازلات أكبر في المواجهة المقبلة، لتخرج أكثر جرأة وأقدر على صياغة قواعد النظام الأمني في الجزيرة العربية والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما يجبر الدول على أخذ قوة الجماعة في الحسبان عند اتخاذ القرارات وبناء التحالفات وتطوير المشروعات الكبرى.

ستعيد نتيجة هذه الحرب تشكيل توازن القوى في المنطقة خلال العقد المقبل على الأقل، وإذا انتهى هذا الصراع بشروط الحوثيين، فقد نكون أمام نظام إقليمي جديد تقرر فيه الجماعة ما يُسمح للدول ذات السيادة بفعله، وما تُجبر على تقديمه من تنازلات.

العودة للأعلى
مشاركة:
الكتاب
ماجد المذحجي

مؤسس مشارك ورئيس المركز

ماجد المذحجي هو مؤسس مشارك ورئيس مركز صنعاء، شغل سابقًا منصب المدير التنفيذي منذ عام 2014 حتى 2022. نُشرت أبحاثه ومساهماته حول اليمن في منصات أكاديمية وإعلامية مختلفة، وهو معلّق دائم عن الشؤون اليمنية في وسائل الإعلام العربية.

الإصدارات الأكثر قراءة