قراصنة مجهولون يشنون هجوماً سيبرانياً. // مصدر الصورة: ألامي/دراغوش كوندريا

الابتزاز الإلكتروني في اليمن: سلاح رقمي يستغل هشاشة الدولة

أصبح الأمن السيبراني جزءاً لا يتجزأ من الأمن والاستقرار الوطني، إذ بات الفضاء الرقمي يشمل الاتصالات والإدارة والخدمات والبيانات الحيوية، ومع تزايد الاعتماد على الخدمات الرقمية، تتصاعد المخاطر المحتملة الناجمة عن الثغرات التقنية وغياب الحماية المؤسسية. في اليمن، تتقيّد قدرات الأمن السيبراني بمحدودية البنية التحتية التقنية وضعف الأطر المؤسسية الناظمة للوصول إلى البيانات؛ ومن يتحكم بقطاع الاتصالات يستطيع تنظيم تدفق المعلومات ومراقبة الأفراد وتوجيه الخطاب العام، فتتحول «البنية التحتية الرقمية» إلى أداة تحكم لا مجرد خدمة تقنية. هذا ما يجعل تطبيق الأمن السيبراني مسألة معقّدة، إذ تتقاطع فيها العوامل التقنية مع البنى المؤسسية والأعراف المجتمعية. في الوقت نفسه، يُعرّض غيابُ التشريعات وآليات التنفيذ والحمايات الرقمية كثيرين لخطر الاستغلال، ولا سيما النساء اليمنيات.

تكشف بيانات تقرير ديجيتال 2024 – اليمن، وهو تقرير سنوي يجمع البيانات الرقمية المتعلقة باستخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي حول العالم، وبيانات منصة إنترنت سوسايتي بَلْس، وهي منصة غير ربحية تجمع البيانات من مصادر موثوقة، عن محدودية البنية التحتية الرقمية في اليمن وضعف تطوّرها. قدّر تقرير «ديجيتال 2024» عدد مستخدمي الإنترنت بنحو 6.16 مليون، أي 17.7 بالمئة من إجمالي السكان، فيما بلغت الاشتراكات النشطة في شبكات الهاتف المحمول قرابة 20.83 مليون، أي ما يمثل 59.8 بالمئة. أما عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي فبلغ 3.6 مليون، أي 10.3 بالمئة من السكان. ولا تزال شبكات الهاتف المحمول الوسيلةَ الرئيسية للوصول إلى الإنترنت، فيما تستمر الفجوة الرقمية بين شرائح المجتمع اليمني، بما يعكس هشاشة البنية التحتية للاتصالات ومحدودية انتشار الخدمات الرقمية الحديثة. يتعامل المستخدمون مع الاتصال بالإنترنت بوصفه مورداً شحيحاً يستلزم إدارة دقيقة، إذ يرتبط استخدامه بالفترات التي تتوفر فيها الشبكة والكهرباء، ويعتمد معظمهم على هواتف أندرويد ذكية منخفضة التكلفة تشكّل غالبية الأجهزة الذكية في اليمن.

أفضى ضعف البنى المؤسسية في اليمن إلى نشوء مبادرات محلية، إذ تأسست شبكات صغيرة للدعم التقني في الأحياء والمحلات، تُجرى فيها أعمال الصيانة واستنساخ التطبيقات بصورة غير رسمية. بمرور الوقت، أنتجت هذه الأنشطة منظومةً اجتماعية–رقمية قائمة على الخبرة والمعرفة العملية، إلى جانب محاولات لتطوير خدمات الدفع الإلكتروني والمعاملات الرقمية البسيطة، غير أن هذه الممارسات تفتح الباب واسعاً أمام المخاطر السيبرانية، لأنها تُغلّب التكاليف المنخفضة على الأمن وتتيح الوصول إلى البيانات الشخصية التي يمكن استغلالها، بما في ذلك في الابتزاز الإلكتروني والاحتيال.

تشير بيانات «ديجيتال 2024» وتقرير خاص لوكالة رويترز إلى وجود فجوة رقمية بين الجنسين؛ إذ يشكّل الذكور اليمنيون الغالبية العظمى من مستخدمي الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، فيما لا تتجاوز نسبة النساء بين مستخدمي فيسبوك في البلاد 13 بالمئة. ويعكس هذا التفاوت جملةً من القيود الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية التي تحدّ من وصول النساء إلى التكنولوجيا؛ إذ يؤدي ارتفاع تكلفة الأجهزة والاتصال بالإنترنت، وغياب المهارات التقنية، والقيود الثقافية على استخدام الإنترنت، إلى تهميش رقمي تراكمي.

مع ذلك، تتزايد أعداد النساء ضحايا الجرائم الإلكترونية، فالثغرات الرقمية تُستغل لاستحداث واحد من أخطر أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي وأشدها تعقيداً، إذ يوظّف الجناة الأعراف المجتمعية لممارسة الابتزاز الإلكتروني والتحرش عبر الإنترنت، وتُستغل الصور والمعلومات الشخصية في ممارسات تهديدية تنال من السمعة والمكانة الاجتماعية. يُحمِّل المجتمع اليمني المرأةَ عبء «شرف العائلة»، فيتحول أي انتهاك للخصوصية، حتى وإن كان عرضياً أو ناجماً عن اختراق، إلى مصدر للعقاب الاجتماعي والعزل. ونتيجةً لذلك، كثيراً ما يكون التهديد بنشر الصور أو المحادثات الشخصية وسيلةً فعّالة لإسكات الضحايا، نظراً إلى الخوف العميق من الإضرار بالسمعة.

تزيد القيود الاجتماعية والتعليمية المشكلةَ تفاقماً، إذ تفتقر كثيرات من النساء اليمنيات إلى الوصول لأجهزة شخصية آمنة، وإلى المهارات الرقمية والتعليم العادل اللازم لاستخدامها بأمان. الفجوة هنا ليست تقنيةً فحسب؛ فالاعتماد على الوسطاء المحليين أو محلات الصيانة غير الرسمية، إلى جانب القيود المفروضة على حرية تنقّل النساء وقدرتهن على طلب المساعدة مباشرة، يزيد من تعرّضهن للاستغلال، ويحوّل انتهاكات الخصوصية إلى أدوات للضغط الاجتماعي والمالي.

من التحديات الأخرى ضعف الأمن السيبراني في اليمن؛ فالبلاد تفتقر إلى استراتيجية وطنية للأمن السيبراني، وإلى تشريعات لحماية البيانات الشخصية، وإلى قوانين لمكافحة الجرائم الإلكترونية. يُبقي هذا الفراغ التشريعي الأفرادَ والمؤسسات عرضةً لاختراقات البيانات وهجمات برامج الفدية وأنشطة المراقبة الرقمية، كما يُتيح ضعف منظومة العدالة وعجز القوانين القائمة عن مواكبة طبيعة الجرائم الرقمية للجناة الإفلاتَ من العقاب، مما يزيد الضحايا انكشافاً، ولا سيما النساء. كثيراً ما تُعالَج هذه القضايا من منظور حماية الشرف لا من منظور حماية الحقوق، فيُفلت الجناة من العقاب فيما تُعاقَب الضحايا بالوصمة وإلقاء اللوم، وفي ظل غياب أجهزة متخصصة بالأمن السيبراني أو مراكز للدعم التقني والقانوني، تبقى المرأة اليمنية مكشوفةً في فضاء رقمي مستباح يترسّخ فيه الابتزاز بوصفه أداة للقمع الاجتماعي والاقتصادي، وقد حوّل غيابُ الأطر القانونية للحوكمة وغيابُ جهة مؤسسية ترصد الانتهاكات وتلاحق الجناة الفضاءَ الرقمي في اليمن إلى ساحة مفتوحة للابتزاز والمراقبة، في ظل حكومة لا ترغب في حماية مواطنيها أو لا تقوى على ذلك.

في دولة تعصف بها النزاعات كاليمن، حيث يضعف الاستقرار السياسي وتضعف القدرات المؤسسية، قد تكون المقاربات البديلة ضرورية؛ فمن الممكن تعزيز الثقافة الرقمية لحماية المواطنين، بدعم من التعليم غير الرسمي والمبادرات المجتمعية ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، وفتح نقاشات عامة حول الخصوصية الرقمية والكرامة بوصفها حقوقاً قائمة بذاتها، ومع وجود انخراط كافٍ، يمكن كبح تطبيع العنف الرقمي حتى في غياب الأطر التشريعية، لكن إلى أن تُجري الحكومة إصلاحات جوهرية لتعزيز الأمن السيبراني، سيظل المجتمع اليمني وحيداً في مواجهة مخاطر رقمية متصاعدة، بأدوات قليلة لا تكفي للتصدي لها.


صدر هذا المنشور في إطار المرحلة الثانية من «منتدى سلام اليمن»، وهو مبادرة لمركز صنعاء تسعى إلى تمكين الجيل القادم من الشباب اليمني وناشطي المجتمع المدني للانخراط في القضايا الوطنية الجوهرية. يحظى المنتدى بتمويل من حكومة مملكة هولندا.

العودة للأعلى
مشاركة:
الكتاب
بشار العقاب هو رئيس ومؤسس مركز جدل للسلام، وطالب في تخصص الأمن السيبراني بالجامعة الأردنية. تنصبّ اهتمامات بشار على الأمن الرقمي والسلام والتعايش المجتمعي، ويملك خبرة واسعة في إشراك الشباب وإدارة المشاريع الثقافية وقيادة المبادرات المجتمعية، وتؤكد كتاباته وإسهاماته على… اقرأ المزيد.

الإصدارات الأكثر قراءة

وجهات نظر وتحليلات 16 أبريل، 2020 15:14 دقيقة اليمن بعد هادي غريغوري دي جونسن، ماجد المذحجي، شيلا كارابيسو، إلينا ديلوجر، وعبدالغني الإرياني ترجمات 22 مايو، 2026 24:40 دقيقة الحوثيون ورهانات باب المندب وصوماليلاند واحتمالات التصعيد أحمد الديب افتتاحيات 19 أبريل، 2026 05:31 دقيقة حان الوقت لأن يتعامل الخليج مع اليمن كجزء من الحل هيئة تحرير مركز صنعاء أوراق بحثية وتقارير 13 مايو، 2024 33:56 دقيقة الأرض للأقوى: انتهاكات حقوق ملكية الأراضي والممتلكات في عدن غيداء الرشيدي تقارير اليمن 10 فبراير، 2026 عدد الأقسام 12 تقرير اليمن الفصلي: أكتوبر إلى ديسمبر 2025 أوراق بحثية وتقارير 31 يناير، 2022 94:13 دقيقة القبائل والدولة في اليمن ريم مجاهد أوراق بحثية وتقارير 8 فبراير، 2022 87:45 دقيقة تاريخ الأحزاب السياسية اليمنية: من الكفاح المسلح إلى القمع المسلح توفيق الجند أوراق بحثية وتقارير 28 مارس، 2023 22:12 دقيقة مهنة الأجداد المهددة بالاندثار: تربية النحل وإنتاج العسل تحت ظروف الحرب في اليمن د. عبد الله ناشر وفارع المسلمي