جدول المحتويات
مسيرة تضامنية في مدينة تعز دعماً للمملكة العربية السعودية ودول الخليج في أعقاب الهجمات الإيرانية، 30 مارس 2026 // الصورة لمركز صنعاء، بعدسة أحمد الباشا

السعودية تمسك بزمام الأمور

للوهلة الأولى، بدا توغّل المجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل) في شرق اليمن مطلع ديسمبر نجاحاً مدوياً للمجلس المدعوم من الإمارات. ترافق التوغّل مع تصريحات احتفالية في الإعلام الجنوبي عن قرب إحياء دولة جنوبية، غير أن هذا التقدّم السريع نحو المناطق الداخلية الغنية بالنفط، والذي أزاح القوات الموالية للحكومة والقوى القبلية، سرعان ما انهار أمام الضغط السعودي والتعبئة المحلية، فقد أُخرجت القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي من حضرموت والمهرة مطلع يناير بفعل غارات جوية سعودية وقوات مدعومة من السعودية وقوى قبلية محلية، وأفادت تقارير بأن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي وعضو مجلس القيادة الرئاسي (حينها) عيدروس الزُبيدي، قد فرّ إلى الخارج — أولاً بحراً إلى أرض الصومال، ثم جواً إلى الإمارات، وقد اتهمته الحكومة منذ ذلك الحين بالخيانة العظمى.

رضخت أبوظبي سريعاً، بعد أن بدا لها أن رعايتها لبعض أكثر الجماعات المسلحة خبرةً وفاعلية في اليمن تمنحها اليد العليا، فتحت ضغط هائل من الرياض، غادر اليمنَ جميع الجنود الإماراتيين، وحُلّ المجلس الانتقالي الجنوبي، ويجري ضمّ القوى الأخرى المدعومة من الإمارات إلى المنظومة السعودية. من خلال إعادة هيكلة سياسية وعسكرية واسعة، تسعى الرياض حالياً إلى إعادة رسم موازين القوى في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، حيث باتت تتمتع بنفوذ لا يُنازَع فيه لأول مرة منذ اندلاع الحرب.

يبدو أن هجوم المجلس الانتقالي الجنوبي كان سوء تقدير فادح من قيادة الجماعة وداعميها الإماراتيين على حدّ سواء، وثمّة أسباب عدة ربما دفعتهم إلى إساءة قراءة حجم الردّ السعودي، في مقدّمتها التحفّظ السعودي الراسخ تجاه التحرّك السريع أو الحازم في اليمن، سواء خلال العمليات ضد الحوثيين أو في الجولات السابقة من القتال بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الحكومية، فبعد التدخل الأولي في اليمن عام 2015، تعاطت المملكة مع إدارة الحرب ببطء، يصاحبه تردد عام في تقديم الدعم المالي وفي إجراء التعيينات السياسية وفي تقديم المساعدات العسكرية.

بدا أن النشر السريع للقوة الجوية السعودية، التي ظلّت خاملة منذ 2022، أمرٌ مستبعد، كما أن سرعة تقدّم المجلس الانتقالي الجنوبي ألقت بظلال الشكّ على قدرات وولاءات القوات المحلية التي تدعمها الرياض، وفي مقدّمتها قوات درع الوطن وقوات الطوارئ اليمنية والقبائل الحضرمية المحلية. كما استخفّ المجلس الانتقالي الجنوبي والإمارات بحساسية الرياض تجاه المستجدات في محافظتي حضرموت والمهرة، اللتين تتعامل معهما المملكة بطريقة مغايرة لتعاطيها مع سائر مناطق اليمن، فإطلالة حضرموت المباشرة على البحر المفتوح تجعلها بؤرة للاهتمام السعودي لأسباب اقتصادية، من بينها مشروع خط أنابيب طُرح منذ زمن يلتفّ على مضيق هرمز، إلا أن الحدود المشتركة الشاسعة والروابط الاجتماعية التاريخية مع المحافظة كانت على الأرجح أكثر تأثيراً.

كثُر التركيز على توقيت هجوم المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي جاء عقب زيارة قام بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى واشنطن، وأفادت تقارير بأن السودان — وهو ساحة أخرى للتنافس السعودي–الإماراتي — كان مدرجاً على جدول الأعمال، وأن مسؤولين سعوديين طلبوا فرض عقوبات على قوات الدعم السريع المتمرّدة المدعومة من الإمارات، بل وربما على الإمارات نفسها. بناء عليه؛ ربما رأت أبوظبي في اليمن ساحةً للانتقام أو إعادة التوازن، استشعاراً منها بتراجع نفوذها في أماكن أخرى، كذلك كان اعتراف إسرائيل شبه المتزامن بأرض الصومال لافتاً للغاية، ومن مصر وتركيا إلى قطر وعُمان، ساد قلق كبير ممّا بدا أنه إعادة ترتيب سريعة ومنسّقة للنظام الإقليمي وتوسّع للنفوذ الإماراتي والإسرائيلي عبر جنوب البحر الأحمر. كسبت الإمارات بفضل تطبيعها مع إسرائيل أصدقاءً في واشنطن، إلا أن موقفها أدى لتراجع شعبيتها بشكل مستمر في المنطقة خلال الحرب على غزة، وما أفادت به التقارير من أن المجلس الانتقالي الجنوبي مدّ هو الآخر يد الود إلى إسرائيل، كان على الأرجح محاولةً منه لكسب الدعم الأمريكي، لكنه صوّر الجماعة كجزء من إعادة موازنة أوسع للقوى الإقليمية.

أخيراً، ربما تكون الإمارات قد بالغت ببساطة في تقدير القوة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي ونفوذه، فقد أثبت المجلس مراراً أنه الحركة الرائدة في التحالف المناهض للحوثيين، بمشروع سياسي متميّز وقدرات عسكرية معتبرة، وكان قد قاتل سابقاً القوات الموالية للحكومة بنجاح في عدن عام 2019 وفي شبوة عام 2022، لكن جاذبيته وقوته بقيت غير مختبرة إلى حدّ كبير خارج معاقله التقليدية، فقد ظلّ وادي حضرموت مساحة سياسية متنازعاً عليها بين جماعات محلية تسعى إلى مزيد من الحكم الذاتي، وقوات موالية للحكومة ذات صلات بحزب الإصلاح، ومنظمات قبلية محلية، لم يكن أيٌّ منها يتبنّى الإيديولوجية الانفصالية للمجلس الانتقالي، بينما كان التنظيم السياسي للانتقالي وحراكه في سيئون قد اكتسبا تأييداً محلياً، لكنهما واجها أيضاً مقاومة كبيرة.

في نهاية المطاف، لم تكن قدرات الانتقالي العسكرية ولا جاذبيته المحلية كافيةً، فحين انطلقت الغارات الجوية، لم تُوفّر تضاريس المحافظة غطاءً يُذكر، وأدّت أعمال النهب الواسعة في وادي حضرموت إلى تأليب السكان المحليين على جنود المجلس، وفور إخراجهم من سيئون على يد القوات القبلية والقوات المدعومة من السعودية، بدا أن الانتقالي قد فقد ثقة الإمارات، التي بدأت تُقلّص دعمها له، وتمّ إجلاء الجنود الإماراتيين القلائل المتبقّين في اليمن، تاركين ساحل حضرموت ومنشأة الغاز الطبيعي المسال في بلحاف وأرخبيل سقطرى.

نتيجة كل ذلك، أصبحت المملكة العربية السعودية الراعي الوحيد للتحالف المناهض للحوثيين في اليمن، وقد سعت إلى إعادة تنظيم الإدارة السياسية والأمنية في عموم الجنوب لتمكين القوات الموالية لها، واستيعاب الوكلاء الإماراتيين تحت جناحها، وتقليص الدعم للمجلس الانتقالي ومناصريه المتبقّين الذين لا يزالون يحتجّون على حلّ المجلس وعلى الحظر الحكومي لنشاطه السياسي (انظر: التطورات العسكرية والأمنية).

الإعلان عن حكومة جديدة

أحدث سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي إعادةَ تنظيم واسعة للمشهد السياسي اليمني، فباتت الحكومة المعترف بها دولياً تحت الوصاية السعودية الحصرية، حيث أُعلنت تشكيلة حكومية جديدة في 6 فبراير، بعد أسابيع من المساومات المحتدمة حول تركيبتها، ومارست الرياض ضغوطاً لإحداث اختراق وسط مظاهرات واسعة لمؤيدي المجلس الانتقالي الجنوبي، وفي إحدى الاحتجاجات بسيئون، رفع المتظاهرون شعارات تندّد بالسعودية ومزّقوا صور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، قبل أن يتمّ قمعهم بالقوة على يد قوات الأمن، وفقاً لما أفادت به التقارير.

كانت التعيينات في مجلس الوزراء محلّ تنافس بين رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وعضو المجلس عبدالله العليمي، الذي حاول أن يُموضِع نفسه ممثلاً رئيسياً للجنوب في أعقاب حظر المجلس الانتقالي الجنوبي. يبدو أن الاثنين، إلى جانب الرياض، كانا صاحبَي القرار الأساسي بشأن مَن سينضمّ إلى الحكومة، وتمّ التوصّل في نهاية المطاف إلى اتفاق على تشكيلة وزارية من 35 عضواً، وُزّعت الحقائب فيها بين الشمال والجنوب، فضلاً عن تخصيص مقاعد محددة لشرقي اليمن، بما يعكس أهميته المتنامية لدى الرياض، كما عزّز هذا التوزيع الجغرافي للحقائب تراجع نفوذ الأحزاب السياسية اليمنية، التي كانت تضغط بدلاً من ذلك للحصول على حصص حزبية.

مُنح ممثّلو الجنوب اليمني حقيبتين من الحقائب السيادية الأربع، وخُصّصت واحدة للشمال وأخرى للشرق، فقد احتفظ إبراهيم حيدان بمنصب وزير الداخلية، فيما عُيّن طاهر العقيلي، الرئيس السابق لهيئة الأركان، وزيراً للدفاع، واحتفظ رئيس الوزراء المعيّن حديثاً شائع الزنداني بمنصب وزير الخارجية لنفسه، وجاءت إحدى المفاجآت في وزارة المالية، حيث عُيّن مروان بن غانم، الذي يفتقر إلى خبرة حكومية تُذكر، وزيرا لها، وهو نجل فرج بن غانم، الشخصية المرموقة من حضرموت التي شغلت منصب رئيس الوزراء في تسعينيات القرن الماضي.

مثّل تعيين ثلاث نساء في الحكومة تحوّلاً إيجابياً، وعكس مساراً معاكساً لاتجاه الإقصاء الكامل الذي بدأ مع الحكومة المُشكّلة أواخر العام 2020: فقد عُيّنت أفراح الزوبة، المتخصصة في التنمية، وزيرةً للتخطيط والتعاون الدولي؛ واختيرت إشراق المقطري، المحقّقة والمتحدثة باسم اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، وزيرةً للشؤون القانونية؛ وعُيّنت عهد جعسوس، الناشطة الحقوقية ومنسّقة منظمة اليونيسف لدى صندوق الرعاية الاجتماعية بعدن، وزيرةَ دولة لشؤون المرأة.

ضمّت الحكومة الجديدة عدداً من المسؤولين الذين كانوا منتمين سابقاً للمجلس الانتقالي الجنوبي، في إطار جهود سعودية لاستقطاب القيادات الجنوبية بعيداً عن المجلس وداعميه الإماراتيين. من هؤلاء وزير الخدمة المدنية سالم ثابت، ووزير الشؤون الاجتماعية والعمل مختار اليافعي، ووزير الكهرباء والطاقة عدنان الكاف، ووزير الزراعة والري والثروة السمكية عبدالله السقطري، ووزير الدولة عبدالرحمن شيخ الذي عُيّن أيضاً محافظاً لعدن في يناير.

أدّت الحكومة اليمين الدستورية بتاريخ 9 فبراير في السفارة اليمنية بالرياض، إذ لا تزال غير قادرة على العودة إلى عدن بسبب الوضع الأمني المتقلّب، ولم يُعقد أول اجتماع لها في العاصمة المؤقتة إلا في 19 فبراير، حين حاول حشد من المحتجّين، أفادت تقارير بأنهم مرتبطون بالانتقالي الجنوبي، اقتحام قصر الرئاسة، مما أدى إلى اشتباكات دامية مع قوات الأمن (انظر: التطورات العسكرية والأمنية)، والتزم وزراء الحكومة منذ ذلك الحين بحظر التجوّل في عدن.

في إطار إعادة هيكلة الحكومة، عيّن رئيس مجلس القيادة الرئاسي العليمي ثلاثة محافظين جدد لمحافظات جنوبية في 13 مارس. خلال لقاءات فردية مع محافظ لحج الجديد مراد الحالمي، ومحافظ أبين مختار الرباش، ومحافظ الضالع اللواء أحمد القبة، وضع العليمي تكليفاتهم في إطار بناء الدولة صراحةً، مشدداً على ضرورة إزالة نقاط التفتيش غير القانونية وتوحيد القرار في الشؤون الأمنية وتحسين تقديم الخدمات.

يُنظر إلى الحالمي، وهو وزير نقل سابق وكان عضوا في هيئة رئاسة الانتقالي الجنوبي، باعتباره شخصية برغماتية يمكن أن تساعد على احتواء الموقف الرافض من قِبل الموالين للمجلس، أما الرباش فقد شغل سابقاً منصب وكيل وزارة الأوقاف، وكان قائداً عسكرياً في المقاومة الجنوبية إبّان اجتياح الحوثيين لعدن، وكونه شخصية سلفية تحظى باحترام واسع، فإن الاستقلالية التي يتمتع بها على ما يبدو عن حزب الإصلاح وعن الشبكات السلفية المثيرة للجدل قد تمنحه هامشاً أوسع للمناورة سياسياً ومواجهة التحديات الأمنية. في الضالع، يدلّ تعيين القبة — وهو مدير أمن المحافظة وقائد قوات الأمن الوطني (قوات الحزام الأمني المنتمية للمجلس الانتقالي الجنوبي سابقاً) وقائد محور الضالع العسكري — على أن الاعتبارات الأمنية تهيمن على الأولويات السعودية هناك، فالضالع هي معقل المجلس الانتقالي الجنوبي والموطن الأصلي لزعيمه الفارّ عيدروس الزُبيدي، وتضمّ عدة جبهات بمواجهة قوات الحوثيين.

تأجيل الحوار الجنوبي

كان من المفترض أن يُرافق خطةَ الرياض لإعادة التنظيم السياسي والعسكري للجنوب حوارٌ جنوبي شامل، فيما بدا اعترافاً متأخراً بمظالم متراكمة منذ زمن، فقد أحدث تهميش الجنوب بعد الوحدة تيارات قوية من الاستياء. تتراوح المظالم بين الاستيلاء على الأراضي والتمثيل السياسي، ولا تزال تُشكّل العامل التعبوي الرئيسي للكثير من اليمنيين الجنوبيين، وتُغذّي بروز الحراك الجنوبي الأوسع وشعبيته، وكذلك المجلس الانتقالي الجنوبي، وقد أعلنت وزارة الخارجية السعودية، بناءً على طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي العليمي وفقاً للتقارير، أنها ستستضيف حواراً في الرياض يجمع الفصائل الجنوبية لبلورة «حلول عادلة تلبي التطلعات المشروعة لأبناء الجنوب». ولاقى الإعلان دعماً دولياً، وتأييداً من محافظين في عموم جنوب اليمن، بل ورحّب به المجلس الانتقالي الجنوبي.

تصوّرت المقترحات الأولية للحوار اجتماع وفود من عموم الجنوب في الرياض خلال شهر رمضان لإجراء محادثات مصالحة شاملة، ما أثار على الفور تكهّنات حول من سيشارك، وسعى عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالله العليمي، إلى الاضطلاع بدور قيادي في اختيار المندوبين وإدارة العملية، وكذلك فعل رئيس المجلس رشاد العليمي، وأفادت التقارير بأن الرياض كانت تعتزم استضافة طيف واسع من الشخصيات البارزة من الجنوب والشرق، بمن فيهم أعضاء سابقون في المجلس الانتقالي الجنوبي.

لاحقا، قُلِّصت خطط الحوار ثم أُجِّلت، وبدلاً من المداولات المعمّقة التي كانت متوقّعة، قلّصت الرياض طموحاتها، وأعادت تأطير المحادثات كجزء من جهودها المستمرة لتثبيت الأوضاع في جنوب اليمن وإعادة تنظيم القوى المدعومة من الإمارات تحت مظلة الحكومة، ولم يعد واضحاً متى سيُعقد الحوار وبأي صيغة، حيث يبدو أن الرياض، مع انشغالها في مكان آخر بسبب الحرب الأمريكية–الإيرانية، باتت قانعة بالتقدّم السياسي الذي تحقق من خلال إعادة تنظيم القوى، فعلى الرغم من أن الضغط من المجلس الانتقالي لا يزال يُمثّل مصدر قلق أمني جدّي، إلا أنه قد فشل حتى الآن في منع الحكومة من ممارسة عملها، وكان الاعتقاد السائد أن الرياض ستكون قادرة على استيعاب أو احتواء أي استياء وخيبة أمل من خلال تحسين الخدمات — فقد ساهمت منحة المشتقات النفطية السعودية في تحسين إمدادات الكهرباء التي كانت شبه منعدمة في عدن، فيما تتلقى القوى العسكرية رواتبها في الوقت المحدّد.

رغم ذلك، فإن المملكة قد تندم على قرار تأجيل المحادثات وعلى تفويت فرصة معالجة قضايا الاستياء والانقسام في الجنوب، فهي مشغولة الآن بأعباء متراكمة بفعل الأضرار والاضطرابات الناجمة عن الحرب الأمريكية–الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، وقد بدأ توفير الكهرباء في عدن يتراجع مجدداً، فيما تعاني المدينة من شُحّ في الغاز المنزلي منذ مطلع العام، وبعد فترة هدوء خلال شهر رمضان، استؤنفت مظاهرات الانتقالي الجنوبي بقوة، ويعيد المجلس تنظيم نفسه سياسياً وفتح مكاتبه في عموم الجنوب.

تعاني الحكومة في الاستجابة، وتجد نفسها الآن مهدّدة لا من جانب مجلس انتقالي جنوبي عائد إلى النشاط فحسب، بل أيضاً من التشظّي والتنافس بين الفاعلين السياسيين المحليين الذين يسعون إلى استبداله. فقد يقوّض المزيدُ من العنف في مظاهرات المجلس الانتقالي الجنوبي شرعية الحكومة الهشّة، ويستفزّ اضطرابات أوسع. كما أن إعادة التنظيم السياسي والعسكري للجنوب ستكون صعبة حتى في ظل دعم سعودي كامل واهتمام شامل، وحوار يتمّ تيسيره، وتنسيق مؤسسي، بينما لا يتوافر أيٌّ من هذه الشروط، ومع توجّه الاهتمام الدولي إلى أماكن أخرى، فإن الأزمة السياسية لشهري ديسمبر ويناير، قد تتفاقم وتتحوّل إلى مزيد من عدم الاستقرار.

الحرب الأمريكية–الإيرانية تعكّر مسار السلام

بعد شهر من اندلاع الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، انضمّ الحوثيون متأخرين إلى الأعمال العدائية، حيث أعلنوا في 28 مارس عن إطلاق وابل من الصواريخ على مواقع عسكرية إسرائيلية. أكّدت إسرائيل لاحقاً اعتراضها صاروخاً أُطلق من اليمن. وأُعلن عن هجمات محدودة في 1 و2 و4 و6 أبريل، إلا أن ضبط النفس الظاهر لدى الحوثيين أثار تساؤلات جديدة حول نوايا الجماعة، وحول الردّ المحتمل من الولايات المتحدة، التي أبرمت وقفاً لإطلاق النار مع الحوثيين بعد حملة قصف العام الماضي، ومن إسرائيل، التي استهدفت قيادات عسكرية وسياسية حوثية وبنية تحتية مدنية رداً على حملة الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة في صيف وخريف العام الماضي.

يمكن أن يُعزى تردّد الجماعة الظاهر إلى مجموعة من الحسابات الاستراتيجية، منها الحفاظ على قدرات محور المقاومة، أو الإبقاء على علاقتها مع السعودية، أو ببساطة توقيت العملية لتحقيق أقصى أثر ممكن. مع ذلك، كانت ثمة إشارات مبكّرة إلى أن الحوثيين كانوا يستعدّون للتحرك، ففي الحديدة، أفادت مصادر بأن الحوثيين كانوا قد بدأوا تجهيز مواقع عسكرية، من بينها منصّات للصواريخ ومركبات رادار متنقّلة، على طول ساحل البحر الأحمر منذ أواخر فبراير، وفي 14 مارس، اختتمت قناة إذاعية حوثية شعبية حملة لجمع التبرعات جمعت أكثر من 317 مليون ريال يمني (598 ألف دولار أمريكي) لدعم العمليات العسكرية للحوثيين.

غذّى قرار الحوثيين باستهداف إسرائيل بعد أسابيع من بدء الصراع التكهّنات حول درجة التنسيق مع راعيهم الإيراني، فمع تطوّر النزاع، تماهى خطاب الحوثيين بصورة متزايدة مع خطاب طهران، وأخذت الجماعة تؤطّر نفسها صراحةً كجزء من «وحدة الساحات» التي تُشكّل محور المقاومة. في هذا السياق، هدّد المسؤولون الإيرانيون والحوثيون مراراً بإغلاق باب المندب، وهو ما من شأنه أن يضاعف الكلفة الاقتصادية لحصار إيران لمضيق هرمز، وقد برز وضع مضيق هرمز كعنصر محوري في المحادثات لإنهاء النزاع، وربما يكون هجوم الحوثيين قد أدّى دور إشارة عسكرية، عززت موقف إيران التفاوضي، وذكّرت الولايات المتحدة بأنها لا تزال تمتلك خيارات للتصعيد. ستكون هذه الورقة الإضافية مفيدة على وجه الخصوص إذا سعت إيران إلى صفقة أوسع تشمل حزب الله اللبناني.

رغم ذلك، فإن خيار استهداف إسرائيل بدلاً من الملاحة البحرية يعكس حسابات استراتيجية دقيقة لدى الحوثيين أنفسهم، فالأوضاع في فلسطين، وهي القضية المعلنة التي بُنيت عليها حملة الحوثيين السابقة ضد إسرائيل، أكثر صدىً في اليمن بكثير من معاناة إيران، ومع أن استهداف إسرائيل أضفى ثقلاً على التهديدات الاقتصادية الإيرانية، فإنه يخدم أيضاً الدعاية الداخلية للحوثيين، فقوة الجماعة على الصعيد الداخلي مستمدة إلى حدّ كبير من تماسكها الإيديولوجي، وكانت الحملات الخطابية من هذا النوع عنصراً رئيسياً في الحفاظ عليه.

لم يشن الحوثيون أية هجمات أخرى منذ 8 أبريل، حين اتفقت الولايات المتحدة وإيران على وقف لإطلاق النار لإنهاء الأعمال العدائية، إلا أن الاتفاق سرعان ما تعثّر بسبب تفسيرات متضاربة لنطاقه، ولا تزال المحادثات جارية، لكن مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، يبدو أن استئناف هجمات الحوثيين في باب المندب ما يزال يُمثّل ورقة مهمّة، تُضاعف من اضطرابات الشحن وتُسبّب صدمات في أسعار الطاقة، وتُساعد إيران على فرض كلفة باهظة على أيّ هجمات أمريكية وإسرائيلية مستقبلية، لكن الاعتبارات تختلف عن وقت إطلاق الجماعة لحملتها في البحر الأحمر عام 2023. استئناف الهجمات سيمارس مزيداً من الضغط على أسعار النفط واقتصادات الخليج، لكنه سيدخل الحوثيين أيضاً في صراع مباشر مع السعودية، التي حوّلت شحنات نفطها للتصدير عبر موانئها على الساحل الغربي.

لن يستمر النزاع إلى ما لا نهاية، وحين ينتهي، سيظلّ الحوثيون في وضع مالي بالغ الصعوبة، وتحت وطأة العقوبات وتقليص المساعدات، يستمر الوضع الاقتصادي في الشمال بالتدهور (انظر: التطورات الاقتصادية).

قد يعلّق الحوثيون آمالهم على إمكانية إحياء نسخة من خطة السلام السعودية المدعومة أممياً، التي نصّت على دفع رواتب لموظفي القطاع العام — بمن فيهم القوات العسكرية الحوثية — مقابل السلام. في خطبة بمناسبة عيد الفطر، انتقد رئيس المجلس السياسي الأعلى للحوثيين مهدي المشاط، الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية لتعطيلهما عملية السلام ومنع تنفيذ ما يُعرف بـ«خارطة الطريق»، وإذا فرض الحوثيون حصاراً في باب المندب أو ألحقوا ضرراً بالمصالح الاقتصادية السعودية، فقد تُلغى الخطة بالكامل.

ربما يكون الردّ العسكري الإسرائيلي على الضربات الذي يبدو شبه محتوم هو الأكثر تأثيراً على السكان المدنيين في اليمن، فقد تتحرّك إسرائيل لاستهداف القيادة الحوثية، كما فعلت في الماضي، أو تسعى إلى إضعاف القدرات العسكرية للجماعة من خلال حملة مماثلة لتلك التي شنّتها الولايات المتحدة الربيع الماضي. في الحالتين، قد تُستهدف البنية التحتية المدنية، كالموانئ والمطارات ومحطات الكهرباء والمصانع، وسبق أن نفّذت إسرائيل ضربات من هذا النوع.

يبدو أن احتمال حدوث غارات جوية إسرائيلية يُقلق الحوثيين، فالأجواء في صنعاء لا تزال متوترة، ولا يزال قادة الحوثيين في حالة تأهّب قصوى تحسّباً لغارات محتملة، وحرصاً منها على درء الاضطرابات الشعبية وأعمال التجسس، قسّمت الجماعة العاصمة إلى مناطق أمنية وأطلقت حملة أمنية شملت اعتقال عشرات المدنيين، ويتّضح من حجم الحملة وعدد الاعتقالات أن الجماعة تستهدف أي شخص تشتبه في إمكانية أن يؤدّي دوراً في التعبئة السياسية.

الكتاب
نيد والي

باحث ومحرر

نيد والي هو محرر ومحلل في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية ، حاصل على شهادات أكاديمية في التاريخ من جامعة ييل، وفي إدارة النزاعات وفي علم الاقتصاد الدولي من كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز. نُشرت له عدة مقالات في… اقرأ المزيد.

إصدارات ذات صلة