إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

صعّد الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون على مدى العقدين الماضيين من تدخل أمريكا العسكري في اليمن سعيًا وراء خدمة أهداف لم تضع اليمن أولًا، إذ كان الأخير موضع اهتمام ثانوي في أفضل الأحوال. وبتبني هذا النهج، ساعدت الولايات المتحدة، وتحديدًا البيت الأبيض، على تأجيج الوضع الذي يعاني منه اليمن اليوم، إذ أضحى بلدًا يعاني من التشرذم بمواجهة أسوأ كارثة إنسانية في تاريخنا الحديث. 

مساهمة واشنطن في تشظي اليمن أدت لتقويض المصالح نفسها التي سعت نحوها في البلد نفسه، كمكافحة الإرهاب وعلاقتها بالرياض. وبالتالي يترتب على الإدارة المقبلة واجب أخلاقي واستراتيجي لإعادة ترتيب الأولويات بطريقة مجدية من أجل تغيير المسار.

أذِن الرئيس جورج دبليو بوش بتنفيذ أول ضربة بطائرة دون طيار في محافظة مأرب عام 2002، وخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، شكلت إدارته القوة الدافعة وراء إنشاء وحدات القوات الخاصة اليمنية للقتال فيما سماها بوش بـ”الحرب على الإرهاب”. ولخدمة هذا الهدف، وفّرت الولايات المتحدة السلاح وبرامج التدريب، ولكن الحكومة اليمنية وجهت معظم هذا الدعم لمواجهة جماعة الحوثيين الوليدة آنذاك وسحق تمردها في شمال البلاد بطريقة وحشية. لاحقًا، نُشرت هذه القوات الخاصة في محاولة دامية لقمع الاحتجاجات الشعبية الجماهيرية خلال انتفاضة الربيع العربي في اليمن عام 2011.  

ومع تسلّم باراك أوباما سدة الرئاسة، ازدادت عمليات الطائرات المسيّرة ضد المشتبه في انتمائهم لتنظيم القاعدة، وسط غياب المحاسبة والشفافية فيما يتعلق بارتفاع عدد الضحايا في صفوف المدنيين. وفي العام 2015، دعمت إدارة أوباما تدخل التحالف العسكري بقيادة السعودية والإمارات في اليمن ضد جماعة الحوثيين. استُخدمت قنابل أمريكية الصنع في الضربات الجوية التي استهدفت معظم أنحاء اليمن وشنها طيارون دربتهم الولايات المتحدة، وبذل الدبلوماسيون الأمريكيون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة جهودًا لتأمين غطاء قانوني دولي للتحالف وأحبطوا جميع المحاولات الهادفة لمحاسبة الأخير على جرائم الحرب التي يرتكبها. 

وحين وصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ضاعف من حدة هذه السياسات المتبناة خلال عهد أوباما، موسعًا نطاق هجمات الطائرات المسيّرة وعمليات القوات الخاصة في اليمن. كما وقّع ترامب مع التحالف عقود أسلحة بقيمة مليارات الدولارات، وحمى الرياض من إخضاعها للمساءلة عن ممارستها في جارتها الجنوبية.  

هذا التأثير الضخم للولايات المتحدة في اليمن خلال الإدارات الثلاث المتعاقبة جاء وسط غياب سياسة خارجية متماسكة تجاه اليمن، إذ أن حسابات الرؤساء الأمريكيين (ونخبة واشنطن بشكل عام) عند صياغة السياسات، اقتصرت على النظر إلى اليمن من زاوية خدمة مصلحتين أمريكيتين أساسيتين: مكافحة الإرهاب، والحفاظ على العلاقة مع السعودية. 

سيبقى هذان الأمران من أولويات واشنطن، ولكن تولّي جو بايدن منصب الرئاسة في يناير/كانون الثاني 2021 قد يؤدي إلى تبني الولايات المتحدة نهجًا جديدًا يضع خفض التصعيد في اليمن -وبناء سلام مستدام لاحقًا- على أجندة بايدن. ومن الممكن أيضًا أن يعيد بايدن -الذي شغل منصب نائب الرئيس في عهد أوباما- تدوير الكثير من الموظفين السابقين في إدارة أوباما في مناصب مختلفة حيث يعيدون تغليف أولويات الإدارة الديمقراطية السابقة ونهج مقاربتها للسياسات تحت ستار “بداية جديدة”.

تعهّد بايدن خلال حملته الانتخابية بوقف دعم الولايات المتحدة لجهود الحرب السعودية، ولكن هذه الخطوة لن تكون كافية لإحلال السلام في اليمن إذا لم يواكبها طفرة دبلوماسية. وبما أن السعودية لا تجد سبيلًا للخروج من الحرب بشكل يحفظ ماء الوجه، فهي بحاجة إلى الدعم الدبلوماسي للخروج من المستنقع الذي أغرقت نفسها فيه.  

وفي هذه الأثناء، ستلتقط إيران، الداعم الدولي الرئيسي لجماعة الحوثيين، أنفاسها عند خروج ترامب ذو السلوك السياسي الاعتباطي من البيت الأبيض، وستقيّم ما إذا كانت مستعدة لتقديم تنازلات في المنطقة من أجل إعادة التفاوض بشأن الاتفاق النووي الذي أحبطه ترامب وتخفيف العقوبات إلى حد ما لإعانة اقتصادها المنهك. 

تُعد الولايات المتحدة الطرف الأكثر قدرة على قيادة الجهود الدولية للتأثير على أطراف الصراع المختلفة وإعادتهم إلى طاولة المفاوضات، حتى بعد بطش ترامب بنهج العمل المتعدد الأطراف والأطر الدولية على مدى السنوات الأربع الأخيرة. 

مرر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 2216 -الذي يشكل الأساس القانوني للتدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن- في أبريل/نيسان 2015، ومن المقرر تجديد العمل به لسنة أخرى في فبراير/شباط 2021. سيشكل التفاوض على تحديث هذا القرار في مجلس الأمن نقطة انطلاق مثالية لإدارة بايدن. كما يجب أن تشمل هذه المفاوضات توسيع معايير ونطاق عمل لجنة العقوبات الخاصة باليمن.

 من الواضح أنه على الرئيس الأمريكي الجديد إعطاء الأولوية للسلام في اليمن، إذ من دون صفقة سلام مستدام، ستكون النتيجة الأكثر احتمالًا هي المزيد من التشرذم في الجنوب وقيام دويلة يديرها الحوثيون في الشمال على الحدود مع السعودية وقادرة على الوصول إلى البحر الأحمر، ما يمثل تهديدًا طويل المدى على السعودية وكذلك على أولويات الأمن الاقليمي لواشنطن ومصالحها الاقتصادية.

 


ظهرت هذه الافتتاحية في التقرير الشهري حان الوقت لسياسة أمريكية جديدة” – تقرير اليمن، نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

 

افتتاحيات مركز صنعاء السابقة:

 


مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية هو مركز أبحاث مستقل يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.

مشاركة