إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات
Read this in English

شهد الملف اليمني في الأشهر الأخيرة زخمًا للدبلوماسية من قِبل الفاعلين الدوليين المعنيين، هو الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب. يبدو التوافق بين الفاعلين الإقليميين والدوليين للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في اليمن أقرب من أي وقت مضى. قد تساهم هذه الجهود في اتفاق حول الخطوط العريضة لصياغة إطار عمل لمحادثات تركز على إنهاء الحرب بين الأطراف اليمنية، ولكن التطورات العسكرية الحالية، لا سيما في مأرب، ستعرقل فرص السلام لسنواتٍ في حال استولت جماعة الحوثيين المسلحة على آخر معقل للحكومة المعترف بها دوليًّا شمالي البلاد.

تتزامن هذه الجهود مع تحركات دولية على الساحة الإقليمية تشير إلى تغير في العلاقة بين واشنطن والرياض وطهران. كان لسياسات واشنطن وطهران دورًا أساسيًّا في إطالة أمد الصراع في اليمن الذي دخل عامه السابع، إذ قدمت الولايات المتحدة خلال إدارتي أوباما وترامب الدعم السياسي والعسكري لتدخل التحالف بقيادة السعودية في اليمن، بينما أمّنت طهران دعمًا سياسيًّا واستراتيجيًّا لجماعة الحوثيين، فضلًا عن الدعم العسكري الذي يُعد انتهاكًا مباشرًا لقرار حظر الأسلحة المفروض من قِبل الأمم المتحدة على إيران.

أما بالنسبة للرياض، فإن قرارها بشن حملة عسكرية في اليمن عام 2015 عاد بشكل كبير إلى مخاوفها من حصول إيران على موطئ قدم في اليمن عبر الحوثيين. حينها، كانت الولايات المتحدة تضع اللمسات الأخيرة على خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران للحد من مشروعها النووي، ولتجنّب معارضة الرياض لتلك الخطة دعمت واشنطن الحملة العسكرية السعودية في اليمن. استفادت جماعة الحوثيين من تحالفها مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح خلال السنوات الأولى من اندلاع الحرب، ومع تفاقم النزاع، سعت الجماعة للاستفادة من الدعم الخارجي من الأطراف الوحيدة المستعدة لتقديمه، طهران وقواتها الإقليمية بالوكالة. هذا الأمر ساعدها على مدى السنوات اللاحقة على تعزيز قدراتها العسكرية في ساحة المعركة وكسب اليد العليا ضد خصومها اليمنيين، وفرض تكاليف باهظة للغاية على السعودية والتفرد بالهيمنة على معظم شمالي اليمن. بالنسبة لطهران، فإن دعمها للحوثيين جاء بكلفة منخفضة نسبيًّا مقابل نتائج استراتيجية عالية التأثير تمكنها من إزعاج خصمها اللدود السعودية. ومع تنامي قوة الحوثيين على الأرض، ازداد اهتمام إيران بالجماعة واستثمارها فيها.

ولعل التناقض المأساوي الأبرز في هذه الحرب هو أن قرار الرياض بالتدخل في اليمن جاء بنتائج عكسية، إذ صار الحوثيون وإيران أقرب من أي وقت مضى بينما وجدت السعودية نفسها عالقة في مستنقع حرب تزداد تكلفتها ماديًّا وتخصم من رصيد نفوذها وسمعتها. من الواضح أن السعودية تبحث عن مخرج من حرب اليمن. أما واشنطن، التي ألغت صفقة إيران النووية في عهد ترامب، وجدت نفسها تدفع كلفة هذه الصفقة -كونها داعمًا أساسيًّا في حرب خاسرة أسفرت عن كارثة إنسانية- دون تحقيق أي من الأهداف التي كانت إدارة أوباما تسعى وراءها.

يُعد التحول في نهج واشنطن منذ وصول بايدن إلى سدة الرئاسة إحدى أبرز العوامل وراء الديناميات الدولية الجديدة بخصوص الصراع. دعا بايدن بصراحة إلى إنهاء حرب اليمن وعيّن مبعوثًا خاصًا ليقود هذا الجهد الدبلوماسي، كما أوقف بعض مبيعات الأسلحة إلى السعودية -خطوة أتت بعد أن أصبحت السعودية مدججة بالسلاح بفضل صفقات الأسلحة المبرمة سابقًا مع الولايات المتحدة والبالغ قيمتها مليارات الدولارات. من الجدير بالذكر أن لا الولايات المتحدة ولا أي من الدول الأربع الدائمة العضوية في مجلس الأمن تقدمت بمشروع جديد للمفاوضات يتجاوز القرار 2216 الذي دفعت به الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في مجلس الأمن عام 2015 لمنح التدخل السعودي في اليمن شرعية دولية.

يبدو أن مصير الصراع اليمني الآن مرتبط إلى حد كبير بالجهود الواسعة الرامية لخفض التصعيد الإقليمي.  في مارس/آذار وأبريل/نيسان عقدت الولايات المتحدة وإيران وعدد من القوى العالمية محادثات في فيينا للعودة إلى الاتفاق النووي. واستضافت عُمان خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من الاجتماعات الدبلوماسية المتزايدة مع ممثلين عن الولايات المتحدة والسعودية وجماعة الحوثيين المسلحة وإيران والأمم المتحدة وغيرهم من الدبلوماسيين. واستضافت بغداد في أبريل/نيسان اجتماعًا سريًّا بين مسؤولين أمنيين سعوديين وإيرانيين ناقشوا خلاله بؤر التوتر الإقليمية، من بينها اليمن. بعدها، قال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال مقابلة تلفزيونية إن المملكة تسعى لبناء “علاقة إيجابية” مع إيران. كما توافد خلال الأسابيع الأخيرة مسؤولون من عُمان والأمم المتحدة والولايات المتحدة لعقد محادثات في الرياض. وبالنسبة للسعودية فإن ضمان الأمن على حدودها الجنوبية من الهجمات الحوثية التي تُشن على أراضيها بالطائرات المسيّرة والصواريخ، شرط مسبق لأي اتفاق يهدف لإنهاء النزاع اليمني.

ستبقى علاقة الحوثيين بطهران التي تنامت وتُوجت بتبادل سفراء بينهما ثمينة في المستقبل المنظور، الأمر الذي يجب أن يثير قلق الفاعلين الذين يهمهم إحلال السلام في اليمن. ففي الوقت الذي يُعاد فيه تنظيم العلاقات الدولية نحو مسارِ السلام، يكثّف الحوثيون هجومهم على مدينة مأرب. ولكي تظل الحكومة اليمنية ذات أهمية ووزن في البلاد وفي أي مفاوضات سلام مستقبلية، يجب ألّا تخسر هذا المعقل. من شأن الديناميات الحالية بين الفاعلين المختلفين داخل وخارج اليمن أن تتغير بشكل دراماتيكي إذا سقطت المدينة بأيدي الحوثيين، وبالتالي من المحتمل أن تتلاشى آفاق أي سلام بوساطة الأمم المتحدة، وأن تستغرق جهود إعادة إحياء أي مسار لإنهاء الحرب سنوات. وفي حال استيلائهم على مأرب، سيعزز الحوثيون سيطرتهم على شمالي اليمن وحقول النفط والغاز، ما قد يؤمّن قاعدة اقتصادية لنشوء دويلة حوثية، وحينها سيكون من الصعب إقناع القادة الحوثيين بتقديم تنازلات، كما سيرفع الحوثيون من سقف مطالبهم لإنهاء غزوهم العسكري ويضعون شروطًا لن تقبل بها لا السعودية ولا الأطراف اليمنية الأخرى.

وحتى لو تمكنت هذه الديناميات الدولية والمحلية المستجدة من إقناع الأطراف المختلفة بالجلوس على طاولة الحوار، فإن السلام سيستمر بمواجهة تحديات جمّة. سيعتمد نجاح أي اتفاق لوقف إطلاق النار وديمومته وشكل الوضع ما بعد الصراع على إيجاد توازن مستقر بين القوى المحلية في اليمن بينما يتعيّن على الفاعلين الإقليميين والدوليين وضع آليات لضمان هذا الترتيب. ولكن هذا المسار مهدد بالفشل في حال جاءت الأولويات الدولية قبل أولويات اليمنيين، ولقد رأينا عواقب هذا النهج في اليمن بعد “العملية الانتقالية” الفاشلة عام 2011 -استنادًا لمبادرة مجلس التعاون الخليجي التي عكست أولويات الخارج حسبما يناسبه- التي ساعدت في اندلاع الصراع الحالي. كما أن من شبه المؤكد أن المتشددين داخل جماعة الحوثيين سيضغطون للحفاظ على حصة مفرطة من السلطة خلال المفاوضات، وهو ما سترفضه الفئات الأخرى من المجتمع اليمني. سيسعى المتشددون داخل الجماعة أيضًا لتقويض أي اتفاق قد يتوصل إليه مفاوضو الجماعة الأكثر اعتدالًا وبراغماتية. وبالمثل، فإن الانقسامات داخل التحالف المناهض للحوثيين قد تقوّض موقفه خلال المفاوضات بسهولة.

وبالتالي من الخطر أن يدفع الفاعلون الدوليون نحو وقف فوري وشامل لإطلاق النار قبل الاتفاق على الشروط الأساسية لدولة ما بعد الصراع؛ هذا الترتيب سيحفّز الجماعات المسلحة التي تجني أرباحًا طائلة من السكان في المناطق الخاضعة لسيطرتها للحفاظ على الوضع الراهن عبر عرقلة اتفاق لتقاسم السلطة. وبدلًا من منح اليمن فرصة لإيجاد مسار نحو سلام مستدام، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو الانحدار مجددًا نحو الحرب وتفكك الدولة اليمنية إلى إقطاعيات يديرها أمراء الحرب. لذلك، يجب السعي نحو التوصل إلى وقف مشروط ومحدود لإطلاق النار، يركز على تجميد الخطوط الأمامية بهدف إتاحة الفرصة لمفاوضات حول الشروط الأساسية لترتيبات ما بعد انتهاء الصراع، والتي يجب أن تحدد الأهداف النهائية الأساسية لتقاسم السلطة السياسية وتحقيق المساواة الاجتماعية وتقاسم الإيرادات ضمن إطار جمهورية يمنية موّحدة.  

 

ظهرت هذه الافتتاحية في التقرير الشهري “عقد على الربيع العربي” – تقرير اليمن، مارس/أبريل 2021.


افتتاحيات مركز صنعاء السابقة:


مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية هو مركز أبحاث مستقل يسعى إلى إحداث فارق عبر الإنتاج المعرفي، مع تركيز خاص على اليمن والإقليم المجاور. تغطي إصدارات وبرامج المركز، المتوفرة باللغتين العربية والإنجليزية، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بهدف التأثير على السياسات المحلية والإقليمية والدولية.

مشاركة