كَسرت التطورات الأخيرة في اليمن سنوات من الجمود، دافعةً بالبلاد نحو حقبة جديدة متفجرة. كشف التوسع الأولي للمجلس الانتقالي الجنوبي في المحافظات الشرقية، وما أعقبه من فقدان للأراضي وحلّ للمجلس تحت ضغوط سعودية، عن هشاشة نهج ‘الاحتواء’ الذي تتبعه القوى الخليجية تجاه اليمن. هذه الاستراتيجية، التي اعتمدت تقليديًا على تقاسم النفوذ من خلال دعم السياسيين المحليين والفصائل المسلحة، نجحت في الحفاظ على تماسك التحالف اليمني الهش المناهض للحوثيين لما يقرب من عقد من الزمن، أما الآن، ومع تحول الأولويات الإقليمية وتغير المشهد المحلي، فقد انتهى ذلك الزمن.
لطالما تباينت أولويات الرياض وأبو ظبي في اليمن؛ ففي السنوات الأخيرة، توجهت السعودية نحو حل سياسي مع جماعة الحوثيين (أنصار الله) في صنعاء، بينما ركزت الإمارات على ترسيخ نفوذها على طول السواحل والممرات البحرية للبلاد. زرع هذا بذور التنافس بين القوتين، وهو التنافس الذي انفجر علنًا مع التقدم المفاجئ للمجلس الانتقالي الجنوبي نحو المحافظات الشرقية في ديسمبر 2025. لقد تجاوزت هذه الخطوة الخطوط الحمراء السعودية، حيث اقتربت القوات المدعومة إماراتيًا من الحدود السعودية، مما أثار مخاوف الرياض من فقدان نفوذها بالكامل في البلاد.
أتى هذا التحول الحاد في السيطرة السياسية بين السعودية والإمارات على حساب الصراع المستمر ضد الحوثيين؛ فرغم أن البلدين دخلا الحرب عام 2015 لمحاربة الجماعة، إلا أن أولوية تلك المهمة تراجعت أمام أولويات متراكمة أخرى، باتت تتمحور بشكل متزايد حول التنافس القائم بين القوتين. ببساطة، لا يبدو أن أيًا من الدولتين تجعل من محاربة الحوثيين جزءًا مركزيًا من حساباتها السياسية في الوقت الراهن.
من ناحية أخرى، قد يشير صمت الحوثيين خلال التصعيد في الجنوب إلى أنهم كانوا راضين عن الخلاف والتشرذم بين خصومهم المتحالفين؛ فقد ركزت معظم التعليقات العامة للقادة الحوثيين في ديسمبر وأوائل يناير على أحداث خارجية – مثل الإساءة للمصحف في الولايات المتحدة، والاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وخطف الجيش الأمريكي الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ومطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسيطرة على جرينلاند، والاحتجاجات في إيران. إن تركيزهم على قضايا دولية أوسع مكنهم من تقديم أنفسهم لأنصارهم كقوة إقليمية شرعية، بينما ظل خصومهم منشغلين بتصفية حسابات محلية والمشاحنات فيما بينهم.
على الأرض، واصل الحوثيون تعبئة قطاعات واسعة من السكان وإطلاق حملات تجنيد جديدة في مناطقهم، مع مراقبة الأسلحة والمركبات المدرعة التي نُقلت مؤخرًا إلى خطوط المواجهة، والتي قد تمثل تهديدًا مباشرًا. كان المجلس الانتقالي الجنوبي قد نقل أسلحة ومعدات من حضرموت إلى الضالع وعدن ومناطق أخرى بعد سيطرته على المحافظة. خلال العملية الأخيرة لطرد المجلس الانتقالي، أرسلت قوى أخرى داخل التحالف المناهض للحوثيين أسلحة وذخائر إضافية إلى مأرب ومناطق أخرى، وقد يرد الحوثيون بالتحرك لتحييد هذه الأصول.
على الجانب الآخر من خليج عدن، أضاف اعتراف إسرائيل بمنطقة أرض الصومال ذاتية الحكم كدولة، طبقة أخرى إلى المعادلة اليمنية. تظل إسرائيل متمسكة بموقفها العدائي تجاه الحوثيين، معتقدة أنهم لم يتم “تأديبهم” بشكل كافٍ بعد، على غرار وكلاء إيران الآخرين الذين تلقوا ضربات قوية في سوريا ولبنان. خلال السنوات الأخيرة، تبنت إسرائيل استراتيجية تغذية المنافسات المحلية وزعزعة استقرار الحكومات؛ وتحقيقًا لهذه الغاية، يبدو أن إسرائيل تعمل على تعزيز التنسيق الأمني مع أرض الصومال، الأمر الذي قد يثمر قريبًا عن إنشاء قاعدة جوية في البحر الأحمر. من شأن ذلك أن يوسع نفوذها الإقليمي وقدراتها في جنوب البحر الأحمر، وهو ما سيكون مفيدًا في حال استئناف المواجهة العسكرية الإسرائيلية مع الحوثيين.
غرس الحوثيون تواجدهم في القرن الأفريقي من خلال شبكات التجنيد، مما مكنهم من بناء علاقات عبر البحر الأحمر وتوسيع شبكات تهريب الأسلحة. بعد فترة من الصمت النسبي، أثار الحوثيون مجدداً إمكانية تجدد الصراع في البحر الأحمر، ويبدو أنهم يمتلكون الأدوات والاتصالات اللازمة للقيام بذلك عبر ترسانتهم بعيدة المدى وصلاتهم بحركة الشباب، فرع تنظيم القاعدة في الصومال. لقد سعى الحوثيون منذ فترة طويلة للعب دور على الضفة المقابلة للبحر الأحمر، تماماً كما فعل حزب الله في اليمن وسوريا؛ ووفقاً لمصدر أمني، يعمل عملاء الاستخبارات الحوثية بنشاط مع وحدات عسكرية في صنعاء لتجهيز فرق وخبراء عسكريين لمهام العمليات الخاصة في أفريقيا.
في الواقع، تظل أسوأ السيناريوهات المحتملة قائمة؛ فالمواجهات السياسية – والعسكرية المحتملة – في جنوب اليمن واردة، مدفوعةً بالتعبئة المستمرة حول مطالب استعادة الدولة الجنوبية في عدن والتنافس السعودي الإماراتي المستمر. في غضون ذلك، يحتفظ الحوثيون بخيارات متعددة للتصعيد، بما في ذلك الهجمات على خطوط المواجهة وما وراءها، ويمكن للجماعة ممارسة ضغوط على طول الحدود السعودية، أو في القرن الأفريقي، أو ضد الملاحة البحرية وإسرائيل – خاصة إذا ما تم استهداف إيران بشكل مباشر في جولة أخرى من الصراع العسكري.
إن تضافر مسارات متباينة في المشهد اليمني — من الركود السياسي المزمن، والتنافس بين الحلفاء الإقليميين، إلى صعود الجهات المسلحة — بات ينذر بتفجير كارثة إقليمية. وتكمن خطورة اللحظة الراهنة في التآكل المستمر للكوابح والضوابط التي حالت، حتى الآن، دون وقوع مثل هذا الانفجار الكبير. ومع أن استراتيجيات الاحتواء قد تنجح في إبقاء الوضع تحت السيطرة مؤقتاً، إلا أنها في المقابل تزيد من تجذّر بذور السخط الكامنة وتُضاعف من نطاق تداعياتها. مع تزايد الترابط العضوي بين بؤر الصراع في اليمن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي وإسرائيل، لم يعد من الممكن، ولا من الواقعي، التعامل مع الشأن اليمني كملف معزول، وكما أثبتت التجارب السابقة، فإن كلفة الفشل في اليمن لن تتوقف عند حدوده الجغرافية، بل ستتجاوزها لتمتد آثارها إلى منطقة تغلي أصلاً بالاضطرابات.
يأتي هذا التحليل ضمن سلسلة من الإصدارات التي يُنتجها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بتمويل من حكومة مملكة هولندا. تتناول هذه السلسلة قضايا اقتصادية وسياسية وبيئية بهدف إثراء النقاش وصناعة السياسات المتعلقة باليمن بما يعزز السلام المستدام. لا تعبّر الآراء الواردة في هذا الإصدار بالضرورة عن مواقف مركز صنعاء أو الحكومة الهولندية.