منذ العام 2016، شهدت العلاقات الثنائية بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة فترات من التوتر الحاد في اليمن. مع ذلك، لم تتجاوز هذه التوترات في السابق حدود المنافسة المُدارة؛ فقد حرص الطرفان على الحفاظ على مجالات للتعاون المشترك، وتجنب تجاوز الخطوط الحمراء لكل منهما، والإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة عقب كل جولة من التصعيد أو محاولات تعزيز النفوذ في اليمن، غير أن التطورات التي شهدها جنوب اليمن خلال الشهرين الماضيين تمثل نقطة تحول غير مسبوقة في مسار العلاقة بين البلدين، إذ تشير إلى انتقالها نحو تنافسٍ معلن أدّى فعليًا إلى إنهاء التحالف السعودي-الإماراتي في اليمن، وأطلق دورة جديدة من الصراع الإقليمي.
على مدى العقد الماضي، تشكّلت العلاقات بين السعودية والإمارات بفعل ثلاثة عوامل رئيسية: التهديدات المشتركة؛ والإقرار بالمكانة الإقليمية لكل منهما؛ ونماذج طموحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية. العامل الثالث جعل العلاقة بين الدولتين ذات طابع تنافسي دائم، بينما حدد العاملان الأول والثاني ما إذا كان هذا التنافس سيتخذ طابعًا تعاونيًا أم تصادميًا.
عام 2011، أعادت الرياض تعريف مصادر تهديدها للأمن الوطني لمواجهة الفراغ الجيوسياسي الناتج عن انهيار عدد من الأنظمة العربية، وكبح تمدد الإسلام السياسي بقيادة تركيا وقطر، وردع شبكة الوكلاء السياسيين الشيعة المرتبطين بإيران. تلاقت هذه الرؤية إلى حد كبير مع تصور أبوظبي لمصادر التهديد التي تواجهها.
مطلع العام 2015، برزت قيادة جديدة في المملكة العربية السعودية، ما قرّب الرياض من أبوظبي بفعل تقارب الأولويات المتعلقة بالتحديث الاقتصادي والاجتماعي، وتبني نماذج جديدة للحكم الوطني. عزز ذلك العلاقات الثنائية عبر محور جديد تمثل في استعداد الإمارات للانخراط بصورة أعمق في النهج الإقليمي الحازم للسعودية، سواء الحرب في اليمن أو لاحقًا قرار مقاطعة قطر. بالمقابل، سعت أبوظبي إلى نيل اعتراف سعودي بمكانتها كشريكٍ متكافئ في إدارة الشؤون الإقليمية، وشكّلت اليمن الاختبار الأول لهذا النهج من خلال القيادة المشتركة لقوات التحالف العربي.
مع ذلك، لم تتحقق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين على نحو كامل. حتى في الفترات التي بدت فيها هذه الشراكة قائمة، كانت محفوفة بخلافات عديدة، لا سيما في اليمن، ومع تسارع مشروع التحديث السعودي بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان، اشتد التنافس مع الإمارات.
خلال الفترة بين عامي 2020 و2024، تعرّضت كثير من ركائز التحالف السعودي-الإماراتي للتآكل، فلم تعد تصورات الدولتين للتهديدات التي تواجهما متطابقة، كما اتضح أن توقعات أبوظبي بالحصول على شراكة متكافئة لن تتحقق، حيث بدأت السعودية تتصرف بصورة أحادية في عدة ملفات، متوقعةً أن تصطف الإمارات خلفها وأن تتبع توجهاتها في قضايا مثل خارطة الطريق الخاصة باليمن، والمصالحة مع إيران وقطر، والمساعي لرفع أسعار النفط عبر منظمة أوبك.
رغم ذلك، استمر التحالف في إطار محدود وشكلي لسببين رئيسيين: أولهما حاجة الطرفين إلى ردع إيران، ولا سيما في اليمن؛ وثانيهما أن الشراكة باتت تكتسب أهمية متزايدة بالنسبة للإمارات بوصفها غطاءً لأنشطتها الإقليمية وأداة لتعزيز نفوذها الجيوسياسي، فقد أتاح غطاء التحالف لأبوظبي مساحة واسعة للتنصل من مسؤولية تصرفات حلفائها المحليين.
بحلول العام 2025، اتسعت الفجوة بين البلدين بشكل ملحوظ، فقد أدى تراجع قوة النظام الإيراني إلى تراجع أولوية ردع طهران في الحسابات السعودية، وبدلًا من ذلك، استثمرت الرياض دبلوماسيًا لضمان نجاح المفاوضات النووية وتفادي توجيه ضربات عسكرية ضد النظام الإيراني، كما بدأت السعودية، إلى جانب مصر وباكستان وتركيا، تنظر بصورة متزايدة إلى إسرائيل بوصفها تحديًا استراتيجيًا متصاعدًا، وشرعت في العمل على الحد من هيمنتها الإقليمية. انعكس ذلك سلبًا على مسار «اتفاقات أبراهام»، التي راهنت عليها الإمارات بوصفها ركيزة أساسية لإنشاء بنية أمنية إقليمية جديدة تسعى إلى لعب دور قيادي فيها. كذلك، أبدت كل من السعودية ومصر قلقًا متزايدًا إزاء الدور الإماراتي في السودان، وبدأ البلدان العمل على الحد من النفوذ الإماراتي قدر الإمكان، وقد تجلى ذلك بوضوح خلال زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن، إذ حثّ دونالد ترامب على ممارسة ضغوط لإنهاء الحرب في السودان.
بعبارة أخرى، لم يعد الخلاف بين السعودية والإمارات يقتصر على تحديد مصادر التهديد المشتركة، بل بات كل طرف ينظر إلى اتساع النفوذ الإقليمي للطرف الآخر بوصفه عائقًا استراتيجيًا ومصدر تهديد مباشر. يُفسّر ذلك جزئيًا الدوافع وراء تبني الإمارات سياسة إقليمية عالية المخاطر، ظهرت أولى تجلياتها في السودان، قبل أن تبلغ ذروتها في جنوب اليمن.
في ديسمبر 2025، دخلت الإمارات لعبة يمكن وصفها بـ«الروليت الجيوسياسي»؛ فقد كان عليها إما أن تبادر إلى توسيع نفوذها بصورة استباقية لتكريس موقعها لاعبًا إقليميًا رئيسيًا، أو أن تخسر أصولها الجيوسياسية وتواجه خطر العزلة السياسية.
كانت أبوظبي أمام خيارين: إما الخروج رابحة من هذا الرهان؛ أو تسريع خسائر كانت تخشى وقوعها عاجلًا أم آجلًا، غير أن النهج الإماراتي عالي المخاطر ارتدّ بنتائج عكسية، إذ أسهم في إطلاق استجابة إقليمية منسقة من قبل الرياض ومسقط والقاهرة هدفت إلى تقويض النفوذ الإماراتي في اليمن. في الوقت ذاته، دفع ذلك إلى تبني سياسة سعودية أكثر اندفاعًا في كل من القرن الأفريقي وليبيا.
فقدت أبوظبي دورها كلاعب رئيسي في اليمن، لكنها ما تزال قوة مؤثرة. ثمة ثلاثة عوامل إقليمية ستحدد ملامح النهج الجديد الذي قد تتبعه الإمارات في اليمن، وما إذا كانت ستتجه نحو التكيّف مع المعطيات الجديدة أو تنزلق نحو حرب استنزاف:
أول هذه العوامل يتعلق بتوازن القوى الإقليمي. إذا تصاعدت الضغوط الداخلية والخارجية على النظام الإيراني وتراجع نفوذه الإقليمي، فمن المرجح أن تزداد قناعة أبوظبي بضرورة الاضطلاع بدور إقليمي بارز ضمن محور جديد يستند إلى «اتفاقات أبراهام». ينطبق العكس كذلك؛ فإذا عادت واشنطن وطهران إلى المسار الدبلوماسي، وتراجعت احتمالات انهيار النظام الإيراني أو تعرضه لضربة حاسمة، فقد تميل الإمارات إلى التخلي عن طموحاتها لبناء نظام إقليمي يستند إلى «اتفاقات أبراهام»؛
أما العامل الثاني فيتعلق بنطاق التحركات السعودية في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي، فبقدر ما تستطيع السعودية تهديد الأصول الجيوسياسية للإمارات، قد تجد أبوظبي نفسها مضطرة لمواجهة السياسات السعودية. في هذا السياق، قد تحاول الإمارات توظيف نفوذها في اليمن لموازنة الضغوط السعودية في أفريقيا.
يتعلق العامل الثالث والأخير بإمكانية الوساطة الدولية أو الإقليمية. قد تتدخل أطراف خارجية لخفض مستوى التصعيد بين الجانبين وتمهيد الطريق لاستئناف الحوار، وتظل القاهرة وواشنطن من أبرز الأطراف القادرة على الاضطلاع بهذا الدور.
إلى أن يحدث ذلك، ستتعامل السعودية مع أي تصعيد في جنوب اليمن بوصفه تصعيدًا إماراتيًا؛ إذ ترى الرياض أن تجريد الإمارات من الغطاء الذي يتيح لها التنصل من المسؤولية هو السبيل الوحيد لردعها عن الاستثمار في حملة استنزاف ضد الحكومة المدعومة من السعودية.
تندرج هذه المقالة ضمن سلسلة من الإصدارات التي ينتجها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، بتمويل من وزارة الخارجية النرويجية، في إطار برنامج «إعادة تصور السلام في اليمن ضمن السياق الإقليمي». تهدف هذه السلسلة إلى دعم جهود بناء السلام في اليمن من خلال دراسة الروابط الأمنية والاقتصادية للبلاد مع محيطها في منطقة الخليج والبحر الأحمر.