إصدارات الأخبار تحليلات تقرير اليمن أرشيف الإصدارات

التنافس الاقتصادي السعودي-الإماراتي وتداعياته في اليمن

Read this in English Read this in English

تعود جذور التوتر بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة إلى ما قبل المواجهة الأخيرة في حضرموت، إذ ينبع من خلاف أعمق كان قد برز منذ انطلاق حملة التحالف في اليمن. منذ البداية، سعى الطرفان إلى تحقيق أهداف متباينة، تأثرت بطموحات اقتصادية أوسع ومنافسة استراتيجية ممتدة تتجاوز حدود اليمن بكثير، وقد أسهم الاحتكاك بين السعودية والإمارات في تقويض الجهود الرامية إلى تخليص اليمن من قبضة جماعة الحوثيين (أنصار الله)؛ إذ غذّى الانقسامات بين الفاعلين المحليين. في نهاية المطاف، كان اليمن واليمنيون هم من دفعوا – ولا يزالون يدفعون – الثمن الباهظ.

دخلت السعودية الحرب في المقام الأول لحماية حدودها الجنوبية من تهديد جماعة مرتبطة بإيران، أما الإمارات، فكانت لها دوافعها الخاصة: أولها إبقاء السعودية منشغلة بعدو آخر، فعلى الرغم من أن العلاقات بين البلدين بدت طبيعية عام 2015، فإن قضايا عالقة تعود إلى ما قبل تأسيس دولة الإمارات ظلت قائمة؛ أما الدافع الثاني فتمثل في طموحات الإمارات الاقتصادية، التي امتدت في اليمن إلى مضيق باب المندب الاستراتيجي، وميناء عدن، وجزيرة سقطرى، كما سعت أبوظبي إلى توسيع نفوذها في قطاع الاتصالات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة من خلال اتفاق بين شركة إن إكس تكنولوجيز الإماراتية والحكومة في أغسطس 2023، إلا أن الاتفاق أُوقف لاحقًا نتيجة ضغط شعبي.

شكّل التنافس الاقتصادي عاملًا رئيسيًا في تعميق الخلاف بين السعودية والإمارات؛ ففي مايو 2009، أعلنت الإمارات انسحابها من مشروع العملة الخليجية الموحدة بعد اختيار السعودية مقرًا للبنك المركزي المقترح، وقد أدى هذا القرار في نهاية المطاف إلى فشل إنشاء العملة الموحدة، وعلى الرغم من أن الإمارات قدمت مبررات أخرى لانسحابها، فإن الرأي السائد يرى أنها تعتبر نفسها المركز المالي لدول الخليج.

تصاعدت حدة التنافس مع إطلاق السعودية برنامج رؤية 2030، في أبريل 2016، وهو مبادرة تهدف إلى بناء اقتصاد مزدهر، وتنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمار الأجنبي، وتطوير مشاريع في قطاعات السياحة والعقارات والنقل والخدمات اللوجستية. رأت الإمارات في ذلك تهديدًا اقتصاديًا جديًا، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للسعودية، وحجمها، ومواردها المالية الضخمة.

سعت الإمارات إلى إطلاق مشاريع سياحية ولوجستية كبرى لمنافسة السعودية، خلال السنوات الخمس الأخيرة، من بينها مشروع رأس الحكمة في مصر بقيمة 35 مليار دولار أمريكي، إضافة إلى عدد من مشاريع إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية. في اليمن، حاولت الإمارات – عبر حلفائها – السيطرة على ميناء عدن، الذي كانت تديره موانئ دبي العالمية منذ العام 2008، حتى ألغت الحكومة، برئاسة الرئيس الأسبق عبد ربه منصور هادي، الاتفاق في أغسطس 2012. كما سعت الإمارات إلى بسط نفوذها على مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، من خلال حلفائها الذين يحتفظون بوجود عسكري على الساحل وفي جزيرة ميون القريبة.

من جهتها، اتخذت الرياض خطواتها الخاصة لتكريس التفوق الاقتصادي؛ ففي فبراير 2021، أعلنت المملكة سياسة تمنع الجهات الحكومية من التعاقد مع شركات لا يقع مقرها الإقليمي في السعودية. هدفت هذه السياسة إلى دعم تنويع الاقتصاد، وخلق فرص عمل محلية، وزيادة الاستثمار الأجنبي، لكنها مثلت أيضًا محاولة لتعزيز التمركز الاقتصادي الإقليمي؛ إذ كانت مقار العديد من الشركات العالمية تقع في الإمارات، التي رأت في الإجراء استهدافًا مباشرًا لاستثماراتها الأجنبية، وفي 26 يناير، صرّح وزير الاستثمار السعودي بأن أكثر من 700 شركة عالمية أنشأت مقارها الإقليمية في السعودية.

يمثل التنافس في مجالي الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات جبهة جديدة في هذا الصراع، إذ يسعى البلدان للتحول إلى المركز الإقليمي الرائد في هذين القطاعين. وفقًا لتقديرات شركة برايس ووترهاوس كوبرز (PwC)، من المتوقع أن تبلغ مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمالي للإمارات بحلول العام 2030، نحو 96 مليار دولار أمريكي (بنسبة 13.6 في المئة)، فيما ستصل في السعودية إلى 135.2 مليار دولار (بنسبة 12.4 في المئة).

في أكثر خطواتها جرأة حتى الآن، دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي في سعيه إلى توسيع سيطرته على حضرموت والمهرة في ديسمبر 2025، في تحرك كان من شأنه الدفع بمشروع انفصالي وتقويض النفوذ السعودي في اليمن. تعد حضرموت خطًا أحمر تاريخيًا بالنسبة للسعودية، إذ يتقاسم الطرفان حدودًا طويلة وروابط اجتماعية وسياسية وثيقة، وكانت الرياض قد استكشفت سابقًا إمكانية مد خط أنابيب نفطي عبر حضرموت وتأمين منفذ بحري على بحر العرب.

في نهاية المطاف، ومن خلال تحويل التنافس الاقتصادي إلى مواجهة عسكرية وسياسية في شرق اليمن، دفعت الإمارات بالصراع إلى مستوى تصعيدي بالغ الخطورة، فردّت السعودية بطرد المجلس الانتقالي الجنوبي وحلّه، وأعادت تأكيد موقعها المهيمن في عموم جنوب اليمن. مع ذلك، من غير المرجح أن تتخلى أبوظبي عمّا تبقّى لها من نفوذ واستثمارات في اليمن، فرغم إعلانها الانسحاب، سيظل التنافس السياسي والاقتصادي بينها وبين الرياض قائمًا، ولن يكون اليمن بمنأى عن انعكاساته.


يأتي هذا التحليل ضمن سلسلة من الإصدارات التي يُنتجها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بتمويل من حكومة مملكة هولندا. تتناول هذه السلسلة قضايا اقتصادية وسياسية وبيئية بهدف إثراء النقاش وصناعة السياسات المتعلقة باليمن بما يعزز السلام المستدام. لا تعبّر الآراء الواردة في هذا الإصدار بالضرورة عن مواقف مركز صنعاء أو الحكومة الهولندية.

مشاركة