توسع زراعة القات في اقتصاد الحرب اليمني: المبيدات السامة واستنزاف المياه
أنهك الصراع المستمر وارتفاع أسعار الوقود السوق الزراعية في اليمن، مما أدى إلى تفاقم الضائقة الاقتصادية التي تعاني منها الأسر، وفي غياب أي ضوابط من سلطات عامة ضعيفة، أفضى الضخ غير المنظم للمياه، إلى جانب الاستخدام العشوائي للمبيدات السامة، إلى توسع كارثي في زراعة القات. زاد ذلك من اعتماد المجتمعات المحلية اليمنية على القات بوصفه محصولاً نقدياً مرتفع العائد وشديد التحمل نسبياً، فقبل الحرب، كانت زراعة القات تتوسع بنحو 5 في المائة سنوياً، من 76,100 طن عام 1991 إلى 165,700 طن عام 2008، ومع الحرب، توسعت زراعة القات بأكثر من 40 في المائة في بعض المناطق بين عامي 2016 و2021، فالقات مضمون النمو، يدرّ دخلاً، ولا يتطلب بنية تحتية للتصدير، ويحظى بطلب محلي قوي. يمكن للقات تحمّل فترات الجفاف الطويلة، ما يجعله خياراً يُعوَّل عليه للمزارعين في مواجهة أنماط مناخية متقلبة، وقد أصبحت زراعته مربحة لكثير من المزارعين رغم الكلفة المرتفعة لضخ المياه الجوفية؛ غير أن انتشار مضخات الري الشمسية على نطاق واسع بدّل هذه المعادلة، لا سيما لمزارعي القات الأكثر ثراءً ممن يملكون القدرة المالية على الاستثمار في تقنية الطاقة الشمسية، وقد زاد ذلك من تسارع توسع زراعة القات، وكثّف الضغط على المياه الجوفية المستنزفة أصلاً في اليمن.
لسنوات طويلة، أبرزت التقييمات الدولية توسع زراعة القات باعتباره محركاً رئيسياً لاستنزاف المياه الجوفية في اليمن؛ إذ يُعد القات محصولاً نقدياً شَرِهاً للمياه. تستهلك الزراعة نحو 90 في المائة من إجمالي المياه المسحوبة في اليمن، لكن القات وحده يستأثر بـأكثر من 40 في المائة من الموارد المائية المتجددة ونحو 30 في المائة من استخدام المياه الجوفية، وتتضاعف هذه النسبة ليستهلك القات في بعض أحواض المرتفعات 80 في المائة من المياه الجوفية المستخرجة. يرتبط توسع زراعة القات ارتباطاً وثيقاً باستنزاف المياه الجوفية، متجاوزاً في الغالب معدلات التغذية الطبيعية، وبفعل اتساع مساحته المزروعة، يستهلك القات مياهاً تفوق ما يستهلكه أي محصول آخر في اليمن، وقد أدى ذلك إلى استنزاف طبقات المياه الجوفية لإدامة محصول نقدي واحد غير غذائي، مما يفاقم خطر انعدام الأمن المائي والغذائي في البلد على المدى البعيد.
استنزاف المياه ليس مصدر القلق الوحيد المرتبط بزراعة القات، ففي الفترات الأخيرة، أصبح الاستخدام غير المنضبط للمبيدات في اليمن مصدراً متصاعداً للقلق والجدل العام، لا سيما بفعل التقارير التي تركز على تزايد استخدام المبيدات والمواد الكيميائية السامة في زراعة القات؛ إذ يستخدم المزارعون المواد الكيميائية لمكافحة الآفات وتسريع النمو وتغيير لون أوراق القات لرفع قيمتها السوقية. زعم ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً أن كثيراً من المبيدات المستخدمة مجهولة المصدر ومصنفة في أنحاء أخرى من العالم ضمن المواد المسرطنة، وحذّر مزارع محلي في صنعاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي من استخدام مبيد مهرّب محظور دولياً على القات، زاعماً أنه يرفع الغلة بدرجة كبيرة لكنه ينطوي على مخاطر صحية مسرطنة جسيمة، كما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور تُظهر مياه ري زاهية الألوان مشبعة بالمبيدات الكيميائية، وتصفها بأنها «سم بطيء» يطال المستهلكين، وتزعم أن استخدامها مرتبط بارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان. تتجاوز هذه المخاوف زراعة القات، إذ تُستخدم المبيدات على نطاق واسع في زراعة الفواكه والخضروات، وفي بلد يعاني أصلاً من انعدام الأمن الغذائي ومحدودية الإنتاج الغذائي المحلي، يتنامى القلق على صحة المستهلك وسلامة الغذاء.
تتم مناولة المواد الكيميائية شديدة السمية مباشرةً في الغالب ومن دون تدابير وقائية، مما يفضي إلى مخاطر صحية جسيمة على المزارعين ومتعاطي القات وبقية أفراد المجتمع، وقد أفاد كثير من اليمنيين بمعاناتهم من مشكلات هضمية وتنفسية ووهن جسدي عام. يرفع تعاطي القات بعد الرش مباشرة درجة التعرضَ المباشر لهذه المواد الضارة، وهذا يكشف عن عبء متنامٍ على الصحة العامة مرتبط بتعاطي القات، لكنه لا يحظى بالاعتراف الكافي.
لطالما كان إسهام القات في التدهور البيئي ومخاطر الصحة العامة مصدر قلق، لكن القات يظل أيضاً مصدر دخل بالغ الأهمية، لا سيما في ظل الاضطراب الاقتصادي والصراع، وستستمر زراعة القات ما دام يوفر عوائد أعلى وأكثر موثوقية من غيره من المحاصيل، ومن المرجح أن تستمر زراعته في التوسع، خاصة في ظل استمرار عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. تتطلب معالجة أزمة القات تحولاً جذرياً في السياسات والحوافز، وهذا لن يبدأ إلا بالاستثمار في إدارة شاملة للمياه تعطي الأولوية للاستخدامات المنزلية والزراعية المستدامة، لا سيما فيما يتعلق باستخراج المياه الجوفية. بموازاة ذلك، يجب على الحكومة الحد من توسع القات والسعي إلى التنويع الزراعي، بالتحول نحو محاصيل أعلى دخلاً وآمنة غذائياً عبر استثمار طويل الأمد في البحث والوصول إلى الأسواق.
نظراً للمخاطر الصحية المحدقة بالسكان، تبرز الحاجة الملحة إلى إطلاق حملات توعية عامة تُعرّف اليمنيين بمخاطر التعرض للمبيدات، ويجب أن تقترن هذه الجهود بتعاون ومساءلة على الصعيدين الإقليمي والدولي للتصدي لتهريب المبيدات غير القانونية عبر الحدود، وتأمين تمويل دولي لمبادرات التنمية المستدامة.
باحث أول (البيئة والمياه)