التطورات السياسية والدبلوماسية
المجلس الانتقالي الجنوبي يعود إلى المشهد السياسي
يشق المجلس الانتقالي الجنوبي طريقه عائداً إلى قلب الحياة السياسية اليمنية، بعد محاولته الكارثية للسيطرة على حضرموت في ديسمبر الماضي، فرغم إعلان حل المجلس وفرار رئيسه عيدروس الزُبيدي، ما يزال يحظى بتأييد داخلي ملحوظ، سواء في أوساط الجمهور أو لدى القوات المرتبطة به. أعاد المجلس فتح مقاره المحلية في مختلف أنحاء البلاد، ونظّم تجمعات عديدة دعماً لانفصال الجنوب، وبات أكثر انتقاداً للدور السعودي، إذ تعمل الرياض على إعادة تنظيم القوات الموالية للحكومة واستمالة وحدات عسكرية سعياً للحد من نفوذ المجلس، ويرجح أن شعبية تجمعات المجلس وقدرته على تأجيج المشاعر المناهضة للسعودية قد تعززتا بفعل استمرار انقطاعات الكهرباء ونقص الوقود في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، والتأجيل إلى أجل غير مسمى للحوار الجنوبي الموعود في الرياض لمعالجة مشاكل الجنوب المزمنة وتطلعاته السياسية، فاهتمام الرياض منصرف اليوم كلياً إلى ملفات أخرى، فيما يظل الاستياء الجنوبي يغلي تحت السطح.
لم تخلُ إعادة التحشيد السياسي للمجلس من حوادث، ففي أول أبريل، عطّل موالون للمجلس تجمعاً مؤيداً للسعودية في مدينة المكلا الساحلية، ما أدى إلى مواجهات بين المتظاهرين، وتصاعد الموقف في 4 أبريل بعدما نزل عشرات الموالين للمجلس إلى شوارع المكلا رافعين علم الجنوب وصور الزُبيدي، رغم انتشار قوات الأمن في أنحاء المدينة والتحذيرات الرسمية من التجمعات العامة. أسفرت المواجهات التي أعقبت ذلك عن مقتل اثنين على الأقل من أنصار المجلس.
أول أبريل، أعاد المحتجون فتح مبنى الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي في عدن بالقوة، بعد أن كانت القوات الحكومية قد أغلقته، واستأنف مسؤولون محسوبون على المجلس عقد اجتماعاتهم الدورية فيه، كما تواصلت الاجتماعات في مقار الفروع في لحج وأبين والضالع. يُعتقد أن الزُبيدي موجود في الإمارات، الراعية التقليدية للمجلس، ويرجّح بعض المراقبين أن وجوده هناك لم يؤكد حتى لا يسبب حرجاً لمضيفيه الذين قد يُتهمون بإيواء مطلوب دولي، إذ اتهمت حكومة اليمن المعترف بها دولياً الزُبيدي بالخيانة العظمى في يناير.
طموحات المجلس السياسية المعلنة بإحياء دولة الجنوب ليست وحدها موضع الخلاف، بل كذلك الموارد التي كان يتحكم بها عبر أذرعه العسكرية المختلفة؛ ففي الضالع، مسقط رأس الزُبيدي وأحد معاقل تأييد المجلس، اقتحم مسلحون موالون للمجلس مقر السلطة المحلية في 19 أبريل، بعدما أمر المحافظ أحمد القبة بإزالة النقاط التي تديرها قوات محسوبة على المجلس وتجبي إتاوات غير قانونية، كما اجتمعت القيادة العسكرية المحلية في المحافظة وجددت رفضها التعاون مع جهود الحكومة الرامية إلى إعادة هيكلة قواتها (انظر «التطورات العسكرية والأمنية»). ليس واضحاً ما إذا كان المجلس لا يزال يتلقى تمويلاً ودعماً من الإمارات، ولا مدى ذلك، غير أن ما تقوده السعودية من إعادة تنظيم للقوات الحكومية وضبط لهياكلها – إلى جانب دفعها رواتب العسكريين – يمثل عقبة مؤسسية كبرى أمام إعادة تشكيل المجلس الانتقالي نفسه قوةً سياسية وعسكرية وازنة. بالمقابل، قد تفضي أي إدارة خاطئة للملف إلى مزيد من التعبئة؛ فالحراك الجنوبي الذي نشأ بعد العام 1994، قام على مظلمة مشابهة، إذ أدت إعادة تنظيم القوات بعد الحرب الأهلية إلى تسريح كثير من الجنود الجنوبيين أو تهميشهم أثناء إعادة هيكلة الجيش.
أوفد المجلس وفداً برئاسة عمرو البيض إلى الولايات المتحدة بحثاً عن الدعم، حيث التقى مسؤولين في الحكومة الأمريكية وممثلين عن مراكز أبحاث يمينية مؤيدة لإسرائيل، وخلال لقاء لأنصار المجلس المقيمين في الولايات المتحدة، شارك الزُبيدي عبر الهاتف، فتعهد في كلمة مقتضبة بمواصلة السعي لتحقيق القضية الجنوبية، وقد دأب المجلس على تقديم نفسه للغرب بوصفه حصناً في وجه تنظيم القاعدة وسائر الجماعات المتطرفة في اليمن، ومستعداً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، على غرار حلفائه الإماراتيين.
تبدو شعبية المجلس المستمرة في الداخل جلية، على الأقل في مناطق تأييده التقليدية، فقد احتشد آلاف الأشخاص في ساحة العروض بمديرية خور مكسر في عدن لإحياء ذكرى تأسيس المجلس في 4 مايو، وأعلن المجلس لاحقاً أنه سيغيّر اسمه إلى «المجلس الانتقالي الجنوبي العربي»، انسجاماً مع رؤيته لدولة جنوبية منفصلة تحمل اسم الجنوب العربي، وفي كلمة بهذه المناسبة، دعا الزُبيدي إلى المقاومة السلمية، لكنه حذّر أيضاً من حل التشكيلات الجنوبية المسلحة، قائلاً إنها الضامن الوحيد في مواجهة الإرهاب، وإن القضية الجنوبية يجب أن تُعالج بما يلبي تطلعات شعب الجنوب.
في مواجهة التعبئة المتصاعدة، سعت الحكومة إلى تضييق الخناق المالي على المجلس. ففي 17 يونيو، أصدر النائب العام قاهر مصطفى قراراً بالحجز التحفظي على جميع أموال المجلس وحساباته لدى البنوك ومحلات الصرافة وسائر المؤسسات المالية (انظر «التطورات الاقتصادية»). ودعا مندوب اليمن لدى الأمم المتحدة عبدالله السعدي مجلسَ الأمن إلى إدراج الزُبيدي على قائمة عقوباته لعرقلته التوصل إلى تسوية سياسية. فيما وصف المتحدث باسم المجلس أنور التميمي هذه الإجراءات بأنها خطوة تمهيدية من الرياض لتسهيل اتفاق مع الحوثيين.
رغم ذلك، واصل المجلس حراكه الاحتجاجي؛ ففي 20 يونيو، نظّم أنصاره مظاهرات جديدة في عدن وحضرموت رفضاً لما وصفوه بـ«الوصاية» و«الاحتلال» السعوديين، وبات قادة المجلس يتحدون الرياض علناً؛ إذ أعلن رئيس فرع المجلس في الضالع عبدالله مهدي: «انتم معاكم سلاح واحنا معانا سلاح معكم عربات ومعنا عربات…».
مع انشغال السعودية اليوم بالتصعيد الحوثي، يبقى من غير الواضح متى سيُعقد الحوار الجنوبي، أو ما إذا كان سيُعقد أصلاً، فإعادة هيكلة القوات العسكرية الموالية للحكومة مسعى سياسي معقد، وقد تدهور تقديم الخدمات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة في وقت دفعت فيه اضطرابات سلاسل الإمداد أسعارَ الواردات إلى الارتفاع، ومن دون دعم واهتمام مستمرين من الرياض، تنذر هذه العوامل مجتمعة باستمرار تعبئة المجلس الانتقالي.
صفقة تبادل الأسرى معلقة
في 14 مايو، وقّع ممثلو الحوثيين والحكومة اتفاقاً لتنفيذ أكبر عملية تبادل للأسرى في تاريخ الصراع، بعد 14 أسبوعاً من المفاوضات في عمّان. ستشمل الصفقة ما مجموعه 1680 محتجزاً، إذ وافق الحوثيون على الإفراج عن 580 أسيراً، بينهم سبعة سعوديين و20 مواطناً سودانياً، مقابل 1100 أسير مرتبط بالحوثيين لدى القوات الحكومية، وكما في عمليات التبادل السابقة، ستشرف اللجنة الدولية للصليب الأحمر على التنفيذ. كانت آخر عملية تبادل قد جرت في أبريل 2023، حين اتفق الجانبان على الإفراج عن نحو 900 أسير، وأصدرت الأمم المتحدة بياناً منسوباً إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش، هنأ فيه الطرفين على التوصل إلى اتفاق وحثهما على العمل على تنفيذه في أسرع وقت ممكن.
رغم الحماسة الأولية للصفقة، انقضى الموعد المتفق عليه لتنفيذ الصفقة وسط تبادل للاتهامات بين الطرفين، وزاد تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر من تعقيد أجواء المفاوضات، حيث أُرجئت عملية التبادل إلى أجل غير مسمى، رغم تأكيد الأمم المتحدة أن الطرفين ما يزالان ملتزمين بإتمامها.
كانت التصريحات الأولى بشأن الصفقة إيجابية. ففي 21 مايو، صرّح رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى والمفقودين لدى الحوثيين عبدالقادر المرتضى بأن اتفاقاً قد أُبرم، وأنه تقرر تنفيذه في 10 يوليو، وقال إن العدد الأكبر من الأسرى سيُفرج عنهم من الجبهات القريبة من مأرب، يليهم المحتجزون في السجون السعودية، فالجبهات الجنوبية، فالمناطق الساحلية، فتعز، ووصف المرتضى الصفقة بأنها خطوة إنسانية كبرى يمكن أن تمهد الطريق لمزيد من التقدم في هذا الملف.
سرعان ما عادت قضايا مألوفة لتعقّد الصفقة، فقد ظل مصير القيادي البارز في الإصلاح محمد قحطان، المخفي قسراً منذ عام 2015، نقطة خلاف عالقة لدى حزب الإصلاح في جولات متعاقبة من مفاوضات تبادل الأسرى، وسعياً لمعالجة هذه المخاوف، أُرسلت عينة من رفات بشرية يزعم الحوثيون أنها تعود لقحطان إلى الخارج لإخضاعها لفحص مستقل، وخلص مسؤولو حزب الإصلاح إلى أن نتيجة القضية غير حاسمة، قائلين إن الرفات غير مكتملة.
اعتقل قحطان في فبراير 2015، بذمار وهو في طريقه إلى عدن للالتحاق بالرئيس هادي الذي كان قد فرّ إليها من صنعاء، ووُضع قيد الإقامة الجبرية حتى 5 أبريل، حين اقتاده مسلحون بلباس مدني إلى جهة مجهولة. يُعد قحطان من أبرز الشخصيات السياسية اليمنية، إذ تقلد مناصب عدة داخل الحركة الإسلامية اليمنية، وقاتل إلى جانب الحكومة ضد الجبهة الوطنية الديمقراطية اليسارية حتى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ثم انضم إلى حزب الإصلاح عند تأسيسه عام 1990، وتولى رئاسة الدائرة السياسية في الحزب. أسهم مع قادة معارضين آخرين في تأسيس تكتل أحزاب اللقاء المشترك مطلع العام 2003، وهو أهم ائتلاف معارض في تاريخ اليمن المعاصر. أدى انتظار نتائج الفحص، إلى جانب توتر الوضع الأمني، إلى تأخير تنفيذ عملية التبادل، وكما في المفاوضات السابقة، استغل الجانبان التأخير لتبادل توجيه أصابع الاتهام.
أثارت شائعات عن شمول الصفقة أفراداً متورطين في اغتيالات سياسية وهجمات إرهابية انتقاداتٍ في مختلف المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، وكان أكثر ما أثار الجدل إدراج المشتبه بهم في مقتل القائد العسكري البارز ثابت جواس في مارس 2022، الذي تعده بعض الأوساط اليمنية بطلاً وطنياً لارتباطه بمقتل مؤسس حركة الحوثيين. توجه رجال قبائل من ردفان، المنطقة التي ينحدر منها جواس، إلى عدن مبررين ذلك بمنع الإفراج عن المتهمين باغتياله، وأفيد بأن أبناء قبائل ردفان اجتمعوا في عدن بتاريخ 8 يوليو، ودعوا إلى مسيرة نحو مقر الحكومة، وانضم مسلحون موالون للمجلس الانتقالي إلى التحشيد، وتوجه المشاركون نحو ساحة العروض بمديرية خور مكسر. وانسحبت الحشود في اليوم التالي بعد تلقيها تطمينات بعدم الإفراج عن المشتبه بهم.
قبائل تحتشد في الجوف
أواخر يونيو، شهدت منطقة الريان بمحافظة الجوف انطلاق واحد من أكبر التجمعات القبلية التي شهدها اليمن في السنوات الأخيرة، بعد دعوة وجهها الشيخ القبلي حمد بن فدغم إلى القبائل للاحتشاد نصرةً له، احتجاجاً على انتهاكات قال إن الحوثيين ارتكبوها بحقه.
قبل ذلك بشهر، لجأت إلى بن فدغم امرأة تدّعي أنها ميرا صدام حسين، ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وقصّت خصلة من شعرها، وهي عادة قبلية يمنية تستجير بها المرأة طلباً للحماية أو احتجاجاً على ظلم، بحيث يصبح من واجب من لجأت إليه وقبيلته حمايتها، ورافقها بن فدغم إلى صنعاء لحل نزاعها مع الحوثيين، إذ ادعت أن أشهر تجار السلاح في اليمن، فارس مناع المتحالف مع الحوثيين، استولى على فيلتها وعلى وثائق تثبت هويتها، واضطر مناع إلى الظهور علناً في إطلالة نادرة لنفي هذه المزاعم.
عقب ذلك، اعتقل الحوثيون بن فدغم والمرأة وسجنوهما في صنعاء؛ غير أن الاعتقالين أثارا موجة استياء واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، دفعت وزارة الداخلية التابعة للحوثيين إلى إصدار بيان رسمي ينفي مزاعم المرأة، فيما نشرت سلطات الحوثيين نتيجة فحص للحمض النووي قالت إنها تثبت أنها مواطنة يمنية مقيدة باسم سمية أحمد محمد عيسى الزبيري.
أُفرج لاحقاً عن بن فدغم بوساطة قبلية، فيما بقيت المرأة رهن الاحتجاز، وغادر بن فدغم مناطق سيطرة الحوثيين إلى مناطق قبيلة بني نوف، طالباً حمايتها ودعمها في الضغط على الحوثيين للإفراج عن المرأة، وردّ اعتباره ممن يُزعم أنهم أساؤوا إليه وهددوه خلال سجنه. تصاعد النزاع، الذي تحول إلى قضية رأي عام، بعدما أعلن بن فدغم النكف القبلي، وهو دعوة إلى التعبئة واستنهاض القبائل الأخرى نصرةً له، وشهدت منطقة الريان في الجوف لاحقاً تلبية الآلاف من رجال القبائل للنداء.
سرعان ما اكتسب التجمع بعداً سياسياً، إذ أخذت أحزاب سياسية توظف الحدث منبراً لتحدي سلطات الحوثيين، وأولت وسائل الإعلام المحسوبة على الإصلاح اهتماماً خاصاً بتغطية الحدث وحشد أنصارها، وقد اتهم القيادي الحوثي محمد البخيتي الرياض بتحريض المشاركين بهدف التنصل من التزاماتها تجاه السلام في اليمن، أما بن فدغم، فأكد أنه لا دافع سياسياً لديه، وأنه لا يريد لقضيته أن تُسيَّس.
يُعد هذا الزخم الهائل من التأييد لبن فدغم، في تحدٍّ لسلطات الحوثيين، أمراً نادراً، فالتعبئة القبلية شائعة نسبياً في النزاعات مع سلطات الحكم، ولكن ليس على هذا النطاق، وقد تعكس شعبيتها توترات أوسع بشأن طريقة تعامل الحوثيين مع القبائل. شهد العام الجاري احتجاجات أخرى على ممارسات سلطات الحوثيين، وإن لم يكن أي منها بهذا الحجم، ففي مطلع فبراير، أعلنت أسرة آل فاضل، المنحدرة من وسط اليمن، نكفاً قبلياً مماثلاً، وأمهلت الحوثيين أسبوعاً للإفراج عن سجينين محتجزين بصورة غير قانونية منذ أكثر من 12 عاماً، وقد أُفرج عن الرجلين لاحقاً. في يونيو، وبعد اعتقال الحوثيين سيفَ الشهري، ظهر شقيقه عبدالحميد الشهري في منشور على فيسبوك، حُذف لاحقاً، يهدد فيه بتصعيد قبلي ويتهم رئيس استخبارات الشرطة علي حسين الحوثي بالبلطجة. لاحقا أعلن الإفراج عن شقيقه، وشكر قيادة الحوثيين على تدخلها، وقد ظهر عبدالحميد مؤخراً في طهران مشاركاً ضمن وفد الحوثيين في مراسم العزاء بالمرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي، فيما بدا مسعىً لاسترضائه وتفادياً للانشغال بنزاعات متزامنة مع عدة قبائل.
لا شك أن الحوثيين يرون في تجمع الريان تهديداً لموقعهم في مأرب والجوف، وقد دفعوا بتعزيزات كبيرة إلى المنطقة، كما استنفر الحوثيون وجهاء من قبيلة أرحب التي يزعمون أن المرأة تنتمي إليها.
تجمع الريان بدوره شهد انقسامات داخلية؛ فمع مرور الأسابيع، برزت خلافات بين المنظمين، وتصاعد التوتر بعدما اقترح بن فدغم إنشاء تحالف للقبائل اليمنية يجمع التبرعات عبر بنك الكريمي، ورفض شيوخ القبائل المقترح بحجة أن الغرض المعلن من النكف لم يكن إقامة تحالف أو جمع تبرعات. كما رفض بنك الكريمي، بحسب ما أفيد، مقترح استخدام أحد حساباته لهذا الغرض، موضحاً أن الحساب الشخصي لا يمكن أن يُستخدم لإدارة أنشطة تنطوي على مبالغ بهذا الحجم، واستغل خصوم بن فدغم الواقعة للنيل من النكف والإيحاء بأنه كان يسعى إلى التربح منه؛ فمن المبادئ التي تحكم النكف في الأعراف القبلية أن تتكفل القبائل المشاركة بأفرادها.
تأزمت الأمور أكثر بعد انتشار سلسلة تسجيلات صوتية منسوبة إلى بن فدغم في المخيمات، زُعم أنه يدعو فيها رجال القبائل إلى التحرك نحو اليتمة في مديرية خب والشعف لمواجهة قوات الحوثيين. نفى بن فدغم صحة التسجيلات. في 14 يوليو، حاول مسلحون مجهولون اغتيال الشيخ القبلي حسين الصلاحي اليافعي، غداة إلقائه كلمة في المخيم قيل إنها تضمنت انتقادات لاذعة لأطراف عدة.
ليس واضحاً كم يمكن أن يستمر التجمع، ولا ما ستُقدم عليه القبائل المحتشدة إذا لم يُلبَّ مطلبها بالإفراج عن المرأة، فلا يبدو أن ثمة خطة واضحة، وقد قال بن فدغم إن أي قرار يجب أن ينتظر اكتمال وصول القبائل وصدور إعلان مشترك نهائي حاسم، غير أن اجتماع آلاف المسلحين، وتعزيز الحوثيين للجبهات القريبة (انظر «التطورات العسكرية والأمنية»)، والتصعيد الإقليمي، كلها عوامل تثير المخاوف بشأن مستقبل النكف واحتمالات اندلاع العنف.
تطورات أخرى موجزة
سيول قاتلة
تسببت الأمطار الغزيرة التي بدأت أواخر مارس بفيضانات مميتة في مختلف أنحاء البلاد، إذ أفيد عن مقتل 24 شخصاً في تعز، وتشير التقديرات إلى تضرر نحو 84 ألف شخص، لا سيما النازحين داخلياً في المناطق المعرضة للفيضانات. كما ألحقت الفيضانات أضراراً بالأراضي الزراعية والمحاصيل والثروة الحيوانية، ولوثت مصادر المياه جراء جريان السيول وتضرر شبكات الصرف الصحي.
الحوثيون يواصلون المحاكمات بتهم التجسس
في 29 أبريل، نشرت وزارة الداخلية التي يديرها الحوثيون اعترافات جديدة منسوبة إلى أعضاء في شبكة تجسس مزعومة تعمل لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية. بحسب البيان، تورطت الشبكة في جمع معلومات حساسة وتحديد إحداثيات مواقع مدنية وأمنية وعسكرية رئيسية، وهو ما مكّن، بحسب زعمه، من شن غارات جوية أوقعت ضحايا. في 17 مايو، حكمت محكمة خاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء بإعدام 19 شخصاً وسجن تسعة آخرين في قضية تشمل 28 متهماً بمساعدة التحالف بقيادة السعودية، وتشكيل جماعة مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة، وقد اتُّهم هؤلاء بالالتحاق بمعسكرات تدريب في الضالع والمخا بين عامي 2015 و2023، وتنفيذ هجمات ضد مدنيين وقوات أمنية. في 28 يونيو، عقدت المحكمة الجزائية المتخصصة بصنعاء جلسات في قضيتي تجسس وأمن كبريين تشملان أحكاماً بالإعدام بحق 52 متهماً؛ تتعلق إحداهما بتعاون مزعوم مع الاستخبارات البريطانية والسعودية، والأخرى باغتيالات وتفجيرات في ذمار.
اغتيالات في عدن
اغتيل وسام قائد، القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، في عدن في 3 مايو، في هجوم صادم تردد صداه في أوساط العاملين في مجالي التنمية والعمل الإنساني. وأعلن رئيس الوزراء شائع الزنداني فتح تحقيق في الجريمة، فيما قال المبعوث الأممي الخاص هانس غروندبرغ إن إرث قائد سيبقى حياً، داعياً إلى المحاسبة. اختطف قائد قرب منزله ثم قُتل في مكان آخر، وجاء اغتياله عقب اغتيال عبدالرحمن الشاعر، رئيس مجلس إدارة مدارس النورس النموذجية والشخصية المهمة في حزب الإصلاح، الذي قُتل رمياً بالرصاص داخل سيارته في عدن وهو في طريقه إلى عمله.
مبادرات سياسية جديدة في حضرموت
في 14 مايو، حضر عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت سالم الخنبشي عرضاً عسكرياً في سيئون تزامن مع الإعلان عن حزمة جديدة من التدابير الإدارية والعسكرية. قال الخنبشي إنها «ستعزز الأمن والاستقرار في المحافظة»، ومن بين المقترحات إنشاء قيادة مشتركة وهيئة سياسية باسم «المجلس الأعلى لتنسيق القوى والمكونات الحضرمية»، تهدف إلى جمع الأصوات القبلية والسياسية والعسكرية والاجتماعية المحلية تحت مظلة حضرمية واحدة. اقترح محافظو محافظات جنوبية أخرى، مثل أبين وشبوة، كيانات مماثلة في إطار مسعى أوسع مدعوم سعودياً لإضعاف نفوذ المجلس الانتقالي في الجنوب. خلال السنوات الأخيرة، حاولت الرياض مراراً، بنجاح محدود، إنشاء تكتلات سياسية بديلة في حضرموت، من بينها مجلس حضرموت الوطني الذي أُطلق عام 2023، وفي 16 مايو، عقد رئيس حلف قبائل حضرموت عمرو بن حبريش اجتماعاً عن بُعد مع قادة من الجناح العسكري للحلف، قوات حماية حضرموت. وأعلن بن حبريش خلال الاجتماع أن المحافظة مقبلة على «مرحلة جديدة» تركز على الأمن والاستقرار والمساعي نحو الإدارة الذاتية. قدّم بن حبريش – الذي كان يوماً من أشد المتحمسين لحكم ذاتي في حضرموت تحت قيادته – هذه المرحلة الجديدة بوصفها مشروعاً يُنسَّق مع السعودية ويقوده المحافظ الخنبشي، غير أن بن حبريش موجود حالياً في السعودية، وسط تقارير متضاربة بشأن ما إذا كان ممنوعاً من مغادرة المملكة.
وفاة الرئيس السابق هادي عن 80 عاماً
في 28 مايو، توفي الرئيس السابق عبدربه منصور هادي في الرياض. كان هادي، الذي أمضى عقوداً في السلك العسكري وفرّ من جنوب اليمن بعد الحرب الأهلية عام 1986، قد عُيّن نائباً للرئيس علي عبدالله صالح عقب حرب صيف 1994 التي وقف فيها إلى جانب القوات الموالية لصالح، وانتُخب رئيساً انتقالياً في اقتراع غير تنافسي خلال مرحلة الانتقال السياسي في اليمن عقب انتفاضة 2011، لكنه اضطر إلى الفرار من البلاد بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء. بعد التدخل العسكري بقيادة السعودية عام 2015، ظل هادي رئيساً لكنه أمضى معظم وقته في السعودية، وفي أبريل 2022، نقل صلاحياته التنفيذية إلى مجلس القيادة الرئاسي في الرياض، ونعاه العشرات من الشخصيات السياسية اليمنية والقيادات الأجنبية، فيما أعلنت الحكومة الحداد الوطني، ودُفن هادي في الرياض.
عدن تستضيف مؤتمراً حول اللامركزية
استضافت عدن «مؤتمر الشراكة والتكامل بين الحكومة والسلطات المحلية» الذي اختتم أعماله في 16 يونيو. قال رئيس الوزراء شائع الزنداني في كلمته الافتتاحية إن المؤتمر يهدف إلى تصحيح العلاقات ومعالجة الاختلالات السابقة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية، وفقاً للدستور والقانون، وأضاف أن إدارة الموارد هي القضية الجوهرية، إذ تجاوزت بعض المحافظات صلاحياتها المالية والإدارية واستغلت الظروف التي تمر بها البلاد.
محرر وباحث
محرر سابق
محرر القسم العربي، باحث