يتميز اليمن بموقع جغرافي فريد عند ملتقى قارتي آسيا وأفريقيا، وقد جعله هذا الموقع الاستراتيجي عبر التاريخ ملتقىً لحضارات متعددة، مما أفرز مشهدًا ثقافيًا غير ماديٍّ فريد ومتحرك، يتجلى في تقاليد شفهية غنية، وممارسات اجتماعية متشعبة، وأشكال تعبير فني متنوعة. تواصل الطقوس والمهرجانات والعادات والتقاليد والأعراف القبلية والمجتمعية حتى اليوم، تشكيلَ حياة اليمنيين اليومية، لتُمثّل إرثًا ثقافيًا حيًا يتوارثه الأجيال جيلًا بعد جيل، وقد أفرز التنوع الواسع في اللهجات العربية المتداولة في اليمن، إلى جانب اللغات الأصيلة كالمهرية والسقطرية المستخدمتين حتى اليوم، تراثًا شفهيًا وكتابيًا ثريًا يحفظ الموروث العريق عبر الشعر والأمثال والحكايات الشعبية.
كما تتجذر الرقصة والغناء والموسيقى في النسيج الثقافي اليمني، إذ تمتلك كل منطقة تقاليدها الموسيقية والغنائية الخاصة، وقد أُدرج كل من الغناء الصنعاني والدان الحضرمي في قوائم اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي. تبرز قدرة اليمنيين على التعبير الفني أيضًا في الحرف اليدوية ودقة الصنعة، وكثيرًا ما تتوارث الأسر المتخصصة هذه المهارات جيلًا بعد جيل، كصناعة الجنبية — الخنجر التقليدي الذي يرتديه الرجال اليمنيون — كذلك تشهد العمارةُ الطينية الشاهقة في اليمن على مستوى رفيع من الحرفية، ولا سيما في حضرموت والمباني التاريخية في صنعاء القديمة. تواصل المعرفة التقليدية، المستمدة من الملاحظة الدقيقة للبيئة والطبيعة، توجيهَ المجتمعات الريفية، خاصةً في مجالات الطب الشعبي والزراعة المستدامة وعلم الفلك الزراعي.
اليوم، يتعرض هذا الإرث الثقافي الغني للتقويض، فيما تُتجاهل التهديدات التي تهدد بقاءه، وتسعى الجماعات المسلحة بصورة متصاعدة إلى محو التراث الثقافي للمجتمعات اليمنية، كما يهدد تهجيرُ آلاف اليمنيين من أرض أجدادهم استمراريةَ موروثات وممارسات عريقة امتدت لقرون، فيما تعوق المحدوديةُ المؤسسية الهشة والمتشظية جهودَ تثمين هذا التراث النفيس وصونه.
حرب ضد الثقافة
طوال العقد الماضي، ألقى الصراع المستمر وحالة عدم الاستقرار بظلال ثقيلة على التقاليد الثقافية في البلاد. شمل ذلك النهبَ الممنهج للمؤسسات المعنية بصون هذا الإرث، كنهب أقدم التسجيلات اليمنية من مركز التراث الموسيقي اليمني في صنعاء. طالت الاستهدافاتُ أيضا محطاتِ الإذاعة التي كانت تحتفظ بتوثيقات قيّمة من الموسيقى اليمنية في مختلف أنحاء البلاد، ، وتعرضت لهجمات من أطراف متعددة في النزاع، من بينها جماعة الحوثيين (أنصار الله) في صنعاء وتنظيم القاعدة في المكلا. أُعيد توظيف الفضاءات الثقافية، كقلعة القاهرة التي كانت تحتضن مركزًا للحرف التقليدية، لتتحول إلى ثكنات عسكرية، كما دُمِّرت متاحف عدة في البلاد جراء غارات القصف، وتعرضت مبادرات بارزة كبيت الموروث الشعبي الذي أسسته أروى عثمان، في صنعاء، للاعتداء.
بالنظر إلى التأثير العميق للحرب على التراث الثقافي الحي، فإن هذا الجانب نادرًا ما يستأثر باهتمام يليق به؛ فمنذ اندلاع الصراع، سعى كل طرف إلى تكريس شرعيته بفرض ثقافة لون واحد على جميع شرائح المجتمع، عبر القضاء على الممارسات التي تُمثّل ركيزة الهويات الثقافية والدينية والعرقية. في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، تتفشى مثل هذه المحاولات التشويهية بصورة لافتة، وتشمل: تجريم الغناء والموسيقى، ومضايقة الفنانين، وإصدار قوانين وتوجيهات تمس ثقافة الجماعات الأخرى وهويتها، كفرض قواعد لباس بعينها، وتقنين احتفالات الأعراس، وحظر ممارسات دينية كصلاة التراويح، بحجة أنها تجليات للنفوذ الوهابي في اليمن.
بالمقابل، بينما تسعى السلطات الحوثية إلى اجتثاث ممارسات بعينها، تعمل في الوقت ذاته على تعزيز ممارسات أخرى، وذلك في المقام الأول عبر فرض سمات ثقافية ودينية وعرقية تُعزز هويتها الخاصة. فقد أحيا الحوثيون عناصر من التراث الثقافي غير المادي كانت على وشك الاندثار، وأعادوا تقديمها في صيغة مشوهة لتوطيد سلطتهم. من أبرز الأمثلة على ذلك تحويل الاحتفال الشعبي بالمولد النبوي إلى فعالية رسمية كبرى، فقد اتسم هذا الاحتفال في الماضي بطابع روحي، يتجلى في حلقات الذكر التي تُقام في المساجد أو في البيوت بصورة خاصة؛ غير أن الحوثيين حوّلوه إلى مناسبة رسمية ضخمة ومهرجانات شعبية في الفضاء العام تتمحور حول التعبئة، كما قاموا بتحويل شعر الزامل الشعبي التقليدي إلى أناشيد تعبوية.
التراث الثقافي في المنفى
يُشكّل النزوح واسع النطاق تهديدًا إضافيًا لتماسك النسيج الاجتماعي اليمني، فقد أحدث التهجير القسري لمجتمعات يمنية بأسرها بسبب الحرب قطيعةً حادة بينها وبين موروثها الثقافي، إذ انفصلت عن جذور أراضي أجدادها التي شكّلت هويتها الثقافية. أعاد هذا النزوح رسم الخارطة الديموغرافية في اليمن، مما أفضى في الغالب إلى احتكاك ثقافي بين السكان المحليين والنازحين، وأذكى مخاوف متبادلة من ضياع الهوية أو فرض ثقافة غريبة. ما يُفاقم من خطورة الوضع أن نزوح المرأة، التي اضطلعت تاريخيًا بدور محوري في حفظ الممارسات المنزلية والمجتمعية في اليمن، قد أضعف استمرارية هذا الإرث بشكل بالغ، كما أفضت الحرب إلى موجة هجرة خارجية طالت في معظمها فئة الشباب، الذين سيواجهون مستقبلا ـــــــ على الأرجح ـــــــــ انقطاعًا عن تراثهم وتوقفًا في سلسلة انتقاله الثقافي. يُضاف إلى ذلك هجرة حاملي التراث الثقافي من فنانين شعبيين وتشكيليين وحرفيين مهرة ومشايخ قبليين، فضلًا عن هجرة كثير من الباحثين والمختصين في مجال صون التراث الثقافي غير المادي.
ثمة محاولات ومشاريع لإرساء مجتمع ثقافي يمني في المهجر، تجلّت في افتتاح مطاعم شعبية ومحلات للملابس التقليدية والمشغولات اليدوية والسلع المحلية كالبخور والجبن التعزي والسمن البلدي، بيد أن هذه المشاريع غالبًا ما تطغى عليها المصلحة التجارية، مما يُلقي بظلاله على أصالة العنصر الثقافي؛ إذ تجد تحت وطأة العرض والطلب ملابسَ شعبية بلمسات عصرية، وأطباقًا شعبية تُقدَّم على غرار المطابخ العالمية. علاوةً على ذلك، تفقد الصناعات والحرف التقليدية قدرًا كبيرًا من أصالتها جراء شحّ المواد الطبيعية المستخرجة من البيئة اليمنية، بل إن العادات والتقاليد ذاتها لا تسلم من تأثير ثقافة المجتمع المُضيف.
اتفاقية اليونسكو لعام 2003 بشأن التراث الثقافي غير المادي
خلال العام 2006م، صادقت اليمن على اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي (2003)، وتُرجمت هذه المصادقة بإصدار القانون رقم (9) لسنة 2006م، حيث وقّع على الاتفاقية باسم اليمن وكيل وزارة الثقافة للمصنفات والملكية الفكرية. تنفيذًا لأحكام الاتفاقية، صدر عام 2014م، قرار بتعيين وكيل لوزارة الثقافة يتولى قطاع التراث الثقافي غير المادي، غير أن أنشطة القطاع لم تُفعَّل على أرض الواقع حتى الآن.
تنص المادة السادسة عشرة من الاتفاقية على أنه «من أجل إبراز التراث الثقافي غير المادي على نحو أفضل للعيان، والتوعية بأهميته، وتشجيع الحوار في ظل احترام التنوع الثقافي، تقوم اللجنة، بناء على اقتراح الدول الأطراف، بإعداد واستيفاء ونشر قائمة تمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية». وتوضح الاتفاقية كذلك أن إدراج أي عنصر في القائمة التمثيلية يستلزم أن يكون موجودًا في أراضي الدولة المقدِّمة، وأن تمارسه الجماعات عبر الأجيال، وأن يتوارثه الخلف عن السلف، وأن يؤدي وظيفة اجتماعية معترف بها داخل ذلك المجتمع.
بسبب الحرب، فوّتت اليمن فرصة تسجيل عناصر عديدة تُمثّل جزءًا جوهريًا من تراثها الثقافي، إذ بادرت إليها دول مجاورة وسجّلتها في قوائمها الوطنية أو ضمن ملفات مشتركة دون مشاركة يمنية.
- المهارات والمعارف المرتبطة بزراعة حبوب البن الخولاني: سجّلته المملكة العربية السعودية في القائمة التمثيلية عام 2022م، على الرغم من أن المملكة كانت قد اقترحت في البداية تقديم ملف مشترك مع اليمن، إلا أن ذلك لم يتحقق.
- الهريس، طبق تقليدي من القمح المجروش المطبوخ باللحم: سُجِّل عام 2023م، كملف مشترك بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، على الرغم من انتشار هذا الطبق على نطاق واسع في مناطق يمنية عدة، من بينها حضرموت وتهامة.
- صناعة السمسمية وعزفها: سُجِّلت عام 2024م، كملف مشترك بين مصر والمملكة العربية السعودية، على الرغم من وجود دراسات أكاديمية تؤكد أن انتقال السمسمية إلى أفريقيا تمّ عبر اليمن.
- القهوة العربية رمز الكرم: سُجِّلت عام 2024م، كملف مشترك يضم الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وعُمان وقطر والأردن، وغابت اليمن — البلد الذي تعود إليه القهوة في أصلها التاريخي — عن هذا الملف.
- تقاليد الزفة (موكب الأعراس): سُجِّلت كملف مشترك يضم الإمارات وجيبوتي وجزر القمر والعراق والأردن وموريتانيا والصومال، وقد طلبت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) من اليمن الانضمام إلى الملف، غير أن الجهات اليمنية المعنية لم تتمكن من استيفاء المتطلبات الإجرائية.
بالمقابل، وعلى الرغم من إقصاء اليمن من عدد من هذه المبادرات، فإن عناصر من تراثها الثقافي غير المادي مُسجَّلة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، وتشمل:
- الغناء الصنعاني (2008)
- النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات (ملف مشترك) (2019)
- الخط العربي: المعارف والمهارات والممارسات (ملف مشترك) (2021)
- الفنون والمهارات والممارسات المرتبطة بالنقش على المعادن الثمينة (ملف مشترك) (2023)
- الحنّاء: الطقوس والجماليات والممارسات الاجتماعية (ملف مشترك) (2024)
في شهر ديسمبر، أُضيف الدان الحضرمي، الذي قدّمته مؤسسة حضرموت، إلى قائمة اليمن للتراث الثقافي غير المادي.
صون إرث ثمين: العقبات والفرص
أنشأت وزارة الثقافة صندوق التراث والتنمية الثقافية عام 2002، والذي تنص لائحة قرار إنشائه على أن من ضمن أهداف الصندوق الفقرة العاشرة «دعم إقامة المعارض والأنشطة والفعاليات الثقافية المحلية والدولية ذات الصلة بالموروث الثقافي والحضاري والتاريخي اليمني» كذلك نصت الفقرة الرابعة عشرة من قرار إنشائه على «الإسهام في دعم أنشطة المنظمات والجمعيات والمراكز الشعبية المتعلقة بجمع وحماية وصيانة التراث الثقافي والحضاري».
بلغ عدد الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني التي كان الصندوق يدعمها عام 2014م، أكثر من مئة منظمة، وقد انقطع هذا الدعم كليًا مع اندلاع الحرب، مما أدى إلى تعليق أنشطة معظم تلك المؤسسات بسبب شحّ التمويل. بالنسبة للمنظمات التي أفلحت في الصمود ومواصلة عملها، فقد اضطُرت إلى الإغلاق في مراحل متقدمة من الحرب تحت وطأة المضايقات المتواصلة، بما فيها الضغط على توجيه أعمالها وفق الإملاءات والتوجهات الأيديولوجية للحوثيين. تُلزَم منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال صون التراث الثقافي حاليًا بالحصول على تصاريح من الجهات الأمنية، ولا سيما في المناطق الخاضعة للحوثيين، وتُواجه صعوبات جمّة في تأمين التمويل من الجهات المانحة. حين يتوفر التمويل، يظل مشروطًا بموافقة أمنية، مع فرض رقابة على الأنشطة، مما يُفضي في الغالب إلى تشويهها لتنسجم مع أجندات الجماعات السياسية والثقافية.
بدوره، يدعم الصندوق الاجتماعي للتنمية، التابع لرئاسة مجلس الوزراء والمُنشأ عام 1997م، مشاريع التراث غير المادي المقدمة من المؤسسات والمنظمات عبر وحدة الموروث التابعة له، ويُنفّذ دورات وورش عمل لبناء قدرات تلك المؤسسات والمنظمات والأفراد. يُدير الصندوق كذلك برنامج تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر، الذي أسهم في دعم مؤسسات معنية بالحرف التقليدية. تعطّلت أنشطة الوحدة في بداية الحرب، ثم استأنفت بعض مهامها لاحقًا من خلال برنامج اليونسكو (النقد مقابل العمل)، الذي موّل سلسلة من المشاريع المتعلقة بصون التراث الثقافي غير المادي.
على مدى العقود الماضية، صدرت قوانين واتفاقيات دولية عديدة لحماية التراث الثقافي من تداعيات النزاعات المسلحة، غير أن كثيرًا من هذه الصكوك انصبّ تركيزها في معظمه على التراث الثقافي المادي، كاتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح، مع إيلاء اهتمام ضئيل أو معدوم لصون التراث الثقافي غير المادي.
في الحالة اليمنية، ينبغي للمؤسسات الرسمية المنوط بها صون التراث الثقافي غير المادي — وفي مقدمتها قطاع التراث الثقافي غير المادي في وزارة الثقافة — أن تضطلع بإجراءات صون فعلية وملموسة، تشمل إعداد جرود وطنية شاملة تستوعب كامل التراث الثقافي غير المادي اليمني. بالنسبة للعناصر التي سبق لدول أخرى تسجيلها، يمكن لليمن تقديم طلبات للانضمام إلى تلك الملفات لتصبح تسجيلات مشتركة، مع العمل في آنٍ واحد على إعداد ملفات ترشيح مستقلة للعناصر التراثية اليمنية وتقديمها إلى قوائم اليونسكو. تُعدّ هذه الخطوات ضرورة لا غنى عنها للحفاظ على هذا الإرث للأجيال اليمنية القادمة أينما كانت، وضمان ألا تندثر هذه الممارسات الثقافية الفريدة إلى غير رجعة.
هذا التحليل هو أحد إصدارات منتدى سلام اليمن – مبادرة تفاعلية بتيسير من مركز صنعاء تسعى إلى الاستثمار في بناء وتمكين الجيل القادم من الشباب والجهات الفاعلة في المجتمع المدني اليمني وإشراكهم في القضايا الوطنية الحرجة.