التطورات العسكرية والأمنية
إعادة الهيكلة بقيادة السعودية تختبر الولاءات العسكرية الجنوبية
تقود السعودية عملية إعادة الهيكلة للأجهزة العسكرية والأمنية التابعة للحكومة اليمنية، والتي بدأت في الأشهر الأولى من عام 2026، هذه العملية وضعت الولاءات العسكرية الجنوبية على المحك في الربع الثاني من العام، وشملت إعادة هيكلة واسعة للقيادات وأنظمة شؤون الأفراد وشبكات الإيرادات التي كانت خاضعة سابقا للمجلس الانتقالي الجنوبي المعلن حله، أو واقعة تحت الرعاية الإماراتية. أفضت إعادة الهيكلة إلى إقالة عدد من القادة من مناصبهم، وتقارب آخرين مع الرياض، واختفاء غيرهم عن الأنظار، فيما يعمل المسؤولون السعوديون وشركاؤهم في الحكومة اليمنية على تفكيك ما تبقى من الهياكل العسكرية للمجلس الانتقالي وإضعافها. قطعت المبادرة، أشواطاً كبيرة من نواحٍ عدة؛ فالقوات المسلحة اليمنية في طريقها إلى أن تصبح أكثر تنسيقاً من أي وقت مضى منذ بداية الصراع الجاري، بتسلسل قيادي أكثر مركزية، ونظام قيد موحد، ورواتب تُدفع بانتظام، لكن رغم هذه التغييرات، يظل الجيش اليمني بعيداً عن كونه جيشاً منظماً، فقد اندلعت مواجهات في مختلف أنحاء الجنوب مع رفض قادة التخلي عن مناصبهم وتصدي الموالين لهم لما يرونه أسلوب لي ذراع من جانب السعودية.
يمكن اعتبار الربع الأول من العام قصة ترسيخ السعودية سلطتها على القوات المسلحة اليمنية، بينما الربع الثاني كان مرحلة التنفيذ، فبعد أشهر من إعادة تعيين كبار المسؤولين الأمنيين على المستوى الوزاري، وإخضاع القوات المسلحة الجنوبية لإدارة اسمية من وزارتي الدفاع والداخلية، بدأت الرياض تحويل تركيزها نحو التغييرات في صفوف الأفراد على المستوى الميداني. كان من أكثر التغييرات أهمية في الأشهر الأخيرة تعيين قائد الفرقة الثانية عمالقة حمدي شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة في 30 أبريل. وقد جعلت جذور شكري القبلية الصبيحية الوازنة وحنكته العسكرية منه أحد أنجح القادة في قوات ألوية العمالقة المدعومة إماراتياً في السابق، وسيحتفظ بمنصبه القديم إلى جانب تعيينه الجديد. وإلى جانبه، يتولى محضار السعدي اليافعي الآن رئاسة أركان المنطقة، وعلي حسن الجهوري الردفاني رئاسة عملياتها. واختيار الرجال الثلاثة لقيادة المنطقة العسكرية الرابعة – التي تشرف على الجبهات والقواعد في معاقل المجلس الانتقالي السابقة في عدن ولحج وأبين والضالع وأجزاء من تعز – ليس أمراً هامشياً؛ فباختيارهم، وزّعت الرياض السلطة على ثلاث من أكثر الحواضن القبلية الجنوبية نفوذاً، ساعيةً إلى استرضاء رجال القبائل وأنصار المجلس الانتقالي، وضامنةً في الوقت نفسه امتثال القوات عبر وضع قائد سلفي موثوق على رأسها.
إلى جانب تعيين كبار القادة، تحاول الرياض أيضاً إعادة رسم طبيعة الجغرافيا العسكرية الجنوبية في اليمن من أساسها، ففي 21 أبريل، أصدرت هيئة العمليات المشتركة للقوات المسلحة الجنوبية، بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي أبو زرعة عبد الرحمن المحرمي، قراراً يهدف إلى إعادة تنظيم القوات الجنوبية ضمن ثلاثة محاور عمليات جديدة مقارّها في أبين ولحج والضالع: يضم أول هذه المحاور (محور عمليات أبين) وحدات من محوري أبين ويافع القائمين، وألوية مشاة شبوة، وعدداً من الوحدات الأصغر الأخرى؛ ويجمع الثاني (محور عمليات لحج) وحدات من ردفان وقاعدة العند الجوية ومناطق كرش والمسيمير وطور الباحة في لحج، إضافة إلى مناطق قريبة من باب المندب؛ أما الثالث (محور عمليات الضالع) فسيجمع الوحدات المنتشرة على الجبهات المحيطة بمديريتي الضالع ومريس في المحافظة.
في حين أن الأسباب الكاملة لهذه الخطوة ليست واضحة تماماً، فقد تكون محاولة لتفكيك ما عُرف تاريخياً بـ«المثلث» الجنوبي المؤلف من ردفان ويافع والضالع، فقد شكّلت هذه الكتلة السياسية والعسكرية العمود الفقري لحركة المقاومة الجنوبية في بداياتها، وما تزال تمثل عقبة كبرى أمام الجهود السعودية لمركزة السلطة العسكرية في عدن والمحافظات المحيطة بها، وبموجب الترتيب الجديد، ستُربط يافع عسكرياً بأبين وشبوة؛ وستُضم ردفان إلى الصبيحة وباب المندب؛ وسيُوجَّه الضالع شمالاً نحو مريس والمناطق المحيطة بها. هكذا يُدمج كل معقل سابق من معاقل المجلس الانتقالي في قيادة ذات نطاق جغرافي أوسع.
على المستوى التكتيكي، تساعد إعادة التنظيم على مواءمة القيادات مع التهديدات الفعلية في مواجهة هجوم حوثي محتمل، كما قد يأمل مسؤولون حكوميون أن تعالج حالة التشظي التي طالما ابتُليت بها القوات المسلحة اليمنية، إذ تعمل وحدات ذات مصالح متنافسة ضمن ألوية ومحاور وتشكيلات متداخلة بتسلسلات قيادية وولاءات سياسية غير واضحة، غير أن المفارقة أن هذه الخطوة قد تفاقم المشكلة ذاتها: فمحور الضالع المقترح يتعارض مع قرار لمجلس القيادة الرئاسي صدر عام 2025، بـ إنشاء المنطقة العسكرية الثامنة، التي يقع مقرها في مديرية قعطبة بالضالع، وتتولى المسؤولية عن جبهات مختلفة في المحافظة، وتدعم هذه الخطوات أول عملية إعادة انتشار كبرى للقوات البرية منتصف مارس، بعدما أُرسلت قوات دفاع شبوة إلى مديرية حريب في مأرب ومديريتي بيحان وعين في شبوة لتحل محل قوات ألوية العمالقة هناك.
لضمان اندماج جميع الجنود اندماجاً كاملاً في هياكل القيادة الجديدة والوزارات المعنية، مضت الحكومة قدماً في مبادرة الإحصاء البيومتري المقترحة مطلع العام الجاري. يهدف النظام الجديد أساساً إلى كبح الفساد عبر القضاء على ممارسة توظيف الجنود الوهميين الغائبين لتضخيم كشوف الرواتب، ومنع الجنود من التسجيل في أكثر من تشكيل بوقت واحد – وهي ممارسات واسعة الانتشار في ظل النظام القديم. على نطاق أوسع، تُخضع المبادرة أيضاً نظام رواتب الجيش لإدارة مركزية وتنزعه من أيدي القادة الأفراد، وقد ظل إنشاء قاعدة البيانات مطروحاً منذ سنوات، غير أن اعتراضات القادة والسياسيين المستفيدين من الفوضى عطّلت أي خطوات ملموسة نحو تحقيقه، وقد كان تنفيذ الإحصاء ناجحاً حتى الآن من نواحٍ عدة: إذ تقول مصادر محلية إن الجنود في عدن ولحج والضالع وأبين وتعز سجلوا جميعاً في النظام الجديد، غير أن احتجاجات عدد من الجنود المتذمرين من استبعادهم من نظام الدفع الجديد تُظهر أن عملية التسجيل بعيدة عن الكمال؛ ففي مديرية ردفان بلحج، على سبيل المثال، أسفر خلاف حول السماح لجنود من اللواء الخامس دعم وإسناد بتسجيل بصماتهم عن مقتل جنديين وخمسة مدنيين مطلع أبريل، وفي عدن، نظّم جنود احتجاجات أمام مبنى السلطة المحلية، زاعمين أن قادتهم استبعدوهم تعسفاً من عملية التسجيل.
إلى جانب فساد الرواتب، تعمل إعادة الهيكلة بقيادة السعودية أيضاً على كبح تدفق الإيرادات غير الرسمية إلى أيدي القادة الجنوبيين المنشقين وسائر الفاعلين الآخرين، فقد أعلنت الحكومة حملات منسقة في أبين ولحج والضالع لإزالة النقاط غير الرسمية التي تجبي إتاوات غير قانونية من المسافرين المدنيين وسائقي الشاحنات التجارية. وحاول المسؤولون الحكوميون عبثاً على مدى سنوات القضاء على هذه النقاط، لكن الجهود كانت في حالات كثيرة شكلية لا تعدو كونها استعراضاً أمام الرأي العام، وما جرى في الماضي من حملات جادة، واجه الكثير منها اعتراض قادة عسكريين احتجوا بأن قواتهم لا تحصل على تمويل كافٍ وتعتمد على الجبايات لتعمل بفعالية. هذه المرة، يبدو أن الحكومة تأمل بوقف الجبايات أيضاً إلى تجفيف الإيرادات التي كانت تتدفق إلى أيدي قادة المجلس الانتقالي الذين يديرون هذه النقاط، ولكن رغم التجاوب القوي الذي لقيته الحملة من المحافظين المحليين، يفيد سائقو الشاحنات والمسافرون بأن تغييرات كبيرة لم تحدث بعد، وأن الجبايات غير القانونية ما تزال منتشرة من عدن إلى تعز، ففي مايو، قاد محافظ أبين مختار الرباش شخصياً قوات أمنية في عملية لإزالة نقطة قرب مدينة زنجبار، انتهت بمواجهة عنيفة، وواجه مسؤولون أمنيون اعتراضات في مناطق أخرى أيضاً، ففي الضالع، اشتبكت قوات الأمن الوطني مع مسلحين قطعوا طريق عدن–صنعاء عند مريس في محاولة لفرض ضرائب على تجار القات، بحسب مصادر في السلطة المحلية، كما أطلق مسلحون النار على مقر السلطة المحلية في المحافظة بعدما أمر المحافظ أحمد القبة بإزالة 12 نقطة محسوبة على المجلس الانتقالي تجبي إتاوات غير قانونية.
استشرافاً للمستقبل، يبقى التحدي الأكبر في عملية إعادة الهيكلة رفضَ بعض القادة التنحي وتسليم مناصبهم سلمياً، إذ يزعم عدد من القادة أنهم استُهدفوا شخصياً بإعادة التعيينات، إما بسبب مشاركتهم في هجوم المجلس الانتقالي في ديسمبر، وإما بسبب خلافات شخصية مع مسؤولين كبار، ففي شبوة، داهم اللواء الرابع مشاة التابع للقوات المسلحة الجنوبية المحسوبة على المجلس الانتقالي مخازن أسلحة معسكر الخرمة بمديرية ميفعة قبل الانسحاب، وذلك بعد أن رفض قائده أصيل بن رشيد تنفيذ توجيهات أبو زرعة بتسليم المعسكر لقائد من ألوية العمالقة. وقعت مواجهة مماثلة في أبين بعدما رفض قائد قطاع جعار في قوات الأمن الوطني (قوات الحزام الأمني سابقاً) التخلي عن السيطرة على معسكر 7 أكتوبر للواء الأول عمالقة، وفي لحج، رفض الموالون لمختار النوبي في البداية تسليم مواقعهم في ردفان قبل أن يتخلوا عنها لاحقاً، بحسب مصادر عسكرية، ويُعد النوبي من أكثر القادة العسكريين للمجلس الانتقالي نفوذاً في البلاد، ويُشاع أنه توارى عن الأنظار عقب الهجوم العسكري للمجلس على حضرموت والمهرة في ديسمبر 2025.
بشكل عام، تمثل الجهود المبذولة خلال الأشهر الثلاثة الماضية تقدماً ملموساً نحو إعادة دمج القوات المسلحة اليمنية المتشظية، فقد نجحت المبادرة المدعومة سعودياً في حصر قوى المعسكر المناهض للحوثيين وإعادة تنظيمها بما يفوق أي جهد حكومي سابق، ويشكل استمرار تسليم المعسكرات وإزالة النقاط والتسجيل البيومتري خطوات مهمة نحو بناء قوة أكثر تماسكاً، غير أن التماسك الحقيقي يظل احتمالاً بعيد المنال. لا يمكن للرياض أن تتوقع محو الولاءات السياسية والعسكرية التي قام عليها مشروع المجلس الانتقالي لأكثر من عقد عبر مجرد إعادة هيكلة إدارية، واستشرافاً للمستقبل، إذا أرادت الرياض إعادة بناء القوات المسلحة اليمنية المتصدعة بناءً حقيقياً، يتعين عليها أن تفعل أكثر من إعادة رسم الهياكل القيادية وقيد الجنود في كشف رواتب مركزي، فالاختبار الحقيقي يكمن فيما إذا كان القادة الذين عينتهم الرياض حديثاً سيتمكنون من إصدار أوامر يمتثل لها الجنود فعلاً. سيتطلب ذلك إقناع القادة وصغار المقاتلين بأن لهم مكاناً في النظام الجديد، وضمان أن يقاتلوا صفاً واحداً – لا ضد قادتهم – حين تحين اللحظة الحاسمة.
ضبط النفس الحوثي يفسح المجال لتصعيد متجدد
أشعل وصول طائرتين إيرانيتين إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن مطلع يوليو مواجهةً سريعة التصعيد، أفضت إلى تبادل مباشر للقصف بين السعودية والحوثيين على نطاق لم يُشهد منذ هدنة أبريل 2022. خلال الأسابيع التالية، أعلن الحوثيون حصاراً بحرياً على السعودية، وتبنوا هجمات على ثلاث سفن في البحر الأحمر، واستهدفوا مطارات ومنشآت نفطية سعودية، ورداً على ذلك، استهدفت القوات الحكومية مدارج مطار صنعاء، فيما شنت المملكة ضرباتها على مواقع عسكرية ومنشآت اتصالات تابعة للحوثيين على امتداد ساحل الحديدة.
قبل تلك المواجهة المباشرة، كانت التوترات بين الجانبين تتصاعد منذ أشهر؛ ففي 8 يونيو، وضع هجوم صاروخي حوثي مزعوم باتجاه إسرائيل حداً لفترة مطولة من توقف الأعمال العدائية، فلأكثر من شهرين، حصرت الجماعة انخراطها في الصراع الإقليمي بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، مفضّلةً دعم طهران عبر حملة خطابية وإعلامية مدروسة بعناية، بينما في الظل، استأنف مفاوضو الحوثيين بهدوء محادثات القنوات الخلفية مع السعودية، أملاً في انتزاع تنازلات قبيل تسوية سياسية محتملة، لكن مع تعثر المفاوضات وطول أمد الصراع الأمريكي الإيراني، ازدادت العلاقات بين الرياض وصنعاء فتوراً.
شهدت بداية الربع الثاني من العام تحركاً حوثياً ضد إسرائيل: فبين 1 و6 أبريل، شن الحوثيون أربع هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل فيما قدموه كتضامن مع فلسطين وإيران وسائر الأطراف في محور المقاومة. ي الأسابيع التي تلت، أخذت الجماعة تصف نفسها على نحو متزايد بأنها جزء فاعل من المحور، واجبها فيه صون «وحدة الساحات» التي تدافع عن فلسطين عبر التحكم في «المضيقين». أوقف الحوثيون هجماتهم مجددا، عقب وقف إطلاق النار الموقع بين إيران والولايات المتحدة في 8 أبريل، ومع أن مسؤولين حوثيين واصلوا تهديد إسرائيل وحذروا من أن أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال سيُعد هدفاً، لم تُسجل أي هجمات ضد إسرائيل أو السفن التجارية لأكثر من شهرين. بدلاً من ذلك، استخدمت الجماعة موقعها على البحر الأحمر ورقة ضغط، مهددةً مراراً بإغلاق باب المندب ومؤكدةً قدرتها على تعطيل الملاحة العالمية.
فتح هذا التوقف في العمليات مجالاً للتواصل السعودي الحوثي، فبين 19 و20 أبريل، التقى الحوثيون والسعوديون في محادثات مباشرة في عمّان ضمن إطار لجنة التنسيق العسكري التابعة للأمم المتحدة، من دون ممثلين عن الحكومة المعترف بها دولياً، تلاها بعد شهرين اجتماع مع ممثلي اللجنة ومسؤولين حكوميين. ظل الجانبان على تواصل عقب جهود عُمانية لجمع الرياض والجماعة في جولة محادثات لاحقة، أفضت في النهاية إلى صفقة الأسرى المعلنة منتصف مايو (انظر التطورات السياسية والدبلوماسية)، وطوال هذه المفاوضات، وجد الحوثيون على الأرجح في إحجامهم عن التصعيد في البحر الأحمر ورقة مساومة نافعة في سعيهم لانتزاع تنازلات إضافية من المملكة والدفع نحو تسوية سياسية أشمل، أما في نظر الرياض، فقد ظل التهديد المحدق بباب المندب قائماً؛ فمنذ اندلاع الصراع الأمريكي الإيراني، حوّلت المملكة شحنات النفط إلى موانئها الغربية لتفادي مضيق هرمز.
في خضم هذه المباحثات، واصل الحوثيون تعزيز موقعهم على البحر الأحمر وعلى الجبهات في مأرب والحديدة (انظر أدناه)، ففي 6 أبريل، أجرى الحوثيون تجربة صاروخية جنوبي صنعاء باستخدام ما وصفته وسائل إعلام بأنه «محركات متطورة تعمل بالوقود السائل» بمدى وكفاءة أكبر، كما أشارت تقارير إعلامية محلية إلى تحصينات حوثية على امتداد ساحل البحر الأحمر، مع نشر عدد من بطاريات الصواريخ ومنصات الطائرات المسيّرة هناك بحلول مطلع أبريل، ونقل مخزونات من الألغام البحرية بحسب ما أفيد إلى الحديدة منتصف مايو، كما أفادت وسائل إعلام بـوصول أفراد عسكريين إيرانيين، نُشر بعضهم كما زُعم في مواقع ساحلية، من بينها جزيرة كمران، حيث يُعتقد أن الحوثيين يديرون مركز قيادة للعمليات، وواصل الحوثيون أيضاً دورياتهم البحرية المنتظمة، التي وصفتها مصادر محلية بأنها باتت تقترب أكثر فأكثر من المياه الإقليمية السعودية، وصولاً إلى الطرف الغربي لأرخبيل فرسان.
بحلول يونيو، كان الخطاب الحوثي تجاه السعودية قد ازداد عدائية، فقد أظهر الإطلاق المزعوم لصاروخ باليستي باتجاه إسرائيل في 8 يونيو، أن صبر الحوثيين على التحالف المناهض لإيران أخذ ينفد، أو أن الضغط من طهران أخذ يشتد، حيث أعادت الجماعة فرض حظرها على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، وفي 16 يونيو، دعا عبد الملك الحوثي، في خطاب بمناسبة رأس السنة الهجرية، إلى حملة تعبئة عامة متجددة، ودعا في الخطاب آلاف المدنيين الذين تلقوا تدريباً عسكرياً محدوداً – المعروفين بقوات التعبئة العامة – إلى الاستعداد لمواجهة محتملة ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل أو حلفائهما. بعد ستة أيام، أعلنت قوات التعبئة العامة التابعة للحوثيين «جاهزيتها لرفد الجبهات العسكرية» ضد التحالف بقيادة السعودية، وبحلول أواخر يونيو، كان مسؤولون حوثيون يهددون علناً باستهداف المصالح السعودية، بما فيها المطارات والبنوك والأصول العائدة لشركة النفط الحكومية أرامكو، إذا واصلت الرياض ما وصفه الحوثيون بـ«التهرب والمماطلة في استحقاقات السلام».
تصاعد الموقف بعدما نفذت طائرة ركاب إيرانية تابعة لطيران ماهان هبوطاً مفاجئاً في صنعاء في 3 يوليو، في أول رحلة إيرانية مباشرة إلى العاصمة الخاضعة لسيطرة الحوثيين منذ أكثر من عقد. زعم مسؤولون حوثيون أن مقاتلات سعودية حاولت اعتراض الطائرة، ما دفع الجماعة إلى التهديد بمهاجمة المطارات السعودية، وبعد عشرة أيام، حين حاولت رحلة ثانية لطيران ماهان إعادة وفد حوثي من طهران، قالت الحكومة المعترف بها دولياً إن قواتها ضربت مدرج مطار صنعاء، ما أجبر الطائرة على التحويل إلى الحديدة، ورد الحوثيون في غضون ساعات بهجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مطار أبها في السعودية. سرعان ما انزلق الخلاف إلى سلسلة أوسع من التصعيدات المتبادلة، فقد أعلن الحوثيون منذ ذلك الحين حصاراً بحرياً على السعودية وتبنوا هجمات على ناقلات نفط سعودية في البحر الأحمر؛ ثم ضرب التحالف بقيادة السعودية مواقع حوثية في الحديدة وجزيرة كمران، فرد الحوثيون باستهداف منشآت أرامكو في جازان وينبع. سيتوقف بقاء القتال محصوراً الآن على قدرة الرياض وصنعاء على استعادة ضبط النفس المتبادل الذي حفظ هدنة ما بعد 2022، وكذلك على مسار الصراع الأمريكي الإيراني الأوسع.
القرصنة تعود إلى الواجهة قبالة السواحل اليمنية
عادت القرصنة إلى المياه قبالة السواحل اليمنية، وتشير عملية اختطاف ناجحة لسفينة وسلسلة من عمليات الاقتراب المسلح خلال مايو ويونيو، إلى أنه في حين لم يستأنف الحوثيون بعد حظراً كاملاً على الملاحة التجارية في المياه الإقليمية اليمنية، إلا أن السفن قد تظل تواجه تهديدات عند عبورها خليج عدن وبحر العرب.
في 2 مايو، استولى قراصنة يُشتبه بأنهم صوماليون على ناقلة النفط «يوريكا» الرافعة لعلم توغو بعد مغادرتها ميناء قنا في شبوة. صعد مسلحون على متن السفينة وأعادوا توجيهها نحو المياه الإقليمية الصومالية، ونشر خفر السواحل اليمني زوارق دورية من عدن وشبوة لكنه عجز عن استعادة الناقلة، وطالب الخاطفون لاحقاً بفدية بملايين الدولارات مقابل السفينة وطاقمها المؤلف من 12 فرداً، بينهم ثمانية مصريين وأربعة هنود، وحتى وقت إعداد التقرير، كانت السفينة وطاقمها لا يزالان محتجزين، فيما المفاوضات على الفدية مستمرة.
في حادثة منفصلة بتاريخ 2 مايو، اقترب زورق مسلح يرافقه قارب صيد من سفينة تجارية جنوب غربي المكلا، وفي 23 مايو، أبلغت سفن عدة عن اقتراب زوارق مشبوهة منها في خليج عدن، من بينها زورق كبير يحمل سلالم وأسلحة. في 10 يونيو، تبادل ستة مسلحين على متن زورق صغير إطلاق النار مع فريق حماية سفينة شحن على بعد 88 ميلاً بحرياً جنوب غربي بلحاف في شبوة قبل أن ينسحبوا، وبعد خمسة أيام، أطلق أربعة مسلحون على متن زورق قذيفة صاروخية على ناقلة جنوب شرقي عدن.
لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجمات، غير أن تركّزها قبالة سواحل شبوة وأبين وعدن، يقترن باستخدام الزوارق المسلحة والمطالبة بالفدية، وبالتالي يرجّح فرضية القرصنة لا العمليات البحرية الحوثية السرية، ومع أن القرصنة تظل أدنى بكثير من المستوى الذي شهدته المنطقة قبل أكثر من عقد، تُظهر هذه الحوادث أن السفن التجارية ما تزال تواجه مجموعة متنوعة من التهديدات مع لجوء جماعات إلى سبل جديدة لاستغلال حالة عدم الاستقرار التي شهدتها المنطقة مؤخراً.
تطورات الجبهات
شهدت الأسابيع الأخيرة تدفق تعزيزات حوثية وحكومية إلى الجبهات في مختلف أنحاء اليمن، فيما يستعد الطرفان لاحتمال العودة إلى القتال الشامل. تشير التقارير عن إمداد جبهات متعددة بأسلحة وذخائر سعودية، إلى جانب التعبئة الحوثية المكثفة، إلى أن حملة برية على جبهات عدة احتمال وارد، وسيتوقف تبلور ذلك على استمرار الرياض والحوثيين في مسار التصعيد من عدمه.
ظلت جبهات اليمن حتى وقت قريب مستقرة إلى حد بعيد رغم التغييرات الكبيرة داخل التحالف العسكري المناهض للحوثيين، فبين أبريل ويونيو، سُجّل قتال منتظم منخفض الحدة في مأرب وتعز والحديدة ولحج والضالع وأبين وشبوة، من دون أن تشهد خطوط السيطرة تبدلاً يُذكر. اعتمدت العمليات الحوثية بصورة متزايدة على طائرات الاستطلاع المسيّرة والهجمات الاستكشافية المحدودة، الهادفة على الأرجح إلى اختبار الوحدات الحكومية المعاد نشرها حديثاً عقب عملية إعادة الهيكلة بقيادة السعودية (انظر أعلاه). يوحي غياب أي اختراقات كبرى بأن إعادة الهيكلة لم تُحدث بعد ثغرات كبيرة في الدفاعات الحكومية.
في مأرب، ازداد الضغط بصورة ملحوظة حول جبهة ملعا بمديرية حريب، حيث تتمركز قوات دفاع شبوة ومحور سبأ الآن في مواقع كانت خاضعة لسيطرة قوات ألوية العمالقة في السابق. أسفرت مواجهات يومية مطلع أبريل عن عدد من الإصابات جراء المناوشات وضربات الطائرات المسيّرة، فيما أفيد بأن قتالاً عنيفاً مطلع مايو أودى بعدد من مقاتلي الحوثيين، كما زعمت قوات الحوثيين إسقاط طائرتين أمريكيتين مسيّرتين من طراز «إم كيو-9 ريبر» فوق مأرب في مايو. تقول مصادر محلية إن الجماعة تواصل تحريك مقاتلين وآليات نحو جبهات صرواح ورغوان والبلق وسط حالة عدم الاستقرار الناجمة عن التجمعات القبلية في مأرب والجوف، وفي شبوة، تواصلت المواجهات المنتظمة على جبهات القنذع والمخدرة ومرخة العليا، وفي أماكن أخرى، استمر قتال محدود على الجبهات في لحج والضالع وبصورة متقطعة حول مدينة تعز. شكّلت هجمات الطائرات المسيّرة الغالبية العظمى من النشاط الحوثي على الجبهات في أبين.
أصبح القتال في الحديدة أكثر اطراداً بنهاية الربع الثاني من العام، لا سيما على الجبهات الجنوبية، حيث أخذت قوات الحوثيين تتبادل إطلاق نيران الهاون بانتظام مع جنود القوات المشتركة. بين 3 و6 يوليو، شن الحوثيون واحداً من أعنف الهجمات على جبهات الحديدة في السنوات الأخيرة، واستخدمت قوات الحوثيين المدفعية الثقيلة، بما فيها الهاوتزر وصواريخ الكاتيوشا، في قتال أفيد بأنه خلّف 15 قتيلاً و43 جريحاً في صفوف جنود القوات المشتركة، و52 قتيلاً و66 جريحاً في صفوف مقاتلي الحوثيين، بحسب مصادر عسكرية وطبية، ورغم ارتفاع عدد الضحايا، لم يحقق أي من الطرفين مكاسب ميدانية تُذكر، وظلت الجبهة هادئة منذ ذلك الحين.
موجز لتطورات أخرى
15 أبريل: نفذ مسلحون من تنظيم القاعدة ضربة بطائرة مسيّرة ضد قوات مكافحة الإرهاب الموالية للحكومة في منطقة الفريد بمديرية مودية، بحسب مصادر محلية، وفي 22 أبريل، هاجم مسلحون يُشتبه بانتمائهم إلى التنظيم مجدداً موقعاً يتمركز فيه اللواء الثامن دعم وإسناد بالمنطقة، ما أسفر عن إصابة جندي.
14 مايو: سلّمت قوات المقاومة الوطنية مطار باب المندب المكتمل حديثاً والممول إماراتياً إلى وزارة النقل، بناءً على أوامر عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، وأفيد بأن الوزارة تعمل على تسجيل المنشأة لدى منظمة الطيران المدني الدولي وتهيئتها للعمل باسم مطار تعز الدولي.
4 يونيو: زُعم أن مقر إقامة محافظ حضرموت عضو مجلس القيادة الرئاسي سالم الخنبشي استُهدف بثلاث طائرات مسيّرة مجهولة، فيما وصفه مسؤولون حكوميون بأنه محاولة اغتيال لم يُصب فيها الخنبشي بأذى. بعد يومين، أفيد بأن الدفاعات الجوية الحكومية أطلقت النار على طائرات مسيّرة مجهولة حلقت فوق مواقع استراتيجية في الحديدة، من بينها مقر المنطقة العسكرية الثانية وميناء المكلا ومطار الريان وميناء الضبة النفطي.
6 يونيو: اغتيل العميد يحيى الوحيش، قائد الفرقة الأولى في قوات المقاومة الوطنية وقيادي بارز في المقاومة التهامية، بعبوة ناسفة زُرعت على جانب الطريق في مدينة الخوخة جنوبي الحديدة. كان الوحيش وقواته، المعروفة آنذاك بكتائب الوحيش، قد أديا دوراً كبيراً في تحرير الخوخة خلال عملية الساحل الغربي مطلع عام 2018، وأعلنت لجنة عيّنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي لاحقاً أن تحقيقها أشار إلى ارتباط الاغتيال بالحوثيين. أُلقي القبض على ثلاثة من المشتبه بهم، فيما لا يزال سبعة آخرون فارين.
25 يونيو: أفادت وسائل إعلام محلية بأن سلطات الحوثيين اعتقلت عدداً من أفراد أجهزتها الأمنية والاستخباراتية والمحسوبين عليها. وأفيد بأن بعض المحتجزين نُقلوا إلى مواقع احتجاز سرية، فيما زُعم أن عدداً من الضباط فروا من مناطق سيطرة الحوثيين إلى مأرب.
محرر سابق








