جدول المحتويات
فريق أمني من مكتب عضو مجلس القيادة الرئاسي وقائد ألوية العمالقة عبدالرحمن المحرمي (أبو زرعة) يزور نقطة أمنية في محافظة الضالع في 1 يونيو/حزيران 2026، ضمن زيارة ميدانية تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار. // الصورة لمركز صنعاء

منذ مطلع العام الجاري، تعكف الحكومة اليمنية على إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بدعم سياسي وعملياتي سعودي. انطلقت هذه المبادرة بُعيد الهزيمة العسكرية التي مُني بها المجلس الانتقالي الجنوبي (المعلن حله) والمدعوم من الإمارات في يناير/كانون الثاني 2026. تأتي عملية إعادة التنظيم هذه في أعقاب إنشاء اللجنة العسكرية العليا التي شكّلها رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، والتي تهدف إلى إعادة تنظيم جميع القوات العسكرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة وتجهيزها وتوحيد قيادتها، غير أنّ هذه اللجنة تخضع لسيطرة التحالف الذي تقوده السعودية لا لسيطرة الحكومة اليمنية.

يرتبط نجاح عملية إعادة الهيكلة هذه ارتباطاً وثيقاً بالتطورات السياسية الأوسع في اليمن والمنطقة، فمن المرجّح أن يؤدي تبادل الهجمات بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية في يوليو/تموز الماضي — وهو الأول من نوعه منذ أربع سنوات، في ظلّ السياق الأوسع للحرب الأمريكية الإيرانية — إلى تعزيز التماسك داخل الجبهة الحكومية، من جهة. من جهة أخرى، فإنّ تنامي مخاطر انهيار الهدنة في ظلّ تجدّد الاشتباكات بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة، قد يُعطّل مسار إعادة الهيكلة الأمنية والعسكرية، كما أنّ تزايد حالة عدم الاستقرار سيؤدي إلى مزيد من التأخير في خطة السعودية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي. يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة إلى القطاع الأمني، إذ أنّ العديد من القوات التي كانت تحظى بدعم إماراتي والتي تعمل السعودية حالياً على دمجها، لطالما تولّى قيادتها قادة ذوو تطلّعات انفصالية أو على الأقل نزعة إلى الحكم الذاتي.

أهميّة إعادة التنظيم الأمني والعسكري

إن إعادة الهيكلة والدمج الأمني والعسكري، وهي مسألة أبعد ما تكون عن كونها مجرّد قضيّة فنيّة، تكتسي أهمية محورية في تحقيق الاستقرار في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، وذلك لسببين: يتعلّق السبب الأول بخفض عدد الفاعلين المسلّحين على الأرض، ولم يكن احتكار الجيش لاستخدام القوة يوماً هدفاً واقعياً في بلد كاليمن، الذي اتّسم تاريخياً بالانتماءات القبلية وتداخل المنظومات الأمنية الرسمية وغير الرسمية وقيام تشكيلات شبه عسكرية من أعلى إلى أسفل. ومع ذلك، فإنّ خفض عدد الفاعلين من غير الدول من شأنه أن يعزّز مصداقية الدولة والاستقرار المحلي والمساءلة؛

أمّا السبب الثاني فيرتبط بتعزيز السعودية لنفوذها في المناطق الجنوبية عقب رحيل الأفراد الإماراتيين وحلّ المجلس الانتقالي الجنوبي في يناير/كانون الثاني 2026. تعكف الرياض حالياً على إعادة بناء نفوذها، والاستفادة من مكانتها المهيمنة المتجدّدة وقوتها الاقتصادية في المناطق الجنوبية، لكن الزمن وحده كفيل بأن يكشف ما إذا كان تحويل هذا النفوذ إلى قوة راسخة ومستدامة ممكنا، حيث لا تزال العديد من القضايا السياسية والاقتصادية عالقة، فيما يظلّ حجم النفوذ الإماراتي ومدى تأثيره موضع تساؤل. في ظلّ هذه الظروف، تُعَدّ إعادة الهيكلة الأمنية والعسكرية الفعّالة أداةً مجدية لدعم النفوذ السعودي في اليمن.

الاتّجاهات في إعادة الهيكلة والدّمج

يمكن تحديد عدد من الاتجاهات في عملية إعادة الهيكلة الأمنية والعسكرية بقيادة السعودية: يتمثل الاتجاه الأول في دمج القوى الأمنية تحت مظلة وزارة الداخلية، إذ تعمل الرياض والحكومة الشرعية على زيادة القوى البشرية المخصّصة لمهام الأمن الداخلي، مع التركيز على الحوكمة الأمنية المحلية، لا سيما في المدن التي ظلّ المجلس الانتقالي الجنوبي يبسط فيها نفوذه لفترة طويلة، مثل عدن والمكلا. كما أُعيدت تسمية قوات الحزام الأمني، التي كانت تابعة سابقاً للمجلس الانتقالي الجنوبي، لتصبح “قوات الأمن الوطني”، وذلك بعد أن بسط المعسكر الموالي للحكومة سيطرته على عدن في يناير/كانون الثاني، كما ضمّت القوة بعد إعادة تسميتها قوات أخرى كانت تابعة سابقاً للمجلس الانتقالي الجنوبي، مثل قوات أمن لحج وقوات أمن عدن. الهدف من ذلك في نهاية المطاف هو دمج جميع هذه التشكيلات ضمن قوات الأمن الخاصة التابعة لوزارة الداخلية، ذات الطابع الشرَطي.

في أبريل/نيسان، بدأت وزارة الداخلية عملية دمج أفراد من قوات النخبة الحضرمية وقوات الدعم الأمني في حضرموت. كانت هذه المحافظة مسرحاً لبؤرة المواجهة العسكرية التي اندلعت أواخر العام 2025، بين الحكومة المدعومة سعودياً والقوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي والمدعومة من دولة الإمارات، كما بدأت وزارة الداخلية بدمج قوات حماية حضرموت، وهي ميلشيا قبلية يقودها عمرو بن حبريش، الذي اكتسب شعبية بوصفه أحد أبرز الداعين إلى الحكم الذاتي لحضرموت، قبل أن يصبح أكثر تقارباً مع الرياض ويؤيّد معركة الحكومة ضدّ المجلس الانتقالي الجنوبي؛

يتمثل الاتجاه الثاني، على الأرجح، في سعي الحكومة والمملكة العربية السعودية إلى دفع عجلة تغيير واسع النطاق في القيادة العسكرية، مع التركيز على كبار الضباط. برز هذا التوجّه بشكل خاص في صفوف المجموعات التي كانت مرتبطة سابقاً بالمجلس الانتقالي، وكذلك في صفوف القوات الموالية للحكومة، وهو ما يوحي بنيّة المضي قُدماً نحو إعادة هيكلة عسكرية أعمق وأكثر شمولاً. في حالة التشكيلات التي جرى ضمّها حديثاً، ترافق تعيين قيادات جديدة مع عملية دمج القوات، في محاولة للتخفيف من حدّة الاستياء إزاء التغييرات المفروضة من الأعلى، وقد عُيِّن قادة جدد على المستويين العام والمحليّ لقوات الأمن الوطني التي أُعيدت تسميتها في عدن وأبين، وكذلك لقوات النخبة الحضرمية.[1]

كما عُيّن قائد جديد لقوات درع الوطن المدعومة من السعودية، وهي قوة عسكرية أضفى العليمي عليها الطابع الرسمي عام 2023، وتعمل تحت إشرافه الشخصي بدلاً من إشراف وزارة الدفاع، كما تمّ تعيين قائدَين للمنطقتين العسكريتين الأولى والثانية في الجيش، ومقرّ قيادتهما سيئون والمكلا على التوالي؛

أمّا الاتجاه الثالث فيتمثّل في الإقرار بواقع تداخل المنظومات الأمنية وإدارته، استمراراً لجهود الإصلاح السابقة، فقد انضمّت ألوية العمالقة، بقيادة عبدالرحمن المحرمي (أبو زرعة)، إلى المعسكر السعودي بعد انسحاب الإمارات من اليمن، وكُلِّفت بمهمّة الإشراف على الأمن في عدن. باتت هذه الألوية اليوم تتصرف بوصفها جهة فاعلة من جهات الدولة، إذ تُنسّق بشكل متزايد مع الجيش وسائر التشكيلات الموالية للحكومة، وإن ظلّت تعمل خارج الجهاز الرسمي للدولة. علاوة على ذلك، تتداخل التعيينات الجديدة في الجيش أحياناً مع قيادة التشكيلات شبه العسكرية: فالقائد الجديد لقيادة المنطقة العسكرية الأولى في الجيش يتولّى بالفعل قيادة إحدى فرق قوات درع الوطن، وثمّة سابقة لتولّي مثل هذه الأدوار المزدوجة: إذ قاد فرج البحسني كلاً من قيادة المنطقة العسكرية الثانية وقوات النخبة الحضرمية في الوقت نفسه عندما كان المجلس الانتقالي الجنوبي والإمارات لا يزالان فاعلَين بارزَين في حضرموت.

مسألة الرواتب والقضيّة الجنوبيّة

إنّ استدامة عملية إعادة الهيكلة هذه وفعاليتها ستعتمد إلى حدّ كبير على متغيّرين اثنين: الوضع الاقتصادي للبلاد؛ ومسار العملية السياسية الخاصّة بالحوار الجنوبي. هذان بدورهما يعتمدان إلى حدّ كبير على الخيارات السياسية السعودية، ويُعَدّ الدعم المالي السعودي بالغ الأهمية بالنسبة للحكومة، لا سيما منذ توقف صادرات النفط عام 2022، جراء هجمات الحوثيين. تواجه الحكومة صعوبة في دفع رواتب موظفي القطاع العام بانتظام، بمن فيهم أفراد الجيش والشرطة، فضلاً عن توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، وقد نجحت الإمارات في بناء تحالفات قوية مع المجموعات المسلّحة والمقاتلين في الجنوب، ويعود ذلك جزئياً إلى دفع رواتب منتظمة ومنافِسة مقارنة بالرواتب التي يتقاضاها أفراد الجيش.

ركّزت السعودية على مسألة الرواتب من أجل تعزيز الاستقطاب وترسيخ مصداقيتها. في يناير/كانون الثاني، أعلن العليمي أن الرياض “أتمّت صرف رواتب جميع التشكيلات العسكرية التي كانت تتلقى تمويلها سابقاً من أبوظبي”، وقد خصّصت السعودية لعام 2026 ما يقارب 3 مليارات دولار أمريكي لتغطية رواتب القطاع العام في اليمن، بما في ذلك تلك التي كانت الإمارات تدفعها سابقاً للأفراد المنتسبين إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، غير أنّ أي دعم مالي يجب أن يصل إلى الجهات المعنية وأن يُخصّص على نحو سليم، إذ لطالما شكّل استيعاب المساعدات إشكالية في اليمن.

بالنسبة للسعودية، فإنّ الوضع السياسي في الجنوب أكثر تعقيداً حتى من الوضع المالي؛ فمع اضطرار المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الانسحاب، أعلنت الرياض عن تشكيل مؤتمر للحوار الجنوبي يجمع “كافة الفصائل الجنوبية لمناقشة حلول عادلة للقضية الجنوبية”، في اعتراف بمطالب محلية نحو تقرير المصير والحكم الذاتي، غير أنّ هذا المؤتمر لم يُنظَّم بعد.

ثمّة انقسامات كبيرة قائمة بين المحافظات الجنوبية والأحزاب السياسية، وهو ما يُسهم في تفاقم حالة التشرذم. تسعى السعودية إلى تأجيل عقد هذا المؤتمر الذي يُحتمل أن يكون مثيراً للانقسام، نظراً لحالة عدم اليقين الناجمة عن المواجهة التي وقعت في يوليو/تموز بين الحوثيين والسعودية، فضلاً عن تجدّد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران على نطاق أوسع.

على مدى سنوات، سعت السعودية إلى خفض التصعيد مع الحوثيين تفادياً لاستئناف الهجمات على حركة الملاحة في البحر الأحمر، والتي قد تهدّد خط الأنابيب الممتدّ من الشرق إلى الغرب والمتجه إلى ينبع، والذي بات يكتسي أهمية محورية بالنسبة لصادرات النفط السعودية منذ الحصار الإيراني لمضيق هرمز. خلال المرحلة الأولى من الحرب الأمريكية الإيرانية، قوبلت مساعي السعودية لتهدئة التصعيد مع الحوثيين، وكذلك إحجام الحوثيين عن الانخراط في الصراع، بالريبة في المناطق الجنوبية، وبلغت هذه المخاوف ذروتها في حضرموت على وجه الخصوص، حيث خشي القادة من احتمال استبعادهم من المفاوضات الثنائية، وأبدوا قلقهم من أن تكون عائدات حقول النفط الحضرمية جزءاً من تسوية سياسية سعودية-حوثية محتملة.

إنّ من شأن التطورات الراهنة على الصعيدين الداخلي والإقليمي، في نهاية المطاف، أن تقوّض الوضع القائم الذي ساد في اليمن على مدى السنوات الأربع الماضية، والنهج الذي تقوده السعودية نحو إعادة التنظيم الشامل في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. قد تؤدي الولاءات غير المحسومة لدى العديد من التشكيلات المدعومة من دولة الإمارات، والتي تعكف السعودية حالياً على دمجها، إلى جانب الخلافات بشأن الرواتب غير المدفوعة، إلى عرقلة مسار إعادة الهيكلة الأمنية والعسكرية، ما لم تفِ الحكومة والسعودية بوعودهما في الوقت المناسب. ويواجه مسار إعادة تنظيم القطاعين العسكري والأمني في اليمن مخاطر حقيقية، وهو ما يهدّد بدوره جهود ترسيخ النفوذ السعودي في الجنوب.


هذا المقال جزء من سلسلة إصدارات ينتجها مركز صنعاء بتمويل من حكومة مملكة هولندا. تتناول هذه السلسلة قضايا ضمن محاور اقتصادية وسياسية وبيئية، بهدف إثراء النقاش وصياغة السياسات المتعلقة باليمن على نحو يعزز السلام المستدام..

Endnotes
  1. محادثة أجرتها الكاتبة مع خبير في الشأن اليمني، مايو/أيار 2026.
الكتاب
إلينورا أردماغني هي زميلة باحثة مشاركة (اليمن والخليج) في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، ومساعدة تدريس في جامعة ميلانو الكاثوليكية، وأستاذة مساعدة في كلية الدراسات العليا في الاقتصاد والعلاقات الدولية ( ASERI) في ميلانو. نشرت دراسة بعنوان "الحوثيون: اللاعبون القابلون… اقرأ المزيد.

إصدارات ذات صلة