أُنشئ منفذ الوديعة الحدودي بين اليمن والمملكة العربية السعودية في سبتمبر 2003، بالتزامن مع جهود البلدين لتعزيز التنسيق والتعاون في ظل التحديات الأمنية التي فرضتها الحرب على الإرهاب. قبل الحرب، كان المنفذ يُستخدم لحركة المسافرين بين اليمن والسعودية، لكن نشاطه ظل محدوداً نظراً لوجود منافذ أخرى، مثل منفذ الطوال في حجة، ومنفذي البقع وعلب في صعدة. كان منفذا الطوال والبقع خيارين أكثر ملاءمة للدخول والخروج من السعودية لقربهما من المراكز السكانية، على عكس الوديعة الذي يقع في أقصى شمال شرقي اليمن، بمحافظة حضرموت.
أُغلق منفذ الطوال بعد تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة عسكرية بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي (أنصار الله)، منذ 2015، حيث حولت المنطقة إلى قاعدة عسكرية لاستهداف مدن جنوب السعودية، كما فرضت الحرب إغلاق المنافذ الأخرى أيضاً، وطوال العقد الماضي، عمل الوديعة كشريان بري وحيد يربط اليمن بالمملكة. مع تقلص البدائل، تزايدت أهمية المنفذ ليتحول إلى محور رئيسي للحركة التجارية، ودخول المساعدات الإنسانية، وحركة المسافرين والحجاج، لا سيما بين المحافظات الشرقية والسعودية، وتتضاعف أهمية المنفذ بوجود جالية يمنية كبيرة في السعودية، التي لا تزال الوجهة الأولى للمغترب اليمني.
اليوم، تحول المنفذ إلى موقع يعاني من الازدحام المزمن والفساد وعدم الكفاءة، مدفوعاً بتشتت السيطرة، وضعف القدرة المؤسسية، وزيادة حركة المرور. لقد أدت التغييرات المتكررة في السلطة، وغياب أنظمة الإدارة الفعالة، ومحاولات الإصلاح غير الناجحة —مثل تطبيق “عبور” الذي نُفذ بشكل سيء— إلى زيادة الضغط على العمليات، مما جعل المنفذ عبئاً على اليمنيين؛ ولتخفيف هذه التحديات، أصبحت الرقابة الشاملة والمساءلة ضرورة حتمية.
ممر حيوي وسط الفوضى
تشير بيانات وزارة الخارجية وشؤون المغتربين اليمنية إلى أن حوالي 1.5 مليون يمني يقيمون في المملكة العربية السعودية. وبالرغم من محدودية بنيته التحتية وضعف قدرته الاستيعابية، يستقبل منفذ الوديعة يومياً آلاف اليمنيين، بمن فيهم المغتربون العائدون إلى وطنهم، والعمال الباحثون عن فرص عمل، والمرضى الذين يعتمدون عليه كبوابة حرجة للعلاج الطبي. يستحوذ الوديعة على ما يقارب ثلثي إجمالي حركة المسافرين من وإلى البلاد؛ فخلال العام 2024، استقبل نحو 2.3 مليون مسافر من أصل 3.3 مليون عبروا مختلف المنافذ البرية والبحرية والجوية لليمن، كما يُعد المنفذ قناة رئيسية لتدفق البضائع إلى اليمن.
خلال السنوات الأخيرة، أدى ارتفاع أعداد المسافرين مع غياب التطوير المؤسسي لتحويل الوديعة إلى مشهد يومي للازدحام الشديد وطوابير الانتظار الطويلة. وسط التحديات الإدارية المستمرة والفوضى التنظيمية التي تواجهها السلطات اليمنية، أصبح المنفذ أكثر من مجرد نقطة عبور؛ بل بات مرآة تعكس واقع اليمن الممزق وعجز الحكومة عن توفير خدمات تليق بالأهمية الاستراتيجية والاقتصادية والإنسانية للمنفذ. تشمل الاختلالات الهيكلية والإدارية المزمنة غياب نظام إلكتروني موثوق لإدارة وتوثيق الحركة عبر الحدود، والفشل في فصل حركة الشاحنات التجارية والإنسانية عن بقية المركبات، مما يفاقم الازدحام اليومي.
تُظهر البيانات الرسمية أن إيرادات المنفذ تجاوزت 100 مليار ريال يمني عام 2024، مما يجعله أحد أهم مصادر الدخل للدولة؛ ورغم الإيرادات الضخمة التي يحققها—أو ربما بسببها—تشير شهادات وتقارير متعددة إلى أن المنفذ ظل مسرحاً للجبايات غير القانونية واستغلال النفوذ من قبل القيادات العسكرية والإدارية المختلفة التي تنافست للسيطرة عليه طوال سنوات الحرب. يشمل ذلك جهات مدنية وعسكرية، ممثلة في إدارة المنفذ والقوات المكلفة بتأمينه. الوحدة العسكرية الأساسية العاملة في المنفذ هي الكتيبة الثانية، المعروفة بكتيبة حماية وأمن منفذ الوديعة، والتي تتبع اللواء 141 مشاة، ويتبع اللواء المنطقة العسكرية السادسة المتمركزة في مأرب، والتي تشمل مسارح عملياتها الجوف وعمران وصعدة؛ كما توجد قوة أخرى تعمل في المنفذ تتكون من وحدات عسكرية تابعة لقوات درع الوطن المدعومة من السعودية، وتخضع لقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وقد تورطت جهات مدنية أيضاً في فرض رسوم غير قانونية والابتزاز، بمن فيهم المدير السابق للمنفذ، مطلق الصيعري. عقب تقارير واسعة النطاق عن الفساد في المنفذ، شكل نائب الرئيس آنذاك علي محسن الأحمر لجنة رسمية عام 2016، للتحقيق في الأمر؛ ومع ذلك، لم يتم الكشف عن نتائج هذا التحقيق للعلن، وبقي الصيعري في منصبه حتى 2024.
لقد أبقت الاختلالات الهيكلية المستمرة بيئة خصبة للابتزاز والفساد، وحوّلت المنفذ إلى ممر مكلف نفسياً ومالياً لليمنيين؛ واستجابةً لذلك، روّجت السلطات لتطبيق (عبور) الإلكتروني كحلٍ تنظيمي، لكنه سرعان ما أصبح جزءاً من المشكلة، مما فاقم من مشاكل الحدود.
تطبيق عبور
أواخر يناير 2025، أعلنت هيئة النقل البري إطلاق تطبيق “عبور” الإلكتروني، في خطوة وُصِفت حينها بأنها محاولة لتنظيم حركة السير والدخول عبر منفذ الوديعة، وتقليص ساعات الانتظار الطويلة التي أنهكت اليمنيين. يوفر التطبيق خيارات متعددة، منها الحجز المسبق، والحالات المستعجلة، والتحقق من الحجوزات؛ غير أن التطبيق سرعان ما كشف عن فجوة كبيرة بين الهدف المعلن والتطبيق العملي. بحسب شهادات مسافرين وسائقين، [1] عانى التطبيق من أعطال تقنية مستمرة، شملت تعليق الطلبات، وتأخر الموافقة على الحجوزات، وبقاء الطلبات “قيد الانتظار”، وصعوبات في إعادة الحجز بعد الإلغاء. علاوة على ذلك، لم يكن التطبيق مدعومًا على هواتف “آيفون”.[2] عكست التعليقات على متجر “جوجل بلاي” حجم الإحباط العميق جراء هذه الإخفاقات التي وضعت الكثيرين في مواقف حرجة، [3] لا سيما أولئك الذين اقتربت مواعيد انتهاء تأشيراتهم أو ارتبطت مواعيد سفرهم بعقود عمل.
تشير الشهادات إلى أن الأوضاع عند الحدود وفشل التطبيق قد أفسحا المجال لبروز نظام موازٍ يتمثل في “الدفع مقابل العبور”؛ إذ أفاد مسافرون بدفع مبالغ تتراوح بين 500 و800 ريال سعودي (ما يتراوح بين 130 وأكثر من 200 دولار أمريكي) لسماسرة ووسطاء في المنفذ للسماح لمركباتهم بتجاوز طوابير الانتظار الطويلة.[4] يؤكد الكثير من المسافرين أن هذه الطريقة باتت الوسيلة الوحيدة لتجنب الانتظار لأسبوع أو أكثر في المنفذ.[5] في بعض الأحيان يكون الدفع إلزاميًا؛ حيث روى أحد السائقين أنه طُلب منه دفع 500 ريال سعودي “للعبور إلى الأراضي السعودية” بعد أن رفض النظام حجزه مرارًا.[6] تتفق هذه الروايات مع تقارير داخلية من المنفذ تؤكد وجود “سمسرة واضحة” عند بوابات الدخول، خاصة خلال مواسم الذروة مثل موسم الحج.[7]
بناءً على ذلك، فإنه بدلاً من تقليص فترات الانتظار وتسهيل عملية العبور، تسبب تطبيق “عبور” في خلق اختناقات إضافية تكرّس الابتزاز وتفرض أعباءً مالية جديدة على المسافرين.
صراع نفوذ
طوال سنوات الحرب، شكّل المنفذ مصدراً رئيسياً للإيرادات، مما جعل السيطرة عليه محوراً للتنافس السياسي والاقتصادي؛ حيث شهد منفذ الوديعة في السنوات الأخيرة تغييرات متكررة في ترتيبات الحماية والإشراف، مما يعكس حدة التنافس بين الفصائل اليمنية على أحد المصادر المالية القليلة المتبقية في البلاد. حتى منتصف العام 2024، كان المنفذ تحت إشراف اللواء 141 مشاة التابع للمنطقة العسكرية السادسة، ولكن في أغسطس من العام نفسه، انتقلت السيطرة إلى قوات درع الوطن الممولة من السعودية، والتي تولت المسؤولية عن الجوازات والجمارك والبوابة المركزية. جاء هذا التحول استجابة لمطالبات شعبية وقبلية في حضرموت بتسليم الإدارة لأبناء المحافظة؛ وهو ما تحقق بانتقال المنفذ لوحدات من قوات درع الوطن ينتمي معظم أفرادها إلى حضرموت، ورغم نقل الإشراف، لا يزال المنفذ يواجه ذات المشكلات الهيكلية المرتبطة بالفساد وغياب الرقابة.
على الرغم من إعلان إدارة المنفذ إلغاء رسوم الجوازات (التي كانت تبلغ 10 ريالات سعودية) في نوفمبر 2024، إلا أن هذه الخطوة فشلت في وقف الممارسات المالية غير المشروعة؛ إذ سرعان ما عادت الرسوم للظهور بمسميات جديدة وأساليب مختلفة، مما يشير إلى أن المشكلة لا تكمن في الرسوم بحد ذاتها، بل في غياب المساءلة المؤسسية؛ وقد أدى هذا الواقع إلى صدور توجيهات حكومية في أكتوبر 2025، شددت على ضرورة وقف أي تحصيل للإيرادات خارج الأطر القانونية، وحُمّلت وزارة النقل المسؤولية القانونية عن التنفيذ، مع التركيز على تحصيل الإيرادات عبر القنوات الرسمية وتوريدها إلى البنك المركزي.
حاجة ملحة للرقابة الإدارية
تُظهر تجربة تطبيق “عبور” ومحاولات الإصلاح الأخرى أن القضية الجوهرية ليست نقص الأدوات التقنية، بل غياب نظام إداري ورقابي قادر على إدارة منشأة بهذه الحساسية؛ فكل محاولة للتغيير تواجهها منظومة فساد قادرة على الالتفاف على القواعد الجديدة وإعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.
إن تحسين الإجراءات في منفذ الوديعة يتطلب التزاماً حقيقياً من السلطات الرسمية بإصلاح النظام الإداري، وفصل النفوذ العسكري عن الإدارة المدنية، ومحاسبة المتورطين في الابتزاز المالي والاستغلال.
كما يجب تعزيز الرقابة المالية والإدارية لضمان إيداع جميع الإيرادات في الخزينة العامة وفقاً للقانون، وإلغاء الممارسات المالية غير القانونية. ويعد تفعيل دور الأجهزة الرقابية، بما في ذلك وزارة النقل والجهات الحكومية ذات الصلة، أمراً حيوياً لضمان الامتثال ومعاقبة من يستغلون المسافرين. ينبغي أن تكون هذه الرقابة مستمرة ومتعددة المستويات، تشمل التفتيش الميداني، والمراجعة الدورية للسجلات المالية، والتقييم التقني لعملية التطبيق لضمان الشفافية في كل مرحلة من مراحل رحلة المسافر.
من الناحية التقنية، يتطلب تطبيق “عبور” تحديثاً لتوفير آليات حجز فعالة ودعماً فنياً للمسافرين، ويجب أن تخضع هذه الإجراءات لإشراف هيئات رقابية مستقلة لضمان عدم استخدام التطبيق كأداة لمزيد من الابتزاز المالي.
يأتي هذا التحليل ضمن سلسلة من الإصدارات التي يُنتجها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بتمويل من حكومة مملكة هولندا. تتناول هذه السلسلة قضايا اقتصادية وسياسية وبيئية بهدف إثراء النقاش وصناعة السياسات المتعلقة باليمن بما يعزز السلام المستدام. لا تعبّر الآراء الواردة في هذا الإصدار بالضرورة عن مواقف مركز صنعاء أو الحكومة الهولندية.
- مقابلة مع سائق يقوم بنقل المسافرين من وإلى المملكة العربية السعودية، 29 نوفمبر 2025.
- مقابلة مع سائق وأحد المسافرين، 15 أكتوبر 2025.
- مراجعة من قبل المؤلف للتعليقات على متجر “جوجل بلاي”، 25 نوفمبر 2025.
- مقابلة مع عامل مغترب، 3 سبتمبر 2025.
- مقابلة مع أحد المغتربين، 3 سبتمبر 2025.
- مقابلة مع أحد المغتربين، 3 سبتمبر 2025.
- مقابلة مع أحد المغتربين، 3 سبتمبر 2025.