السعودية تشنّ هجوماً مضاداً في أعقاب هجوم المجلس الانتقالي الجنوبي
شكّل التقدم الخاطف الذي نفذته قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات في حضرموت والمهرة مطلع ديسمبر، أحد أكثر التحولات المفاجئة والتأثيرات عمقاً في المشهد الأمني اليمني خلال العقود الأخيرة؛ ففي غضون أسابيع قليلة، اندفعت القوات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي إلى المحافظات الشرقية، قبل أن تُدفع سريعاً إلى التراجع، ثم تُجبر على الانسحاب إلى عدن، لتفقد لاحقاً السيطرة على العاصمة المؤقتة. انتهت هذه التطورات بإنهاء أكثر من عقد من الوجود العسكري الإماراتي في اليمن، وإقصاء رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، من مجلس القيادة الرئاسي، وإحداث تغييرات واسعة في بنية المنظومة الأمنية الجنوبية.
على مدى سنوات، عمل المجلس الانتقالي الجنوبي ذو التوجه الانفصالي على تهيئة الأرضية لتوسّع محتمل شرقاً، وعزّز تدريجياً حضوره العسكري في حضرموت عبر قوات النخبة الحضرمية وقوات المنطقة العسكرية الثانية المتمركزة في المكلا.[1] منذ عام 2022، سعت السعودية إلى موازنة هذا النفوذ المتصاعد من خلال إنشاء قوات درع الوطن، وهي تشكيلات يغلب عليها الطابع السلفي، تتلقى التدريب والتمويل من المملكة وتخضع مباشرة لقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي. شكلت قوات درع الوطن، إلى جانب قوات الطوارئ اليمنية المتمركزة على الحدود الشمالية في صعدة والجوف، وقوات المنطقة العسكرية الأولى في سيئون، وقوات الجيش الوطني في مأرب، عماد الشبكة العسكرية الموالية للسعودية في اليمن. في وقت سابق من العام، بدأت الرياض أيضاً في نسج علاقات مع الزعيم القبلي الحضرمي عمرو بن حبريش، الذي أسس قوات حماية حضرموت خارج الإطار الحكومي.
تحتل حضرموت مكانة خاصة في الحسابات الاستراتيجية السعودية، بحكم الروابط القبلية والاجتماعية العميقة بين أبناء حضرموت والسعوديين، فضلاً عن الحدود الطويلة المشتركة. أكدت الرياض مراراً أن حضرموت تمثل قضية أمن قومي، وليست مجرد ملف اهتمام عادي، ورغم هذه الرسائل، بدا أن المجلس الانتقالي رأى فرصته لتعزيز نفوذه في حضرموت آخذة في التضاؤل؛ فقد أدت احتجاجات الصيف على انقطاع الكهرباء المزمن إلى تآكل الثقة الشعبية بقيادة المجلس الانتقالي في المحافظة، وأسهمت بالوقت ذاته في الصعود الصاروخي للزعيم القبلي عمرو بن حبريش، الذي استقطب نفوذه المتنامي اهتمامَ وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، المشرف على الملف اليمني بالرياض. على مدى أشهر، وجّه قادة المجلس الانتقالي الجنوبي ووسائل الإعلام المحسوبة عليه تحذيرات متزايدة الحدّة إلى بن حبريش، الذي شكّلت دعواته إلى مشروع حضرمي مستقل تحدياً مباشراً لهدف المجلس بإعادة إنشاء دولة جنوبية تضم كامل أراضي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة. تصاعدت التوترات تدريجياً طوال الخريف، مع تواتر تقارير عن إقامة معسكرات تدريب عسكرية قبلية في محيط معقل بن حبريش بمديرية غيل بن يمين.
جاءت نقطة التحول في الـ23 من نوفمبر، حين بدأ قائد قوات الدعم الأمني المحسوبة على المجلس الانتقالي، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف محلياً بـ(أبو علي الحضرمي)، حملة تحريض ضد بن حبريش، واصفاً قواته بـ«غير الشرعية» ومتوعداً بقطع خطوط إمدادها من الساحل، واستخدم خطاباً انفصالياً صريحاً، إذ أشار إلى القوات المحسوبة على المجلس الانتقالي باسم «جيش الجنوب العربي»، فيما روّجت وسائل إعلام جنوبية للرواية باعتبارها «تحذيراً أخيراً» لبن حبريش. في اليوم التالي، بدأت قوات المجلس الانتقالي بحشد قواتها، حيث تحركت وحدات من لحج وعدن وأبين وشبوة باتجاه المكلا على الساحل الحضرمي، بذريعة دعم أبو علي الحضرمي و«مكافحة الإرهاب».
سرعان ما اندلعت اشتباكات محدودة بين القوات المحسوبة على المجلس الانتقالي ومقاتلي القبائل التابعين لبن حبريش عند بوابات منشآت بترومسيلة النفطية، حيث كان هؤلاء قد تحصنوا بعد أن بادروا بالسيطرة على الحقول النفطية قبل أيام، ورغم قِصر أمد المواجهات واحتمال كونها متعمّدة لتفادي سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، فإنها شكّلت أول اشتباكات مسلحة في حضرموت منذ طرد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب من المكلا عام 2016. في الشمال الغربي، تقدمت قوات المجلس الانتقالي نحو سيئون، ودخلت المدينة في 2 ديسمبر. بحسب مصادر محلية، قُتل ما لا يقل عن 30 شخصاً خلال المعارك، غير أن المقاومة كانت محدودة؛ إذ سلّمت قوات المنطقة العسكرية الأولى المدينة بعد مواجهات محدودة، قبل انسحابها المنظم باتجاه مأرب.
في الحقول النفطية، انهارت سريعاً جهود الوساطة الطارئة، وتجددت الاشتباكات بين قوات النخبة الحضرمية والمقاتلين القبليين، ومع تفوق خصومه ميدانياً، غادر بن حبريش إلى السعودية، داعياً قواته إلى حلّ تشكيلاتها والعودة إلى منازلها. في شبوة، بدّد هجوم مباغت ومتزامن من قوات مدعومة إماراتياً أي شكوك بشأن وجود تحرك منسق، فقد اقتحمت قوات دفاع شبوة معسكر عارين في المنطقة الصحراوية قرب الحدود مع مأرب، وأخرجت قوات محور عتق المحسوبة على حزب الإصلاح، منهيةً بذلك آخر موطئ قدم للإصلاح في شبوة بعد إخراج قوات محسوبة عليه من عتق عام 2022. أعقب ذلك تسليم منشآت العقلة النفطية في شبوة إلى قوات مدعومة إماراتياً، وتقدم القوات المحسوبة على المجلس الانتقالي إلى المهرة دون مقاومة تُذكر، في مشهد عكس بوضوح أن المجلس الانتقالي أحكم سيطرته على الشرق.
من المحتمل أن السعودية سمحت ضمناً للمجلس الانتقالي بإزاحة قوات المنطقة العسكرية الأولى المحسوبة على الإصلاح في حضرموت، ربما على أساس أن تحل محلها لاحقاً قوات درع الوطن الخاضعة لقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي. كما أن قرار إدماج 12 لواءً من درع الوطن ضمن هيكل قيادة المنطقة العسكرية الأولى قبل أيام قليلة يشير إلى وجود قدر من التنسيق — أو على الأقل علم مسبق — من جانب الرياض؛ بيد أن الأيام التالية كشفت بجلاء أن المجلس الانتقالي قد أفرط في تقدير قدراته حين أقدم على السيطرة على شرقي اليمن، وعلى الفور، انتقلت الرياض إلى وضع دفاعي، فسحبت قواتها من قواعد رئيسية في عدن والمهرة وجزيرة ميون في البحر الأحمر، وأعادت نشر وحدات من درع الوطن باتجاه منطقتي العبر والوديعة الحدوديتين في حضرموت.
أدت هذه التحركات العسكرية إلى اندلاع أزمة سياسية بين عدن وأبوظبي والرياض، وسارع مسؤولون سعوديون إلى التأكيد على أنه رغم احتمال التسامح مع تحرك محدود للمجلس الانتقالي في سيئون، فإن السيطرة على حضرموت تمثل تجاوزاً لخط أحمر واضح، ورغم المطالب السعودية المتكررة بوقف التصعيد، عملت الوحدات الجنوبية على تثبيت مواقعها، فيما خرج أنصار المجلس الانتقالي إلى الشوارع مطالبين بإعلان الدولة الجنوبية (انظر قسم السياسة)، وبذلك وجدت الرياض نفسها أمام هامش مناورة ضيق، ما دفعها إلى التحرك. من خلال رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وقائد درع الوطن بشير المضربي، مضت السعودية في إعادة تموضع القوات، التي أعلنت اكتمال إعادة انتشارها في 19 ديسمبر، كما أن العودة المفاجئة لعمرو بن حبريش، إلى حضرموت من السعودية، تزامناً مع إلقائه خطاباً قوياً وحاشداً في الذكرى العاشرة لحلف قبائل حضرموت، أشارت إلى أن الرياض تستعد لرد أكثر حزماً.
بلغت التطورات ذروتها في 25 ديسمبر، حين تقدمت قوات الدعم الأمني بقيادة أبو علي الحضرمي نحو مواقع يسيطر عليها مقاتلون قبليون محسوبون على حلف قبائل حضرموت بمديرية غيل بن يمين. رداً على ذلك، نفذت السعودية ضربات جوية محدودة في وادي حضرموت، في رسالة تحذير أخيرة للقوات المحسوبة على المجلس الانتقالي والداعمين لها في أبوظبي. بدلاً من التراجع، أرسلت الإمارات تعزيزات عسكرية؛ إذ أبحرت سفينتان من الفجيرة ورستا في ميناء المكلا، وأنزلتا مركبات عسكرية وأسلحة يُعتقد أنها كانت مخصصة للمجلس الانتقالي. جاء الرد السعودي حازماً، حيث استهدفت الغارات الجوية الشحنة الإماراتية؛ ومن الرياض، أعلن رشاد العليمي إنهاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، وطلب رسمياً انسحاب جميع القوات الإماراتية من اليمن خلال 24 ساعة، كما وجّه بتسليم جميع المواقع الإماراتية إلى قوات درع الوطن، وأمر بانسحاب قوات المجلس الانتقالي إلى مواقعها الأصلية.
حين قررت الرياض التحرك، تبيّن أن موازين القوى على الأرض كانت مغايرة تماماً لما ظهر في البداية، فتضاريس حضرموت توفر غطاءً محدوداً، مما جعل القوات البرية عرضة بشكل شديد للضربات الجوية. انضمت قوات الطوارئ اليمنية إلى قوات درع الوطن المدعومة سعودياً، ومعهما المقاتلون القبليون المحليون وغطاء جوي، فأحرزوا تقدماً سريعاً. انطلاقاً من العبر، توسعت القوات المدعومة سعودياً لاستعادة الخشعة وسيئون والقطن، قبل التقدم نحو المكلا، وانسحبت القوات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي من المهرة بمقاومة شبه معدومة، ثم توجهت قوات درع الوطن غرباً نحو شبوة وأبين، لتؤمن في نهاية المطاف العاصمة المؤقتة وتسحب منها الأسلحة الثقيلة، وامتدت الغارات الجوية السعودية حتى محافظة الضالع مسقط رأس الزبيدي، إثر رفض زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي الاستجابة لاستدعائه إلى الرياض.
عقب الأنباء عن فرار الزبيدي إلى الإمارات عبر أرض الصومال، سحب المجلس الانتقالي الجنوبي قواته وأسلحته الثقيلة من قصر المعاشيق في عدن، وتولّى جنود ألوية العمالقة بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرمي (أبو زرعة)، السيطرةَ على المجمع. على الرغم من أن أبو زرعة كان مدعوماً مباشرة من الإمارات وتمت ترقيته كمسؤول عن القوات الأمنية في المجلس الانتقالي الجنوبي العام الماضي، فإنه يبدو أنه حوّل ولاءه إلى الرياض وتولّى الإشراف على أمن عدن. يُجسّد تحوّله السياسي وتحولات فاعلين آخرين مدعومين إماراتياً مدى السيولة التي تتسم بها التحالفات في المنظومة الأمنية اليمنية.
فيما هدأ القتال على الأرض، لا تزال تحولات جوهرية كبرى تنتظر المشهد الأمني في الجنوب، فعلى خلفية قرار حل الحكومة (انظر قسم السياسة)، جرت إقالة عدد من القادة العسكريين الموالين للمجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة وإحالتهم إلى التحقيق، من بينهم قائد المنطقة العسكرية الثانية طالب سعيد بارجاش، الذي حلّ محله محمد عمر اليميني. كما أعلنت الحكومة عن تشكيل مجلس عسكري أعلى جديد بهدف توحيد جميع القوات تحت مظلة واحدة.
يتمحور السؤال الجوهري أمام المملكة العربية السعودية حول كيفية التعامل مع القوات التي كانت تموّلها الإمارات، فرغم أن الرياض تولّت تمويل بعض قوات الأمن الجنوبية إثر انسحاب القوات الإماراتية من عدن عام 2019، فإن أبوظبي كانت وفق التقارير لا تزال تتكفل برواتب ألوية العمالقة وقوات دفاع شبوة وقوات النخبة الحضرمية، فضلاً عن وحدات أمنية متعددة في عدن ومحيطها كان المجلس الانتقالي الجنوبي يموّلها بصورة متقطعة، ورغم الإمكانات المالية الضخمة للمملكة، فإن استيعاب هذه الرواتب الجديدة سيُفضي إلى تحمّل أعباء مالية ضخمة ويُشكّل عقبات لوجستية. كما يظل غير محسوم كيف تعتزم الرياض ضمان ولاء مقاتلي المجلس الانتقالي الجنوبي السابقين، ولا سيما أبناء الضالع الذين تربطهم صلات قبلية أو جهوية بالزبيدي ويرجّح أنهم لن يتقبلوا هزيمته.
ينطوي انسحاب القوات الإماراتية لمكافحة الإرهاب على مخاوف أمنية جدية، إذ قد يُخلّف فراغاً أمنياً كبيراً، وثمة قلق جدي من أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب قد يسعى إلى استغلال هذه المرحلة من عدم الاستقرار، وفضلاً عن العاصمة المؤقتة، تتركز المخاوف الأمنية بصورة خاصة في حضرموت، حيث أفضى الانسحاب المتسرع للمجلس الانتقالي الجنوبي إلى موجة من النهب والسلب والإفادات عن تكديس الأسلحة. بينما تضطلع قوات درع الوطن بحملات أمنية لمنع مقاتلي بن حبريش وغيرهم من القبليين من تجميع كميات كبيرة من الأسلحة، ستحتاج الرياض إلى أن توازن بعناية بين المصالح المتنافسة في حضرموت، وفي مناطق أخرى من الجنوب، تُنذر الاحتجاجات وأعمال الشغب في السجون والاشتباكات على الأسلحة العسكرية بمرحلة شاقة تنتظر الرياض، التي لا بد لها من تأمين العاصمة المؤقتة قبل أن تُعيد الحكومة اليمنية الجديدة من مقرها البديل في الرياض.
مع بدء الأمور بالهدوء في عدن وحضرموت، يبقى أمر واحد جلي: أن مجريات الأشهر الأخيرة كشفت من جديد عن محدودية حضور اليمنيين وفاعليتهم في صياغة مساراتهم السياسية؛ فبحلّ المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المحسوبة عليه، أثبتت الرياض عزمها على بسط سيطرتها الكاملة على القطاع الأمني اليمني، وإن كان ذلك قد يوحّد القرار الاستراتيجي في المدى المنظور، ولا سيما في ما يخص أي تحرك عسكري محتمل ضد جماعة الحوثيين (أنصار الله)، فإنه يبدو أمراً غير قابل للاستدامة على المدى البعيد. لقد أظهرت التوترات الأمنية في عدن أن كثيراً من المظالم المتجذرة التي غذّت عقوداً من الصراع لا تزال قائمة، وأن مجرد تغيير الجهة التي تُوقّع على كشوف الرواتب لا يُعالج هذه المظالم في جوهرها، بيد أن هذا التحدي يُتيح للرياض في الوقت ذاته فرصة: فإذا أرادت المملكة معالجة المخاطر الأمنية على الأرض بصورة دائمة ومستدامة، فلا مناص لها من تمكين الفاعلين اليمنيين حقاً، لا تهميشهم.
عودة ناقلات الشحن إلى البحر الأحمر، والحوثيون يتخذون من أرض الصومال هدفاً
أوفى الحوثيون بوعودهم بوقف الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر، إذ أتاحوا المرور الآمن للسفن منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار بوساطة أمريكية في غزة مطلع أكتوبر، وأفرجت الجماعة عن طاقم السفينة إيتيرنيتي سي الذين احتُجزوا منذ إغراق سفينتهم في منتصف يوليو، ونُقل الطاقم جواً من صنعاء إلى عُمان برفقة وفد من كبار قيادات الحوثيين للمشاركة في مفاوضات تبادل الأسرى بإشراف أممي (انظر قسم السياسة). في الوقت الراهن، يسود الهدوءُ البحرَ الأحمر، وأعلنت شركة ميرسك للشحن البحري الكبرى عن عودة تجريبية إلى الممر الملاحي في البحر الأحمر، بعد أن كانت هي وسائر شركات الشحن العالمية قد حوّلت حركة ملاحتها عبر رأس الرجاء الصالح منذ مطلع 2024، وأعلنت عملية أسبيدس الأوروبية أواخر نوفمبر أنها أمّنت عبور أكثر من 1320 سفينة تجارية منذ بدء عملياتها في البحر الأحمر في فبراير 2024.
رغم ذلك، يظل خطر العودة إلى التصعيد في البحر الأحمر احتمالاً حقيقياً، فالنشاط الحوثي في الأشهر الأخيرة يُشير إلى أن الجماعة تواصل حشد قدراتها استعداداً لهجمات مستقبلية محتملة، وتعمل على تعزيز ترسانتها لتمكينها من ذلك. تفيد تقارير وردت إلى مركز صنعاء بأن القوات البحرية الحوثية أجرت تدريبات برمائية على ساحل الحديدة في البحر الأحمر، شملت محاكاةً لعمليات الإنزال والمعارك البحرية والاستيلاء على المواقع، وقد تدل طبيعة هذه التدريبات على استعداد حوثي للتقدم الساحلي، ربما نحو إحدى الجزر الخاضعة لسيطرة القوات المشتركة، ومما يُعزز هذه الاحتمالات انسحاب القوات السعودية والإماراتية من جزر البحر الأحمر وإعادة انتشارها خلال الأسابيع الأخيرة.
قد يكون النشاط الحوثي المتجدد على جبهة البحر الأحمر موجهاً نحو أرض الصومال، فاعتراف إسرائيل بهذه المنطقة الانفصالية، الهادف على الأرجح إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والعملياتي في جنوب البحر الأحمر، أثار غضب قادة في أرجاء العالم العربي واستدعى إدانات من القيادة الحوثية، وحذّر عبدالملك الحوثي من أن الجماعة «لن تتردد» في استهداف أية قاعدة إسرائيلية تُقام هناك.
يُشير استمرار تدفق الأسلحة غير المشروعة عبر موانئ الحديدة الرسمية والسرية إلى أن الجماعة تمتلك على الأرجح القدرة النارية الكافية لدعم هذه التصريحات؛ فمنذ مطلع أكتوبر، رصد مركز صنعاء 11 حادثة تهريب أسلحة على طول ساحل الحديدة، فيما استُؤنفت الأنشطة في مينائي الحديدة والصليف عقب تدميرهما بالغارات الجوية الإسرائيلية. إلى جانب الأسلحة، يواصل الحوثيون انتهاك العقوبات الدولية عبر استيراد الحبوب المهرّبة والطابعات والنفط وغيرها من البضائع بصورة منتظمة.
إعادة هيكلة التحالف تُهدد استقرار خطوط التماس
بات الاقتتال الداخلي في صفوف التحالف المناهض للحوثيين يُهدد الاستقرار الهش على خطوط التماس في اليمن، فعدد من أكثر الجبهات نشاطاً، بما فيها جبهات في لحج والضالع وأبين وشبوة، كان يرابط فيها جزئياً مقاتلون محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي أو مدعومون إماراتياً، وقد يُفضي انتقالها إلى الإدارة السعودية، وإعادة انتشار قوات ألوية العمالقة من جبهات الحديدة إلى عدن، إلى ثغرات في الدفاعات المناهضة للحوثيين.
رغم هذه التحولات، لم تُحرز الجماعة الحوثية أي تقدم ميداني يُذكر، وتبدو في وضع الترقب، غير أن مواصلتها استقطاب المقاتلين القبليين، ولا سيما في مأرب والحديدة، يكشف أنها ليست في وضع الخمول، ولا تزال الجماعة تعاني من ارتدادات الخسائر التي لحقت بقياداتها وترسانتها جراء الحملات الجوية الأمريكية والإسرائيلية العام الماضي، مما زرع التصدع والارتياب في صفوفها. ترجّح القيادة في صنعاء إمكانية التوصل إلى تهدئة سياسية مع الرياض، وأي هجوم في هذه المرحلة قد يُعرّض أي اتفاق مستقبلي للخطر.
في سائر المناطق، ظلت خطوط الجبهة هشة لكنها مستقرة طوال الخريف، مع استمرار الاشتباكات في تعز ولحج والضالع وشبوة وأبين والحديدة. في الجوف، سُجّلت اشتباكات متقطعة بين مقاتلين حوثيين وقوات الحكومة طوال نوفمبر، دون أن تُفضي إلى تغييرات ميدانية أو خسائر تُذكر، وفي أواخر ديسمبر، اندلعت اشتباكات للمرة الأولى منذ عشرة أشهر على جبهة عقبة الحلحل في منطقة لودر بأبين، في تطور ربما أشعلته إعادة انتشار قوات درع الوطن.
مستجدات أخرى بإيجاز
16 أكتوبر: أعلن الحوثيون عن وفاة رئيس أركان جيشهم محمد عبدالكريم الغماري متأثراً بجراح أصيب بها خلال ما وصفوه بـ «غارات العدوان الأمريكي الصهيوني الإجرامي المتعددة». لا يزال غير محدد ما إذا كان الغماري قد أصيب في غارة جوية إسرائيلية استهدفته تحديداً في يونيو، أم في عملية «قطرة الحظ» الإسرائيلية التي أودت بحياة نحو 12 عضواً في الحكومة الحوثية وعدد من المسؤولين، أواخر أغسطس.
20 أكتوبر: نقلت وكالة أسوشيتد برس أن مدرجاً جوياً جديداً أُنشئ في جزيرة زقر في البحر الأحمر قبالة ساحل الحديدة، التي تخضع لسيطرة قوات موالية لطارق صالح.
13 نوفمبر: صوّت مجلس الأمن الدولي على تجديد نظام العقوبات المفروضة على اليمن لسنة إضافية، إذ أيّده 13 عضواً مع امتناع روسيا والصين عن التصويت، ويمدّد القرار تجميد الأصول وحظر السفر على عدد من مسؤولي الجماعة الحوثية، إضافة إلى تدابير حظر الأسلحة المعمول بها منذ 2014.
9 نوفمبر: ارتفعت حدة التوترات بين القوات الحكومية على الساحل الغربي، إثر قيام قائد ألوية العمالقة المدعوم إماراتياً حمدي شكري بنشر كتيبة إضافية في المناطق الساحلية للحج، مما أثار حفيظة قوات درع الوطن المتمركزة في المنطقة، ودفع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إلى سحب قوات درع الوطن من المنطقة.
24 نوفمبر: اندلعت اشتباكات بين أهالي لحج وقوات الأمن المحلية لحظة مرور موكب محافظ تعز نبيل شمسان في المنطقة، مما أثار مخاوف من احتمال تعرضه لمحاولة اغتيال. وعلى الرغم من أن وجود شمسان بدا عرضياً، فإن الحادثة سلّطت الضوء على التدهور المتصاعد في العلاقة بين المدنيين والجماعات المسلحة في اليمن.
29 نوفمبر: أودت غارة أمريكية بطائرة مسيّرة بحياة القيادي البارز في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب منير الأهدل، المكنى بـ”أبي الهيجاء الحديدي”، وشخص آخر، كانا يسيران على دراجة نارية على طريق ترابي في منطقة الرمسة بمديرية مأرب الوادي. كما لقي مسلحان مشتبه بانتمائهما للتنظيم حتفهما في غارة بطائرة مسيّرة غامضة المصدر في المديرية ذاتها في 8 ديسمبر.
25 ديسمبر: أقامت السلطات الحوثية جنازات لخمسة قادة عسكريين، قُتل بعضهم في غارات جوية أمريكية وإسرائيلية في وقت سابق من العام. من بين القتلى زكريا عبدالله حجر، المشرف على وحدة الطائرات المسيّرة لدى الجماعة والذي يُعدّ أحد رواد هذه القدرة فيها، كما قُتل شقيقه أحمد عبدالله حجر، المسؤول عن اللوجستيات المرتبطة بقوات الصواريخ والطائرات المسيّرة.
- يتألف التحالف اليمني المناهض للحوثيين من منظومة متشعبة من القوات ذات الولاءات المتباينة، والمناطق العسكرية هي قيادات عمليات تابعة للجيش النظامي، أُعيد تنظيمها في عهد الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي عام 2012، وقد ارتبطت المنطقة العسكرية الأولى تاريخياً بحزب الإصلاح، فيما حظيت المنطقة العسكرية الثانية بدعم إماراتي وتحالفت مع المجلس الانتقالي الجنوبي.












